“الأمير الجبان” من روائع القصص
صحيفة هتون الإلكترونية -

“الأمير الجبان” من روائع القصص -يحكي أن ملكًا كان يعيش في أحد البلاد الواقعة على مجرى نهر النيل العظيم ، حيث يتدفق النهر خلال الغابة الواسعة ، وكان لهذا الملك ابن وحيد اسمه سامبا ، كان الملك في شبابه محاربًا شجاعًا ، لكنه الآن أصبح عجوزًا ، وحين كبر سامبا وأصبح قويًا وسيمًا ، صار الملك يفخر دائمًا بابنه الذي عرفه الناس طيبًا لطيفًا ، وأحبوه جميعًا.

لكن الملك كان قلقا لأن ابنه يخاف من أشياء كثيرة، وعندما كان سامبا صغيرا، كان يجري مسرعا إذا سمع خطوات فيل، ويصرخ إذا شاهد آثار أقدام أسد. وكان الناس يقولون: ” إنه لا يزال طفلا، وعندما يكبر سيصبح شجاعاً ولا يخاف من شيء، وسيأتي يوم يعيّنه والده قائدا لجيشه.”

“الأمير الجبان” من روائع القصص  وكم شعروا بالفرح عندما جاء اليوم ، وتولى سامبا قيادة الجيش ، قال الناس: سوف نعيش في امان فإن سامبا قوي يستطيع أن يحمينا من اللصوص ويدافع عنا ، وكان الأب يتابع في سعادة قوة ابنته ومهارته ، إلا أنه ظل قلقًا عليه ، فقد كان يلاحظ تجنبه للألعاب الخطرة ، وابتعاده عن فرق الصيد .

وذات صباح، استيقظ الناس فوجدوا اللصوص قد سرقوا مواشيهم وأغنامهم وأخذوا بعض الرعاة عبيداً لهم. وبحث الناس عن سامبا ليسترد لهم الرعاة والحيوانات، لكنهم لم يجدوه. لقد اختفى.. وكان على الملك رغم كبر سنه، أن يركب فرسه، وأن يتقدم على رأس المحاربين ليقاتل اللصوص، ويسترد ما سرقوه .

“الأمير الجبان” من روائع القصص وبعد عدة أيام ظهر الأمير سامبا ، وأخذ يردد قصة ملفقة يحكي فيها كيف طارد أسدًا كبيرًا في الغابة وانقض عليه حتى قتله ، لكنه لم يستطع حمله وإحضاره معه لثقل وزنه ، ولكن الناس لم يصدقوه ، وأخذ يقولون أن الأمير سامبا جبان ، وظل الجميع يردد ذلك حتى غضب الملك على ابنه ولم يعد يشفق عليه.

لم يستطيع سامبا أن يتحمل كل هذا ، وقرر ترك المملكة والذهب لمملكة أخرى لا تعرف الحروب ولا العنف ولا المعارك ، فامتطى حصانه في رحلة طويلة شاقة ، لازمها فيها الخوف والفزع ، فكان نهارًا يخشى من اللصوص ، وليلًا يخشى من الحيوانات المفترسة.

وبعد أن عانى سامبا كثيراً المخاوف الرهيبة، وصل إلى مدينة عظيمة، ترتفع أسوارها إلى جوار النهر.

“الأمير الجبان” من روائع القصص استعاد سامبا مظاهر النبل والسلطان، ودخل عبر بوابات سور المدينة وهو يركب فرسه في عظمة ومهابة. ومرّ أمام القصر الملكي، وقد رفع رأسه في اعتداد. وبينما كانت بنت الملك تتطلّع من نافذتها، رأت الغريب الوسيم يمر من أمام القصر, فقالت لخدمها: ” اذهبوا تعرفوا على هذا الفارس الشجاع، الذي لم يسبق أن رأيت من يماثله في الوسامة والقوة..”

