مونديال 2026.. كرة القدم كمرآة للنظام الدولي
جريدة الرياض -

في العلاقات الدولية، لا تُقاس قيمة الأحداث بحجمها الجماهيري فقط، وإنما بقدرتها على كشف طبيعة موازين القوة، ومن هذه الزاوية، تجاوز كونه كأس العالم 2026 مجرد بطولة رياضية استثنائية بسبب توسعها إلى (48) منتخبًا أو تنظيمها المشترك بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، ليتحول إلى مختبر سياسي مفتوح، أظهر كيف تتداخل القوة الناعمة مع النفوذ السياسي، وكيف تتراجع الحدود التقليدية بين الرياضة والدبلوماسية!

قبل انطلاق البطولة، حرص رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو على تكرار رسالته المعتادة الداعية إلى «الاسترخاء» والاستمتاع بالبطولة وإبعاد السياسة عن كرة القدم، غير أن مسار البطولة سار في الاتجاه المعاكس تمامًا، فكلما ارتفع سقف محاولات تحييد السياسة، ازدادت الوقائع التي تؤكد حضورها في قلب الحدث.

أوضح اختبار

يمكن القول إن مونديال 2026 قدم أوضح اختبار لمفهوم استقلالية المؤسسات الرياضية الدولية، فالقضية المتعلقة بالمهاجم الأمريكي فالورين بالوغون تجاوزت حدود الانضباط الرياضي إلى اختبار مباشر لقدرة الفيفا على مقاومة الضغط السياسي، وإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تدخله شخصيًا واتصاله برئيس الفيفا، ثم حديثه العلني عن نجاح ذلك التدخل، نقل القضية من نطاق اللوائح إلى نطاق النفوذ، وأصبح السؤال المطروح عالميًا متعلقًا بقدرة المؤسسة الرياضية على تطبيق قواعدها عندما تتقاطع مع مصالح الدولة المضيفة.

وهذه الواقعة حملت دلالة تتجاوز اللاعب نفسه، فالفيفا الذي اعتاد طوال عقود التشدد تجاه أي تدخل حكومي في شؤون الاتحادات الوطنية، وجد نفسه أمام تدخل صادر عن رئيس أقوى دولة في العالم، دون أن ينتج عن ذلك أزمة مؤسسية تعادل حجم الخطاب التقليدي الذي يتبناه بشأن استقلال الرياضة، رغم الخطابات المعارضة من اتحادات قارية، وهذه المفارقة أعادت إنتاج النقاش القديم حول انتقائية تطبيق المعايير داخل المنظمات الدولية.

سياسات المستضيف

كما كشفت البطولة أن الدولة المضيفة لا تستضيف الحدث الرياضي فقط، وإنما تفرض جزءًا من بيئتها السياسية والقانونية عليه، فقد تحولت سياسات الهجرة الأمريكية إلى أحد الملفات الأكثر حضورًا خلال المنافسات، بعد شكاوى متكررة من تأخير دخول مشجعين وصحفيين ومسؤولين رياضيين، إلى جانب انتقادات حقوقية بشأن إجراءات التفتيش والاستجواب والترحيل، وهنا انتقل الجدل من جودة التنظيم إلى سؤال أكثر عمقًا يتعلق بقدرة البطولات العالمية على الحفاظ على طابعها الجامع عندما تخضع لمنظومة سياسية ذات اعتبارات أمنية صارمة.

وتعزز هذا المشهد مع المنتخب الإيراني، الذي أصبحت مشاركته مرتبطة بحسابات أمنية وسياسية أكثر من ارتباطها بالجوانب الفنية، فالتطورات الإقليمية فرضت نفسها على ترتيبات المنتخب وتحركاته، وأصبح وجوده في البطولة امتدادًا للتوازنات الإقليمية السائدة في الشرق الأوسط.

القوة الناعمة

ومن زاوية أخرى، أثبتت البطولة أن الصراعات الإقليمية باتت قادرة على إعادة تعريف صورة المنتخبات الوطنية. فالدعم العلني الذي قدمه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للمنتخب الأرجنتيني، استنادًا إلى التحالف الوثيق مع الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، حوّل المنتخب إلى طرف داخل سجال سياسي عالمي، وانتقلت المنافسة من المستطيل الأخضر إلى الفضاء الرقمي، حيث انتشرت حملات تربط أداء المنتخب بمواقف الحكومة الأرجنتينية من الحرب في غزة والعلاقات مع إسرائيل، وهكذا أصبحت هوية المنتخب، في نظر قطاعات واسعة من الرأي العام، مرتبطة بخيارات حكومته الخارجية أكثر من ارتباطها بإنجازاته الرياضية.

