مضادات الاكتئاب ... إيقاف تناولها فجأة قد يتسبب في أعراض الانسحاب
صحيفة الأفلاج الإلكترونية -
 إعداد: د. خالد بن عبدالله المنيع استشاري طب الأطفال
استكمالا لموضوع العدد الماضي عن تأثير الاكتئاب في النشاطات اليومية والتحصيل العلمي عند الأطفال والمراهقين، نستعرض اليوم طرق المعالجة النفسية التي تستمر ثلاثةَ أشهر على الأقل.

يمكن في بعض الحالات استعمالُ أحد مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائيَّة (SSRI)، الذي يُسمَّى فلوكسيتين fluoxetine، بالتزامن مع المعالجة النفسيَّة لعلاج حالات الاكتئاب المتوسِّطة والشديدة عند المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 12-18 عاماً.

حالات صحيَّة نفسيَّة أخرى

تُستَعملُ مضادَّاتُ الاكتئاب للمساعدة على معالجة حالاتٍ صحيَّةٍ نفسيَّةٍ أخرى أيضاً، مثل:

اضطراب القلق.

الاضطراب الوسواسي القهري obsessive compulsive disorder (OCD).

اضطراب الهلع panic disorder .

حالات رُهاب خطيرة، مثل رُهاب الميادين agoraphobia ورُهاب المُجتمع social phobia.

النُّهام bulimia.

اضطراب ما بعد الصدمة post-traumatic stress disorder (PTSD).

تُعَدُّ مثبِّطاتُ استرداد السيروتونين الانتقائيَّة الخيارَ الأوَّل في معالجة حالات الاكتئاب عادةً. وعندَ فشل هذه المثبِّطات في المعالجة، يمكن عندها استعمال نوع بديل من مضادَّات الاكتئاب.

الألم المزمن

تتوافر أدلَّةٌ تُشيرُ إلى جدوى استعمال مضادَّات الاكتئاب ثلاثيَّة الحلقات tricyclic antidepressants (TCAs) في علاج الألم العصبي المزمن عندَ بعض الأشخاص، رغم أنَّه عند إنتاجه لم يكن المقصودُ من ذلك استعماله كمسكِّنٍ للألم.

ينجم الألمُ العصبي المزمن، الذي يُعرَفُ أيضاً بألم الاعتلال العصبي neuropathic pain، عن إصابة عصبيَّة أو عن مشكلات أخرى في الأعصاب، التي لا تستجيب للمسكِّنات التقليديَّة غالباً، كالباراسيتامول.

ينتمي أميتريبتيلين amitriptyline إلى مضادات الاكتئاب ثلاثيَّة الحلقات، وهو يُستَعملُ في علاج ألم الاعتلال العصبي عادةً. وتشتمل الحالاتُ التي قد يكون استعمال أميتريبتيلين مفيداً في علاجها على:

متلازمة الألم النَّاحي المعقَّدcomplex regional pain syndrome.

اعتلال الأعصاب المحيطيَّة peripheral neuropathy.

مرض التَّصلُّب المتعدِّدmultiple sclerosis (MS).

عرق النسا sciatica.

كما يمكن استعمالُ مضادَّات الاكتئاب في علاج حالات الألم المزمن غير الناجمة عن مشكلة عصبيَّة (ألم غير ناجم عن الاعتلال العصبي)، إلاَّ أنَّه يُعتَقدُ أنَّ فعاليَّتها قليلة في علاج هذه الحالة. وكما هي الحالُ مع مضادات الاكتئاب ثلاثيَّة الحلقات، يمكن استعمالُ مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائيَّة SSRIs ومثبطات استرداد السيروتونين والنورأدرينالين serotonin-noradrenaline reuptake inhibitors (SNRIs) في علاج الألم المزمن غير الناجم عن الاعتلال العصبي.

تنطوي الحالاتُ التي تُسبِّبُ الألم غير الناجم عن الاعتلال العضلي، والتي قد تستجيبُ للعلاج باستعمال مضادات الاكتئاب، على الألم العضلي الليفي fibromyalgia وألم الظهر المزمن وألم الرقبة المزمن chronic.

التَّبوُّل في الفراش عند الأطفال

تُستَعملُ مضاداتُ الاكتئاب ثلاثيَّة الحلقات في علاج التبوَّل في الفراش (بول الفراش أو السلس الليلي) عندَ الأطفال bedwetting in children أحياناً، حيث قد تساعدُ على استرخاء عضلات المثانة، ما يؤدِّي إلى زيادة استيعاب المثانة للبول، ويُقلِّلُ من الإلحاح على التَّبوُّل.

آليَّة عمل مضادَّات الاكتئاب

يُعتَقدُ أنَّ مضادَّاتِ الاكتئاب تعملُ من خلال زيادة مستويات مجموعةٍ من المواد الكيميائيَّة موجودة في الدماغ تُسمَّى النواقل العصبيَّة neurotransmitters. ويمكن لبعض هذه النواقل العصبيَّة، كالسيروتونين serotonin والنور أدرينالين noradrenaline، أن تُحسِّن المزاج والمشاعر، رغم أنَّ آليَّتها ما زالت مجهولة.