عاد أحد أتباعها بعد قليل, وقال :” أيتها الأميرة العظيمة، إنه الابن الوحيد لملك عظيم.” فقالت له : ” عد إليه وادعه لمقابلتي.”

رأى سامبا الأميرة الجميلة، فأعجب بها كما أعجبت به. وطلبت الأميرة إلى والدها أن تتزوج سامبا رغم أنها رفضت قبله ملوكا وأمراء كثيرين. ونظرا لأن الأميرة كانت الابنة الوحيدة لأبيها، فقد وافق على هذا الزواج.

“الأمير الجبان” من روائع القصص وبالفعل تزوج سامبا الأميرة الجميلة في احتفالات عظيمة ، وكان سامبا زوجًا محبًا ذكيًا عاش مع زوجته في سعادة وهناء ، وكانت الأميرة فخورة بزوجها القوي الوسيم ، ولم يمض وقت طويل على الراحة والهدوء الذين غمروا المملكة ، فقد أغار اللصوص على المدينة أثناء الليل ، وقتلوا الرعاة ، وسلبوا عددًا كبيرًا من قطعان الماشية.

وعندما اكتشف الملك الخسارة في الصباح ، أصدر أوامره بقرع قبول الحرب ، وبأن يتولى الأمير سامبا قيادة الجيش ، فارتفعت هتافات المقاتلين مرحبة بذلك القرار ، ولكن سامبا لم يسمع هتافاتهم ، فقد اختفى عن الأنظار ، وعندما بحثت عنه الأميرة وجدته مختبئًا في حد مخازن القصر المظلمة ، فبذلت معه جهدًا كبيرًا كي يترك خوفه ويذهب لساحة القتال لكنها فشلت في ذلك.

وأخيرًا قررت الأميرة أن تأخذ درعه وتمتطي حصانه وتحارب بدلا عنه حتى لا يلحق بهما الخزى والعار ، ويسخر الشعب من جبن الأمير ، فلم يتردد الأمير في إعطاء الأميرة درعه وخوذته ، فخرجت وامتطت حصانه وحاربت الأعداء على رأس الجيش ، وحققت عليهم انتصارات كبيرة ، وتجمع الناس على باب القصر لاستقبال عودتها ظنا منهم أنها الأمير سامبا.

واستقبلته الهتافات المدوية من أفراد الشعب المتحمسين لبطلهم وقائدهم الجديد. وابتسم لهم سامبا، لوّح لهم بيده، لكنه لم يقل شيئا ولم يعرف أحد أن الأمير سامبا لم يكن هو الذي قادهم إلى النصر.

إلا أن شقيق الأميرة الأصغر كان يشعر أن شقيقته هي التي قادت المعركة. وعندما أخبر أخوته بشكوكه، ضحكوا من تصوراته، لكنه قال: ” إذا جاء المعتدون ثانية، سأثبت لكم صحة ظنوني. سوف أحاول أن أترك علامة خاصة على القائد.”

غضب المعتدون اللصوص لهزيمتهم، وجمعوا حولهم عدداً أكبر من رجال العصابات، وعادوا للهجوم مرة أخرى على المدينة. ورفض سامبا مرة ثانية أن يقود قواته، وترك زوجته تقود المحاربين إلى المعركة وهي متخفية في درعه.

وعندما خرجت لتركب حصان زوجها، راقب شقيقها الأصغر طريقة مشيها، فبدت شكوكه تتزايد، ولكي يكتشف الحقيقة ويتأكد تماما، اقترب من أخته في أثناء المعركة وأصابها بجرح صغير في ساقها.

كانت المعركة حامية جدا، فلم يكن لدى الأميرة وقت لتفكر في الألم. لكن عندما عادت إلى القصر أحست بالضعف والألم بسبب الدم الذي فقدت، ومع ذلك قالت لسامبا وهو يرتدي الدرع التي كانت ترتديها:” إنه مجرد جرح بسيط في ساقي، والناس ينتظرونك لتحيتك. ولكن قبل أن تخرج إليهم أجرح ساقك في رفق في المكان نفسه، حتى لا يشك أحد في أنك أنت الذي كنت تقود الرجال في المعركة.” فانتفض سامبا وقال في فزع: ” ماذا؟ أجرح نفسي؟ لا يمكن..لا أستطيع… هذا هو السبب الوحيد الذي يبعدني عن المعركة.”

