سعوديات يقمن برحلات سرّية صوب الصحراء لتعلُّم القيادة.. وأوبر وكريم ستبدآن في توظيف سائقاتٍ
هافنغتون بوست عربي -

في امتدادٍ تابع لمزرعة في ضواحي العاصمة السعودية الرياض، كانت رانيا (40 عاماً) تجلس متوترةً في مقعد السائق في سيارة زميلها.

وضعت السيارة النيسان على وضع القيادة، وأدارت المحرك، ثم نظرت في المرآة وبدأت الحركة ملتزمةً بتعليمات زميلها بدقة.

قد يبدو المشهد معتاداً، لكنَّها المرة الأولى لرانيا، موظفة البنك والأم لثلاثة أطفال، التي تقود فيها سيارةً في بلادها.

كجزءٍ من حركة إصلاح شاملة، قضى الديوان الملكي السعودي بالسماح للنساء بالقيادة اعتباراً من 17 يونيو/حزيران المقبل، ليرفَعَ حظراً استمر لفترةٍ طويلةٍ، ومثَّل رمزاً لقهر النساء في المملكة المُحافِظة الصارمة.

ويُنتظر أن تُفتتح مراكز تعليم القيادة في مارس/آذار المقبل، غير أنَّ النساء المتلهفات لبدء التعلم يقمن برحلاتٍ سريةٍ للصحراء.

وفق صحيفة The Telegraph البريطانية قالت رانيا -التي طلبت ألَّا يُنشر اسمها الكامل- لصحيفة التليغراف البريطانية: "لستُ خائفةً من أن تُمسِك بي السلطات، عليك فقط اختيار الأماكن التي لا تشعر فيها الحكومة بالخطر، أو بأنَّها لا تُطاع. لقد انتظرتُ كثيراً، ولم يعد باستطاعتي أن أضيع أي دقيقةٍ أُخرى على أي حال".

كانت رانيا تُعاني لتذهب إلى أي مكانٍ منذ طلاقها من زوجها قبل بضع سنواتٍ. وتقول: "كان ابني الأكبر يُقلُّني إلى حيث أُريد منذ أن بلغ السادسة عشرة قبل 3 شهورٍ".

وتتابع: "لكنَّه يحتاج لأن يكون في جامعته في السابعة صباحاً، وأنا لا أبدأ عملي في البنك قبل التاسعة. كما أنَّ لدي طفلين آخرين يحتاجان للذهاب للمدرسة. الوضع سخيف. كوني امرأةً ليس نوعاً من الإعاقة".


سائقات سيارات أجرة


تُعد مجموعة الإصلاحات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تضمنتها خطة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لمستقبل المملكة -المسماة "رؤية 2030"- هي الأكثر تأثيراً على النساء منذ وقتٍ طويلٍ.

وحين زارت صحيفة التليغراف الرياض هذا الأسبوع، كانت النساء بالفعل يستعرضن السيارات في معارض المدينة المتنوعة، ويُسجلن أنفسهن في مدرسة تعليم القيادة للسيدات الواقعة بجامعة الأميرة نورا بنت عبدالرحمن.

وأعلن تطبيقا أوبر وكريم أنَّهما سيبدآن في توظيف سائقاتٍ سيدات للمرة الأولى في المملكة هذا الصيف.


عام 1900 صدر المنع


يُذكر أنَّ الحظر فُرض بحزمٍ منذ صدور الفتوى المتعلقة به عام 1990 على يد المفتي الأكبر وقتها عبدالعزيز بن عبدالله بن باز.

وفي دفاعٍ حديث عن الادعاء بتحريم قيادة النساء، ادعى رجل دين محافظٍ أنَّ قيادة السيارات تُتلف مبايض النساء، وتشغلهُن عن الأمومة، بينما قال آخر إنَّ افتقارهن للقدرة على التنسيق سيجعلهن خطراً على الطريق، وفق صحيفة The Telegraph.

ولعقودٍ أبقى الحظر النساء بشكلٍ كبيرٍ خارج سوق العمل، وفي بعض الحالات تركهن حبيسات منازلهن.

وشارك بضع عشراتٍ من النشطاء في احتجاجاتٍ على القانون عام 1990، تلت ذلك موجةٌ أخرى من الاعتراضات عام 2011 و2013، وكانت الاحتجاجات تنتهي دائماً بإيقافهم أو سجنهم. رغم ذلك أطلقت حركة الاحتجاجات الصغيرة العامة هذه ما قد أصبح اليوم حركة حقوق نساء ناضجة.

وبدأت النساء في كل أرجاء السعودية بالحشد والتعبئة على تويتر وغيره من الشبكات الاجتماعية على وسوم مثل: #أوقفوا_استعباد_المرأة_السعودية و#النساء_يقدن
و#معاً_لإنهاء_الوصاية_الذكورية.

