جريدة الرياض - 7/10/2026 2:04:29 AM - GMT (+3 )
أجواء الليغا عبست في وجه الماتدور فرحل للبرتغال
غيبوبة أوقفت عقارب الساعة عنده ومؤشرات لتوديعه الملاعب
من أسرار كرة القدم أنها تخفي الكثير حول بدايات اللاعبين وسر تألقهم، وتظل حكايات التحدي وتجاوز العقبات هي التي تمنح اللعبة بُعداً إنسانياً ملهماً يتجاوز حدود المستطيل الأخضر. ولعل مسيرة المهاجم المكسيكي راؤول خيمينيز تمثل واحدة من أكثر القصص درامية وإلهاماً في تاريخ الرياضة الحديثة، وهي رحلة صعود وسقوط ثم نهوض مذهل، تلخص معنى الإرادة في مواجهة المستحيل.
بدأت الحكاية في المكسيك، وتحديداً في الفئات السنية لنادي كلوب أمريكا، حيث كان الفتى الصغير يركض خلف الكرة بشغف خالص، لا يبتغي سوى متعة اللعب وهز الشباك. وسرعان ما رصدته عيون كشافي المواهب الذين أدركوا أنهم أمام موهبة استثنائية. تدرج خيمينيز سريعاً بفضل حاسته التهديفية العالية، ونثر إبداعه في الملاعب المحلية حتى تم تصعيده للفريق الأول، ليتحول من مجرد شاب موهوب إلى ركيزة أساسية يقود بها خط هجوم فريقه ويحقق معه لقب الدوري، واضعاً اسمه كأحد أبرز الوجوه الواعدة في سماء الكرة اللاتينية.
لم تتوقف طموحات المهاجم الشاب عند حدود القارة؛ إذ تهافتت عليه العروض الأوروبية ليأتي العرض الأكبر من العاصمة الإسبانية والتوقيع لنادي أتلتيكو مدريد. كانت هذه الخطوة بمثابة الحلم، لكنها اصطدمت بوقع مرير وتحديات خططية وبدنية صارمة في منظومة المدرب دييغو سيميوني.
واجه خيمينيز صعوبة بالغة في حجز مقعد أساسي، ولم تبتسم له الأجواء في الليغا، لينتهي به المطاف في إسبانيا دون تحقيق ما كان يطمح إليه، وسط شكوك حول قدرته على النجاح في الملاعب الأوروبية لكن رحلة المحارب المكسيكي في القارة العجوز لم تكن لتنتهي عند هذا العثرة؛ بل كانت البرتغال هي بوابته لولادة جديدة. انتقل إلى نادي بنفيكا حيث أعاد اكتشاف نفسه وكتب تاريخاً مرصعاً بالألقاب والأهداف الحاسمة.
ومن بوابة النادي البرتغالي انفتحت له أبواب المجد الحقيقي في الدوري الإنجليزي الممتاز عبر نادي وولفرهامبتون. وتحت قيادة المدرب البرتغالي نونو سانتو، تحول خيمينيز إلى "ذئب" كاسر يقود هجوم الفريق الإنجليزي بكل شراسة، مسجلاً أرقاماً قياسية وتمريرات حاسمة جعلته واحداً من أخطر مهاجمي "البريميرليغ"، وبات هدفاً رئيسياً على رادارات كبار أندية أوروبا التي رغبت في التعاقد معه.
انقلبت الأحوال
وفي أوج توهجه الكروي وقيمته السوقية، انقلب الحال في ثانية واحدة؛ ففي نوفمبر من عام ألفين وعشرين، وخلال مباراة ضد آرسنال، تعرض خيمينيز لصدام هوائي مرعب مع المدافع ديفيد لويز، أسفر عن إصابته بكسر في الجمجمة. كانت الإصابة خطيرة لدرجة أنها هددت حياته قبل مسيرته.
توقفت عقارب الساعة بالنسبة للنجم المكسيكي، ودخل في غيبوبة وعمليات جراحية طارئة، ليضع الأطباء الكرة خارج الملعب مشيرين إلى أن عودته للعب تعد ضرباً من الجنون والمخاطرة الحتمية عاش خيمينيز توقفاً طويلاً ومؤلماً بعيداً عن العشب الأخضر، لكن الإرادة هزمت التشاؤم الطبي؛ فبعد دراسات طبية دقيقة وتصميم بروتوكول حماية خاص تمثل في ارتدائه واقياً للرأس، عاد المحارب إلى الملاعب وسط ذهول الجميع.
لم تكن العودة سهلة، بل تطلبت استعادة تدريجية للثقة والجاهزية البدنية لخدمة ناديه ومنتخب بلاده، وهو ما تحقق بمشاركته الرمزية والملهمة في مونديال قطر ألفين واثنين وعشرين كلاعب قهر الموت ليتواجد في المحفل العالمي.
طموحات لا حدود لها
ولم تقف طموحات الذئب المكسيكي عند هذا الحد، بل استمر في القتال في الملاعب الإنجليزية حتى جاءت اللحظة التاريخية الكبرى في مونديال ألفين وستة وعشرين، الذي حظيت بلاده المكسيك بشرف استضافته رفقة الولايات المتحدة وكندا. وعلى أرض ملعب "أزتيكا" الأسطوري في مكسيكو سيتي، كان خيمينيز يقود خط هجوم بلاده بجوع كروي لا ينطفئ، متخطياً حاجز الإصابة القديمة وظروف التقدم في السن ليمثل رمزاً للجيل المكسيكي الحالي.
بيد أن التحديات لم تكن بدنية فحسب، بل اتخذت طابعاً عاطفياً قاسياً بعد وفاة والده قبيل البطولة، ليخوض المونديال بقلب مثقل بالحزن. ورغم الخروج المرير للمنتخب المكسيكي من الأدوار الإقصائية للبطولة، إلا أن خيمينيز حوّل أحزانه الشخصية إلى وفاء خالص، فكانت كل شباك يهزها تتبعها دموع لا تتوقف، يرفع فيها يديه نحو السماء إهداءً لروح والده الذي قدم له كل ما يحتاجه ليصبح ما هو عليه اليوم. لم يكن راؤول خيمينيز مجرد لاعب يركض في المستطيل الأخضر؛ فبدايته حكاية طموح، وإصابته درس في الإرادة الإنسانية، ونهايته الدولية تجسيد للوفاء.
ومع إسدال الستار على هذه الحقبة، نجح خيمينيز في حفر اسمه بحروف من ذهب، واضعاً نفسه كأحد أبرز الهدافين التاريخيين لبلاده خلف الأسطورة خافيير هيرنانديز "تشيتشاريتو"، ليكتب فصلاً عظيماً وملهماً في تاريخ الكرة المكسيكية والعالمية كلاعب رفض أن تنهي الإصابة قصته، واختار أن يكتب نهايتها بنفسه فوق منصات المجد.
إقرأ المزيد