كما قد تؤدِّي زيادةُ مستويات النواقل العصبيَّة إلى تعطيل إشارات الألم المُنتقلة عبر الأعصاب، ممِّا قد يُفسِّرُ سببَ قيام بعض مضادَّات الاكتئاب بتخفيف شدَّة الألم المزمن.

قد تستطيع مضاداتُ الاكتئاب معالجةَ أعراض الاكتئاب، ولكنَّها لا تستطيع معالجةَ أسبابه دائماً. وهذا يُفسِّرُ سببَ استعمالها دائماً بالتزامن مع معالجةٍ أخرى لشفاء حالات الاكتئاب الأكثر شدَّة أو الحالات الصحيَّة النفسيَّة الأخرى النَّاجمة عن الضائقة الانفعاليَّة emotional distress.

مدى فعاليَّة مضادَّات الاكتئاب

يستفيد معظمُ الأشخاص من استعمال مضادات الاكتئاب إلى حدٍّ مُعيَّن، ولكنَّ الأبحاثَ تُشيرُ إلى أنَّ هذه الأدويةَ قد لا تكون فعَّالةً كما كان يُعتَقدُ سابقاً في حالات الاكتئاب الخفيفة.

لكنَّها تُعَدُّ العلاجَ الأكثر فعاليَّة في التخفيف السريع للأعراض، خصوصاً في حالات الاكتئاب الشديد.

وتُقدِّرُ إحدى الدراسات تحسُّنَ حالة ما بين 50-65 في المئة من الأشخاص الذين عُولجوا بمضادَّات الاكتئاب، مقارنةً مع تحسنُّ حالة ما بين 25-30 في المئة من الأشخاص الذين استعملوا حبوباً "وهميَّة". ويعني هذا أنَّ معظمَ الأشخاص قد استفادوا من استعمال مضادَّات الاكتئاب، حتى إن كانت نتيجةً لتأثير الدواء الوهمي في بعض الأحيان.

الاحتياطات والتداخلات

يوجد عددٌ من الأمور المهمَّة التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار عندَ استعمال مضادَّات الاكتئاب، والتي يجب مناقشتُها مع الطبيب أو الطبيب الاختصاصي بالصحَّة النفسيَّة.

التداخلات مع الأدوية الأخرى

قد يكون تداخلُ مضادات الاكتئاب مع الأدوية الأخرى غيرَ مُتوقَّع، بما فيها الأدوية التي تُستَعمل دون وصفةٍ طبيَّة، كالإيبوبروفين. لذلك، ينبغي دائماً قراءة نشرة المعلومات المرافقة للدواء لمعرفة أنواع الأدوية التي ينبغي تجنُّب استعمالها.

الحمل

لا تُوصَفُ مضاداتُ الاكتئاب لمعظم النساء الحوامل، وذلك كإجراءٍ احتياطيٍّ عادةً، وخصوصاً خلال المراحل الأولى من الحمل؛ إلاَّ أنَّه يمكن استعمالها بشكلٍ استثنائي عندما تكون المخاطرُ النَّاجمة عن الاكتئاب (أو الحالات الصحيَّة النفسيَّة الأخرى) أكبرَ من المخاطر المحتملة لاستعمال العلاج.

وتشتملُ المضاعفاتُ المحتملة المرتبطة باستعمال مضادات الاكتئاب خلال فترة الحمل على ما يلي:

حدوث الإجهاض.

حدوث أمراض قلبيَّة خِلقيَّة.

إصابة حديثي الولادة بحالةٍ نادرة تُسمَّى ارتفاع ضغط الدم الرئوي pulmonary hypertension، حيث يكون ضغطُ الدم داخل الرئتين مرتفعاً بشكل غير طبيعي، ممَّا يتسبَّبُ بحدوث صعوبات تنفُّسيَّة.

لكنَّه لا تتوفَّر أدلَّةٌ قويَّة تُشيرُ إلى تسبُّبِ مضادَّات الاكتئاب بحدوث هذه المضاعفات.

لذلك، يجب على المرأة الحامل المصابة بالاكتئاب مناقشة إيجابيَّات وسلبيَّات استعمال مضادات الاكتئاب مع الطبيب.

وعندَ الاضطرار إلى استعمال مضادَّات الاكتئاب، فسوف يُوصَفُ لها استعمال مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائيَّة عادةً، كالفلوكسيتين fluoxetine.

الإرضاع الطبيعي

لا يُنصَحُ باستعمال الأم لمضادَّات الاكتئاب خلال مرحلة الإرضاع الطبيعي عادةً، إلاَّ في الحالات التي تكون فيها فوائدُ معالجة الاكتئاب عند الأم (أو الحالات الصحيَّة النفسيَّة الأخرى) وفوائد الإرضاع الطبيعي للطفل تفوقان المخاطِر المحتملة.

عندَ الاضطرار إلى استعمال مضادات الاكتئاب خلال فترة الإرضاع، يوصى باستعمال باروكسيتين paroxetine أو سيرترالاين sertraline عادةً.