تمتلك المملكة العربية السعودية أكبر عدد من مستخدمي تويتر في الوطن العربي. ويصل عددهم إلى أكثر من 5 ملايين مستخدم من بين تعداد المملكة البالغ 32 مليون نسمة. ما يجعل من الشبكة أكثر المنابر تأثيراً فيما يتعلق بالحملات المناهضة للنظام.

وتقول لجين الهذلول الناشطة السعودية البارزة في مجال حقوق المرأة التي كانت قد اعتُقلت مرتين لمحاولتها القيادة في المملكة: "الكثير من المنظمات غير الحكومية محظورة، لذا يعتبر تويتر المُتنفس الوحيد للكثير من النساء. إنَّه لمن المُرضي للغاية أن أرى صوت أولئك النساء يُسمع أخيراً".



لكنَّ آل سعود لا يعتزمون ترك نساءٍ مثل لجين يحصدن الفضل في أحد أكبر التغييرات الهادفة لتحسين صورة السعودية على المستوى الدولي.

وقالت لجين لصحيفة التليغراف: "أتتني مكالمةٌ من ضابطٍ في المخابرات قبل إعلان الخبر بثلاثين دقيقة يهددني فيها، ويحثني على عدم التعليق سلباً أو إيجاباً، وإلا سأتعرّض للاستجواب".

وبدلاً من ذلك غرَّدت الناشطة البالغة من العمر 28 عاماً قائلةً فقط: "الحمد لله".

وقالت لجين التي يتابعها أكثر من 300 ألف مستخدمٍ على تويتر: "لم أتمكن من التعليق مباشرةً على الحدث، لكنَّني كنتُ ما زلت أشعر بالرغبة في قول شيءٍ. وبطريقةٍ ما بدا ذلك أسلم ما يمكن قوله.

وأضافت "قصدتُ كذلك أن أُذكر الناس بأنَّ الأمر لم يكن إنجازاً للحكومة وحدها، فهناك مجموعةٌ من النساء والرجال كانوا يضغطون لإحداث ذلك التغيير".

ولم يخلُ موقفها من المفارقة، ففي حين تجتهد المملكة لبذل جهودٍ علنية ظاهرية فيما يتعلق بحقوق النساء، تحاول سراً إسكات أعلى مؤيديها صوتاً.

ولم تُعلق لجين الهذلول علناً على رفع الحظر قبل مرور أشهرٍ على الحدث.

وقالت: "السكوت أو الاستسلام لتلك التهديدات ليس مقبولاً بالنسبة لي، لم يعد خياراً أن أبقى صامتةً. لقد صمتنا بما فيه الكفاية".

ويرى البعض هذا الإصلاح انتصاراً نادراً للحركات التحررية في المملكة.

إذ تعتقد مديحة العجروش الناشطة البارزة في مجال حقوق المرأة أنَّ تحرر النساء تقوده تركيبةٌ أكثر تعقيداً من العوامل المختلفة.

وقالت مديحة (64 عاماً) للتليغراف: "كان هناك ضغطٌ دولي نحو التحديث، لكن كان هناك كذلك ضغطٌ داخلي. كان الوضع لا يمكن تحمله".

وتابعت: "تشكل النساء 50% من المجتمع، لكنَّ أغلبهن خارج سوق العمل. علم ولي العهد أنَّه لا مخرج لنا من الأزمة الاقتصادية إلا بالسماح للنساء بالمشاركة في الاقتصاد، الذي لم يعد معتمداً على النفط فقط".

ويُذكر أنَّ انخفاض أسعار النفط قد أدى إلى الحد من الوظائف الحكومية، التي اعتمد عليها الكثير من السعوديين منذ ازدهار صناعة النفط في السبعينيات، وتحاول المملكة الآن دفع المزيد من المواطنين بما فيهم النساء نحو القطاع الخاص في محاولةٍ للتنويع.

وكان افتقار النساء للحركة عائقاً كبيراً.

الجدير بالذكر أنَّ لجين الهذلول كانت قد صُنفت ثالث أقوى امرأةٍ عربية من قِبل مجلة فوربس عام 2015، لكنَّها أُجبرت على ترك عملها في نفس العام بعد أن صار غير مجدٍ. وكان زوجها الممثل الكوميدي السعودي فهد البتيري -الذي هو كذلك ولي أمرها- غالباً ما يسافر خارج البلاد، وكانت هي تضطر لركوب سيارات الأجرة من وإلى العمل.

وقالت: "تطبيقَي أوبر وكريم يحصلان على أكثر من 30% من راتبي، كان عليَّ أن أدفع ما بين ألفين إلى 3 آلاف ريالٍ (530-800 دولار) شهرياً للتنقل، في حين أنَّ راتبي كله 6 آلاف ريال (1600 دولار)، وفي نهاية الشهر لا يتبقى معي أي شيء".

ويرى كثيرٌ من السعوديين أنَّ المجتمع قد أصبح أكثر تقبلاً للتحديث عما سبق، إلا أنَّ السياسات ما زالت متأخرةً، ففي الملكية السعودية ذات الحكم المطلق يجب أن يأتي التغيير من القمة إلى القاعدة.