وهذا التطور يعكس تحولًا مهمًا في مفهوم القوة الناعمة، فالدول لم تعد توظف البطولات الكبرى لتحسين صورتها فقط، وإنما أصبحت مواقفها السياسية قادرة على إعادة تشكيل صورة منتخباتها أيضًا، وبذلك أصبحت كرة القدم إحدى ساحات إدارة السمعة الدولية، تخضع للقواعد نفسها التي تحكم الصراع على النفوذ السياسي.

وفي السياق ذاته، عادت الاتهامات القديمة المتعلقة بمحاباة الأرجنتين وليونيل ميسي إلى الواجهة بصورة أكثر اتساعًا، فالجدل حول القرارات التحكيمية، ومواعيد المباريات، وآلية إدارة تقنية الفيديو، لم يبق داخل الإطار الرياضي، وإنما تحول إلى سردية سياسية تتحدث عن مراكز نفوذ داخل الفيفا، وعن بطولة تخضع لحسابات تتجاوز العدالة التنافسية، وبغض النظر عن صحة تلك الاتهامات، فإن اتساع انتشارها يكشف أزمة ثقة في المؤسسات المنظمة، أكثر مما يكشف عن تفاصيل الحالات التحكيمية نفسها.

الصراعات الإقليمية

كما أعادت مواجهة الأرجنتين وإنجلترا إحياء ملف جزر (الفوكلاند / المالفيناس)، عندما تحولت احتفالات ما بعد المباراة إلى منصة لإعادة إنتاج الخطاب السيادي الأرجنتيني، وخلال ساعات، عاد نزاع حدث في عام 1982 ليحتل واجهة النقاش العالمي، وهو تطور يؤكد أن البطولات الرياضية أصبحت مساحة لإعادة تنشيط الذاكرة الوطنية، وأن الرموز الرياضية تمتلك قدرة استثنائية على استدعاء ملفات يفترض أنها بقيت في أرشيف التاريخ.

والمشهد الأوسع يكشف أن مونديال 2026 تجاوز كونه حدثًا رياضيًا عالميًا، ليصبح انعكاسًا مباشرًا لطبيعة النظام الدولي الراهن، فالعالم يعيش مرحلة تتراجع فيها المؤسسات متعددة الأطراف أمام تصاعد الاعتبارات الوطنية، ويتسع فيها تأثير الشعبوية، وتزداد المنافسة على تشكيل الرواية الإعلامية، وقد انعكست هذه الاتجاهات كلها داخل البطولة بصورة يصعب تجاهلها.

ولعل التطور الأكثر تأثيرًا يتمثل في الدور الذي لعبته منصات التواصل الاجتماعي، ففي بطولات سابقة، كانت الحكومات والمؤسسات الإعلامية الكبرى تحتكر إنتاج الرواية، أما في نسخة 2026، فقد أصبحت ملايين الحسابات تشارك في صياغة الروايات وتفسير الأحداث، وتحويل أي قرار تحكيمي أو تصريح سياسي إلى أزمة دولية خلال دقائق، وهكذا أصبحت إدارة الصورة الذهنية جزءًا من إدارة البطولة نفسها.

الكرة والسياسة

تاريخيًا، كانت كرة القدم تعكس المزاج السياسي للدول. أما في مونديال 2026، فقد أصبحت إحدى أدوات تشكيل ذلك المزاج، ولهذا يمكن النظر إلى البطولة باعتبارها مؤشرًا على تحولات أعمق داخل النظام الدولي، حيث تتداخل الرياضة مع الأمن، والدبلوماسية مع الإعلام، والهوية الوطنية مع القوة الناعمة، في فضاء واحد تتنافس فيه الحكومات والرأي العام والمؤسسات الدولية على إنتاج الرواية الأكثر تأثيرًا.

ومن هذه الزاوية، يصعب اعتبار ما شهده مونديال 2026 سلسلة أحداث منفصلة، الصورة العامة تشير إلى انتقال البطولات الرياضية الكبرى إلى مرحلة جديدة، تصبح فيها الساحة الرياضية امتدادًا للمجال السياسي العالمي، وتتحول فيها المنافسة على الكأس إلى منافسة موازية على النفوذ، والشرعية، والقدرة على تشكيل إدراك العالم.

رئيس الولايات المتحدة دونالد ترمب ورئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم خلال ختام كأس العالم 2026م (AFP)
التعاطف الإسرائيلي المبالغ فيه مع الأرجنتين قلب الجماهير ضد «التانغو» (وكالات)
المنتخب الإيراني اشتكى من التمييز وسوء التعامل في البطولة بناء على عوامل سياسية (وكالات)
تدخل ترمب لإلغاء بطاقة فولارين بالغون الحمراء يجعلها القضية الأكثر جدلًا (وكالات)
إلغاء تأشيرة الحكم الصومالي عمر أرتان من القضايا التي افتتحت كأس العالم (وكالات)
ميسي متحسرًا بعد خسارة نهائي كأس العالم 2026 (AFP)
طلحة الأنصاري


إقرأ المزيد