الأطفال والشباب

لا يُوصَى عادةً باستعمال مضادَّات الاكتئاب عند الأطفال والشباب الذين لم تتجاوز أعمارُهم 18 عاماً، وذلك لوجود ما يُشيرُ إلى أنَّها قد تؤدِّي - في حالاتٍ نادرة - إلى إثارة أفكار تتعلَّق بالانتحار وإيذاء النفس في هذه الفئة العمريَّة.

كما أنَّ هناك مخاوف متعلِّقة باحتمال تأثيرها في تطوُّر الدماغ عند الأطفال والشباب.

ويمكن استعمالُ هذه الأدوية بشكلٍ استثنائيٍّ في الحالات التالية عادةً:

فشل المعالجات القائمة على التخاطب، مثل المعالجة السلوكيَّة المعرفيَّة.

استمرار المعالجات القائمة على التخاطب بالتزامن مع استعمال مضادات الاكتئاب.

إشراف الطبيب الاختصاصي النفسي المباشر على العلاج.

وعند الاضطرار إلى استعمال مضادَّات الاكتئاب، يكون فلوكسيتين fluoxetine هو الخيار العلاجي الأول عادةً.

مضادَّات اكتئاب أخرى

يجب عدمُ استعمال نوعين مختلفين من مضادَّات الاكتئاب بشكلٍ متزامن على الإطلاق، كمثبِّطات استرداد السيروتونين الانتقائيَّة ومضادات الاكتئاب ثلاثيَّة الحلقات مثلاً، ما لم ينصح الطبيبُ بذلك، لأنَّ استعمالَ توليفات معيَّنة من مضادَّات الاكتئاب قد يؤدِّي إلى شعور الشخص بالمرض الشديد، وقد يكون ذلك مُهدِّداً للحياة.

وإذا كان قرارُ الطبيب هو التحوُّل إلى استعمال نوعٍ آخر، فينبغي عندها خفضُ جرعة مضاد الاكتئاب المُستَعمل تدريجيَّاً قبلَ البدء باستعمال الدواء الثاني.

نبتة حشيشة القلب

نبتة حشيشة القلب St John’s Wort علاجٌ عشبيٌّ شائع يُعزِّز معالجةَ الاكتئاب.

ولكن، على الرغم من وجود دليل على فعاليَّته، إلاَّ أنَّ العديدَ من العلماء ينصحون بعدم استعماله، وذلك لأنَّ كميَّة المادَّة الفعَّالة تختلف باختلاف العلامات التجارية وباختلاف المستحضرات، ممَّا يؤدي إلى حدوث تأثيرات غير متوقَّعة.

قيادة المركبات وتشغيل الآلات

قد يؤدِّي استعمالُ بعض مضادَّات الاكتئاب إلى الشعور بدوخة ونُعاس وتشوُّش في الرؤية، وخصوصاً عندَ استعمالها للمرَّة الأولى.

لذلك، ينبغي على الشخص الذي يُعاني هذه المشكلات تفادي قيادة المركبات أو استعمال الأدوات والآلات.

الجرعات الفائتة أو الزائدة

يجب عدمُ تفويت أيَّ جرعةٍ من الدواء، فذلك قد يجعل العلاجَ أقلَّ فعاليَّة.

إذا فات الشخصَ استعمالُ إحدى الجرعات، فعليه استعمالها فورَ تذكُّره، ما لم يكن قد اقترب موعدُ استعمال الجرعة التالية. وينبغي عدمُ استعمال جرعة مضاعفة للتعويض عن الجرعة الفائتة.

أمَّا إذا استعمل الشخصُ جرعةً زائدةً من الدواء، فعليه استشارة الطبيب بأسرع وقتٍ ممكن للحصول على نصيحته.

من غير المحتمل أن يكونَ استعمال جرعةٍ مضاعفة مؤذياً، ولكن ينبغي القيامُ بذلك فقط بعدَ الحصول على مشورة الطبيب.

التَّوقُفُ عن استعمال مضادَّات الاكتئاب

ينبغي عدمُ التَّوقُّف عن استعمال مضادَّات الاكتئاب فجأةً، حتى عند تحسُّن الحالة؛ فالتوقُّفُ المفاجئ قد يؤدي إلى ظهور أعراض الانسحاب أو الامتناع withdrawal symptoms، التي تنطوي على:

الشعور بانزعاج في المعدة.

ظهور أعراض شبيهة بأعراض الأنفلونزا.

القلق.

الدوخة.

الإحساس بشعور في الجسم يشبه شعور الصدمات الكهربائيَّة.

قد ينجم عن التوقُّف السريع لاستعمال مضادَّات الاكتئاب عودةُ الحالة، وإيقافها قبلَ استعمالها لمدَّة تتراوح بين 3-4 أسابيع قد يعني أنَّه لم تُتَح الفرصةُ للدواء حتى يُظهرَ فعاليَّته.

وإذا قرَّر الطبيبُ إيقافَ استعمال الدواء، فينبغي تخفيفُ الجرعة تدريجيَّاً خلال بضعة أسابيع.

• موسوعة الملك عبدالله الطبية



إقرأ المزيد