وصرّح فيصل المجرشي، الموظف الحكومي في الرياض لصحيفة التليغراف: "نحن سعداء للغاية بأنَّ زوجاتنا سيتمكنَّ من قيادة السيارات، وأستطيع أن أقول لك إنَّنا جاهزون لهذه الخطوة منذ وقتٍ طويل. إنَّنا في الرياض وجدة متحررون، ومطّلعون على مجريات الأوضاع في العالم، ونريد أن نرى هنا ما نراه في الدول الأخرى".

ولكن ما زالت هناك في المملكة أجزاءٌ أشد تحفظاً، منها مكة المكرمة والمدينة المنورة، اللتان لا تزالان تقاومان الإصلاحات التي تجتاح السعودية.

ولا تتوقع مديحة العجروش أن تتمكن النساء من العائلات المحافظة من القيادة، على الأقل ليس على الفور.


سعيدة بسبب زوجي

تقول العجروش، التي تعمل معالجةً نفسية: "إنَّني واحدةٌ من سعيدات الحظ، ممن لديهن ولي أمر -وهو زوجي- يؤمن بقضايا المرأة، ويحب أن يراني قوية. ولكنْ هناك أعدادٌ أكبر يفضلون بقاء زوجاتهم في البيت وطاعة أوامرهم".

وسواءٌ رضوا بذلك أم لا، فإنَّ بلادهم تتغير من حولهم بسرعةٍ فائقة.

فمنذ عامٍ واحدٍ فقط، حلَّت السلطات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سيئة السمعة، وهو ما يعني أنَّ المرأة لن تُوقف في الشارع مرةً أخرى ويُطلب منها إظهار أوراق موافقة ولي أمرها.


بالطوهات ملونة وعاملات ونظرة مختلفة نحو الاختلاط

ويمكن أيضاً ملاحظة الفرق في المجمعات التجارية والمطاعم في أنحاء الرياض، حيث يقضي السعوديون جزءاً لا بأس به من أوقات فراغهم، ولدى المحلات الآن بائعاتٌ يبعن عباءاتٍ ملونة، بدلاً من تلك السوداء التي كان مفروضاً أن تتغطى بها المرأة حتى أخمص قدميها.

وبدأت بعض النساء في كشف شعورهن، أو حتى التخلي عن الحجاب بشكلٍ كامل.

ومن الملاحظ أيضاً بعض الانفتاح في نظرة المجتمع للاختلاط بين الجنسين، فأصبح من الممكن رؤية رجلٍ غير متزوج يجلس مع امرأةٍ غير متزوجة في مكانٍ عام من الأماكن الآخذة في التوسع.

وأضافت مديحة العجروش، التي تعقد جلساتٍ علاجية من بيتها في قلب الرياض: "الجيل الجديد من النساء، وأتحدث بالتحديد عن النساء اللاتي انضممن لسوق العمل في السنوات الماضية، يأتين إليَّ مشوشات، يقلن إنَّ الثقافة المغلقة التي تربين عليها لم تعد تتفق مع أهدافهن".

وأضافت: "أفضل وصف لهذا هو أزمة الهُوية، فهُن مشوشاتٍ بين السعودية الحديثة والأخرى القديمة، ولا يعرفن أين هُن بالضبط".

وقالت إنَّ جزءاً من هذه المشكلة سببه -على الرغم من الحقوق الجديدة المكتسبة- أنَّ المرأة لن تصبح مواطناً كاملَ الحقوق بين عشيةٍ وضحاها.

ستظل النساء محتاجات لوصاية الرجال، سواءٌ كان والدها أو زوجها أو أخوها أو حتى ابنها، فيجب أن يعطيها الإذن لتتمكن من السفر إلى الخارج، أو تتزوج، أو تفتح حساباً في بنك، أو حتى لتستأجر شقة.

وقالت مديحة إنَّهن يُعاملن في العمل كناضجات، ولكن كأطفال في بيوتهن.

وعبر كثيرون عن مخاوفهم من أن تُلغى تلك الإصلاحات في الأيام القادمة.

إذ قالت لجين الهذلول: "لم يتم بعد التصديق على القوانين التي تنص على هذه التغييرات، مما يعني أنَّ قائداً جديداً قد يعدل عنها. المشكلة مع التقدم الذي تقوده الدولة هي أنَّه يعتمد على الدولة، وهو أمرٌ شديد التذبذب في دولةٍ تتركز السلطة فيها في يد رجلٍ واحدٍ".

وأضافت: "هذا هو أكثر شيءٍ إثارة للقلق؛ إذ لا توجد أيّة ضماناتٍ على ذلك، إنَّني سعيدةٌ بما يحدث الآن، ولكن هذا لا يعني أنَّني أعتبره أمراً مضموناً".

وأضافت: "أعرف أن هذا قد يختفي تماماً بين عشيةٍ وضحاها".



إقرأ المزيد