فرح المؤمنين بنجاح الحج
صحيفة الرياض -

نجاح موسم الحج مناسبة سنوية لفرحِ كُلِّ مسلم سليم الصدر نقيّ القلب، طاهر الروح، وكيف لا يفرح المسلم بهذا النجاح الذي من خلاله أَمْكَنَتْ إقامة الركن الخامس من أركان الإسلام؟ أليس الفرح بنجاح الموسم من تعظيم شعائر الله؟ وكيف لا يفرح المسلم وقد تحقّقت لضيوف الله مآربهم العظيمة..

أتقدم إلى مقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله، وإلى مقام ولي عهده الأمير محمد بن سلمان حفظه الله بأسمى التهاني وأصدق التبريكات بمناسبة نجاح موسم الحج هذا العام، وأهنئ قطاعات الدولة من مدنيين وعسكريين بمناسبة تكلل هذا العمل الجليل بالنجاح، وإن السعادة لتغمرنا احتفاءً واحتفالاً بهذه المنقبة الجليلة التي لم تكن لتتحقق إلا بفضل الله وتوفيقه، وتأييده وتسديده، ثم بالتخطيط الرائع له الذي دأبت عليه قيادة المملكة، والعطاء المدرار الذي لم تزل تسخو به عليه، والإخلاص الصادق من قِبَل كل العاملين فيه، ولي مع هذا الإنجاز العظيم وقفات:

الأولى: أن من فضل الله جل وعلا على هذه المملكة بعد فضل تطبيق الشريعة، أن منحها خدمة الحرمين الشريفين، وخدمة من يؤمهما من الحجاج والمعتمرين والزائرين، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، ولا شك أن من دواعي الفخر والاعتزاز أن تكون هذه المملكة محطَّ رحالِ المؤمنين، ومهوى الأفئدة، ومأرِزَ المؤمنين، وأن يكون نهوضها بتلك الأعباء الفادحة الثِّقلِ نهوضاً على أعلى المستويات، وبأفضل الأساليب.

الثانية: أن تولِّيَ هذه المهمة منقبةٌ عظيمةٌ، ومفخرةٌ جسيمةٌ، وكم كانت تفخر قريش بخدمة الحجيج بالرفادة والسقاية ونحوهما، وها هي تلك المفاخر قد حظيت بها المملكة السعودية مكللة بتطبيق الشرع المطهر في ربوع هذه البقاعِ الطاهرة، وما اضطلعت به المملكة السعودية من خلال خدمتها للحرمين سابقة من نوعها بحسب الكمّ والكيف؛ أما الكمُّ فلأننا في عصر تيسّر المواصلات وسهولة التنقل، وقد وفّرت الرحلات الجوية للمسلمين في أرجاء المعمورة سهولة الوصول إلى الحرمين الشريفين بشكل لم يكن يُتصوّر أصلاً في العصور السالفة التي يعتمد النقل فيها على القوافل البرية، وبعض الرحلات البحرية، وكلاهما محفوفٌ بالأخطار والمشاقّ، لا يقوى عليه كثيرٌ من الناس، فأعداد المعتمرين الوافدين على الحرمين في هذا العصر غير مسبوقة؛ وأما الكيف فلأن قيادتنا الراشدة دأبت على توسيع الحرمين، وتجهيزهما لاستقبال الحجاج والمعتمرين بشكل يضمن راحتهم وطمأنينتهم، وكانت جهودها في هذا الصدد محلّ إعجابِ وإعظام ِكل من شاهدها، وما هذه الخدمات المتنوعة التي لا تخطئها العين إلا نماذج رائعة، وأمثلة ناصعة، تعكس تلك الجهود العظيمة، والإنجازات الكبيرة، ولا تتوفر خدمة عصرية متطورة يُحتاجُ إليها في الموسم إلا وقد سُخِّرت للحجاج على أحسن وجه، وبأسلس الطرق.

الثالثة: أن مما سلكه حكام هذه البلاد من آل السعود أن تلقّبوا بلقبِ خادم الحرمين الشريفين، وهو لقبٌ شريفٌ، ووسامٌ عظيم، ليس فحسب رسمٌ يرسم، ولفظٌ يُنطق، بل فعلٌ يُرى، وعملٌ يُشاهد، وإبداعٌ يشهد تطوّراً مستمراً، ونموّاً متزايداً، ولم تقتصر هذه الخدمة على الحجاج والمعتمرين والزوار، بل كانت لها صورٌ لا تُحصى من بينها المحافظة على محورية الحرمين الشريفين باعتبارهما مركزين للقيادة الدينية والعلمية إبقاء لخصوصيتهما في أن كلاً منهما مهبط للوحي، ومنطلق للدعوة الإسلامية، وبحمد الله تعالى كان الحرمان الشريفان في ظلِّ الدولة السعودية قِبلةً للمتعلمين من كُلِّ أصقاع العالم الإسلامي، ومدرسةً يُسْتلْهَمُ فيها الدين الصحيح، واحتضنت الكثير من القمم الإسلامية، والمبادرات الإيجابية الكفيلة بتوجيه الأمة في طريق السداد والوسطية، والاعتدال على ضوء الكتاب والسنة.

الرابعة: نجاح موسم الحج مناسبة سنوية لفرحِ كُلِّ مسلم سليم الصدر نقيّ القلب، طاهر الروح، وكيف لا يفرح المسلم بهذا النجاح الذي من خلاله أَمْكَنَتْ إقامة الركن الخامس من أركان الإسلام؟ أليس الفرح بنجاح الموسم من تعظيم شعائر الله؟ وكيف لا يفرح المسلم وقد تحقّقت لضيوف الله مآربهم العظيمة التي لأجلها أنفقوا الأموال، وغادروا الأوطان، وودّعوا الأحباب، وأنهكوا الأجسام؟ أليس هذا من فضل الله ورحمته، وقد أمرنا بالفرح بفضل الله ورحمته، وبالمقابل فمن الناس من أعماه حسدُهُ للمملكة السعودية عن طريق الحق، وسدّ عنه منافذ النجاة، فتخبّط في ظلمات الجهل والظلم، وهَامَ في أوديةِ الضلال، ولم تحجزه التقوى عن إقحام الكلام في أمر شعيرة الحجِّ في خضمِّ وقيعته الغاشمة، وهذا الصنف من الناس يكون نجاح موسم الحج شوكةً في خاصرته، وغُصّةً في حلقِهِ، فلا أسَاغَ الله غُصَّةَ من يُشجيِهِ سلامة الحجاج، وتحقّقُ أماني ضيوف الله، وقد بلغ النَّزَقُ والتّطرّفُ ببعض هؤلاء إلى حدِّ المجاهرة بالدعوة إلى التزهيد في نافلةِ الحجِّ محادّةً لله جل وعلا وكيف رَجَا هذا الجريء أن يُصغيَ المسلمون إلى دعوته، ويسدُّوا آذانهم عن دعوة الله لهم إلى حجِّ بيته على لسان خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام؟ هيهات هيهات لن يَثني المسلم عن مناسكِهِ تطاولُ المتطاول، ولا تطرُّفُ المتطرف.



إقرأ المزيد