وبعد يومين تجمعت كل عصابات الأعداء مع زعمائها ، وعادت لمهاجمة المدينة ، أملا في الانتقام وإحراز النصر ، وعندما دوت طبول الحرب ، نهضت الأميرة وذهبت لزوجها تحثه على الخروج ، لأن إصابتها كانت سيئة لن تقوى بها على الحرب ، وسينكشف أمرها إن خرجت ، ولكن دون فائدة كان خوف الأمير أكبر من كل توسلاتها.

فاتفقت معه أن يخرج أمام الشعب في مقدمة الجيش ، وستقابله هي عند حافة الغابة لاستبدال أماكنهم ، فوافق سامبا على الخطة ، وبمجرد أن امتطى الحصان ، ضربته الأميرة بالسوط ضربة قوية ، فانطلق كالريح خارجًا من أبواب المدينة ، وخرج خلفه كالسهم كل المحاربين ، وبعد لحظات وجد الأمير نفسه في وسط المعركة ، ولأول مرة وجد نفسه محاطًا بالخطر من كل جانب ، فقرر أن يحارب من أجل حياته.

وهكذا حدثت المعجزة وتغلب سامبا على خوفه ، فقد وجد شجاعته وآمن بها حين أيقن أنه لا مفر من القتال ، واكتشف أن الشيء الذي كان يخشاه هو الخوف نفسه ، وحينما وجد نفسه يقاتل من أجل حياته ، نسى الخوف وانهال بسلاحه على الأعداء حتى قضى عليهم تمامًا ، وكان النصر في هذه المعركة له طعم خاص ، فقد انتصر سامبا على خوفه وعلى أعداءه.

وحين عاد إلى المملكة كانت هتافات الشعب أكبر من أي مرة واستقبله الملك بنفسه عند بوابة القصر ، وبينما كان سامبا يضع غنائم النصر الثمينة عند قدمي الملك : قال له : يا بني كم أنا فخور بك لشجاعتك ودفاعك عن شعبي ، إنني مدين لك أخبرني كيف أكافئك ؟

قال سامبا الذي وجد أخيرًا شجاعته : يا مولاي أنت لست مدينًا لي بشيء ، في الحقيقة أنا المدين لابنتك وزوجتي العزيزة لأنها حولت رجلًا جبانًا إلى قائد شجاع ، وجعلته يحرز انتصارين في هذا اليوم ، الانتصار الأول على نفسه ، والانتصار الثاني على أعداء الشعب .

تنهدت الأميرة في أسى ولم تقل شيئا، لكنه في اللحظة التي استدار فيها الأمير ليخرج إلى الشرفة، انحنت بسرعة وجرحته برمحه في ساقه المكشوفة. وبينما كان يصرخ، غطت الأميرة جرحها، وأسرعت تنادي طبيب الملك ليعالج ألأمير الجريح .

وفي الحال، انتشرت بين الناس أخبار إصابة سامبا. وظل الناس يذهبون إلى باب القصر يسألون عن أخبار قائدهم الشجاع.

قال أكبر الأخوة لشقيق الأميرة الأصغر: ” لعلك تأكدت الآن أن سامبا هو الذي قاد المعركة فعلا، وحقق لشعبنا النصر، وأنك كنت مخطئا في ظنك.”

شعر شقيق الأميرة الأصغر بالحيرة، وعندما دخل الحجرة التي كان يرقد فيها سامبا وهو يئن، وجد أنه لا يستطيع الشك في الدليل الذي يراه أمام عينيه.



إقرأ المزيد