كـرة القـدم ليـست مـجـرد لعـبــة
جريدة الرياض -

في المونديال قميص المنتخب هو الهوية المطلقة والبديلة عن كل الوثائق الرسمية

كلمات الطفل الأرجنتيني خوسيه العفوية الصادقة هزت مشاعر الملايين

تثبت كرة القدم يوماً بعد يوم، وبما لا يدع مجالاً للشك، أنها ليست مجرد لعبة تسعينية الدقائق يتنافس فيها أحد عشر لاعباً ضد آخرين فوق عشب أخضر، بل هي ظاهرة إنسانية واجتماعية فريدة، ومرآة مصقولة تعكس أسمى مشاعر الولاء وأعمق قيم الانتماء للأوطان في عالم الساحرة المستديرة، تتلاشى الخلافات السياسية، والعرقيات، والطبقات الاجتماعية، وتتوقف عجلة الحياة اليومية ليصبح صوت الهتاف للمنتخب الوطني هو القاسم المشترك الوحيد الذي يجمع أبناء البلد الواحد، معلناً بداية ملحمة وطنية عنوانها العريض أن «الوطن أولاً».

هذه المستديرة تمتلك قدرة سحرية على صياغة الهوية الجمعية للشعوب، وتحويل المشاعر الفردية المعزولة إلى تيار وطني جارف يتحرك في شريان واحد، حيث يتحول النصر الكروي إلى انتصار للذات الفخرية لكل مواطن، وتغدو الهزيمة دافعاً للالتفاف ومشاركة الألم الجمعي ويتجلى هذا العشق الجماهيري الجارف في أرقى وأصدق صوره عندما تصبح الدموع هي لغة التعبير الوحيدة عن الشغف، تماماً كما فعل الطفل الأرجنتيني خوسيه الذي هزت كلماته العفوية الصادقة مشاعر الملايين حول العالم، وصارت أيقونة حية تلخص علاقة الشعوب بمنتخباتها عندما وقف هذا الطفل الصغير وذرف دموعه الغالية أمام أساطير بلاده، لم يكن يتكلم عن مجرد مجد رياضي، أو انتصار عابر في مباراة، أو فوز بنقاط ثلاث، بل كان يترجم بلسان براءته الوجدانية مشاعر ملايين المشجعين الذين تنبض قلوبهم بحب بلادهم ويتنفسون هويتها عبر كرة القدم.

دموع طفل في لحظة فرح أو ترقب تكشف عمق الأبعاد السيكولوجية التي تحدثها هذه اللعبة، حيث تصبح كرة القدم القناة الشرعية والوحيدة أحياناً التي يفرغ من خلالها الإنسان المعاصر شحناته العاطفية المكبوتة تجاه أرضه وجذوره، وعلى الرغم من أن الملاعب والمونديالات شهدت وتكاد تشهد يومياً آلاف الرسائل المباشرة والمواقف المؤثرة من جماهير عريضة، فإن حديث هذا الطفل الأرجنتيني تحديداً يبقى استثنائياً، ويجبرك على الوقوف عنده طويلاً متأملاً ومتأثراً فالرسالة التي حملتها دموعه لم تكن مجرد تشجيع عابر، بل كانت تجسيداً حياً لكيفية زرع الهوية في أوعية الطفولة، وكيف يمكن للعبة أن تصبح رمزاً للكرامة الوطنية في مخيلة جيل بأكمله.

استيقاف هذا المشهد لنا كقراء ومتابعين ينبع من كون خوسيه لم يطلب شيئاً لنفسه، بل طلب المجد لراية بلاده، وكأنه يقول إن انتصار المنتخب هو تعويض عن كل انكسار، وبوابة للفرح الجماعي الذي تشتد حاجة الشعوب إليه «الرسالة الكاملة والصادقة التي تتخطى حدود الزمان والمكان» فرسالة هذا الطفل الأرجنتيني باتت تتجدد مع مطلع كل مونديال، لتتحول إلى وثيقة عشق تاريخية تقرأها الأجيال المتعاقبة قبل كل صافرة بداية.

تلك الكلمات العفوية لم تكن مجرد انفعال لحظي، بل كانت وقوداً روحياً يتجاوز المستطيل الأخضر ليخترق صدور اللاعبين تلك الدموع الصافية الغزيرة التي انهمرت من عيني خوسيه لم تذهب سدى، بل كانت بمثابة الشعلة الملهمة التي حركت الصخور، واستنهضت الهمم، وجلبت في نهاية المطاف كأس العالم الذهبية الغالية لبلاد الفضة، بعد عقود طويلة من الانتظار والشغف المرير.

رسالة خوسيه الباكية لم تكن سوى جزء بسيط من ملايين الرسائل الصامتة والجهيرة التي ترسلها الجماهير العاشقة حول العالم، وهي رسائل تعيد تعريف مفهوم الرياضة في عصرنا الحديث وتؤكد أن رغبة الفوز للمنتخب لا تنبع من حب الكؤوس والألقاب الفضية أو الذهبية فحسب، بل من رغبة عارمة في رؤية راية الوطن مرفوعة خفاقة في أعلى القمم، وفي كتابة اسم البلاد بأحرف من نور في السجلات العالمية كرة القدم هنا تتحول من ممارسة جسدية إلى قيمة رمزية عليا، حيث يرى المشجع في قميص بلاده تجسيداً لتاريخه، لثقافته، لمعاناته اليومية، ولآماله المستقبلية.

وحين ينتصر المنتخب، تشعر الشعوب بأنها نالت الاعتراف العالمي الذي تستحقه، وأن قيمتها الحضارية قد تجسدت وتجلت أمام شاشات العالم بأسره في لقطة تتجاوز حدود الجغرافيا والزمن.

وفي المحفل العالمي الأكبر، بطولة كأس العالم، يكتسب الأمر بعداً استثنائياً يفوق كل التوقعات والتحليلات السوسيولوجية، وعلى هذه المنصة المونديالية، يختلف الأمر تماماً وتنقلب الموازين حيث تتوحد شعوب الأرض قاطبة على حب كرة القدم كقاسم مشترك لغوي وثقافي، لكنها تنقسم داخلياً في السعي لإبراز هويتها الوطنية الفريدة ونقل رسائل مباشرة تحمل كل الدعم والولاء لدور ومكانة هذا الوطن في قلوبهم «كأس العالم ليس مجرد دورة رياضية بل هو صراع حضاري ناعم، ومهرجان إنساني ضخم تعيد فيه الأمم صياغة سردياتها الخاصة، وتقدم نفسها للعالم من خلال سلوك جماهيرها في المدرجات، ومن خلال حماستهم، وأهازيجهم، وثقافاتهم البصرية والسمعية التي يملؤون بها فضاءات الملاعب.

في المونديال، يصبح قميص المنتخب هو الهوية المطلقة والبديلة عن كل الوثائق الرسمية، والنشيد الوطني هو العقيدة الرياضية والمشترك العاطفي الذي يلهب الحماس، وتتحول المدرجات إلى لوحات مرئية متحركة تعكس إرث، وكبرياء، وفخر كل أمة،، يهتف الجميع لبلدانهم بنبرة يملؤها الكبرياء والوفاء، ليعلنوا للعالم أجمع أن الدفاع عن ألوان المنتخب هو دفاع عن كرامة الوطن، وصورته، وحضوره أمام الإنسانية في تلك اللحظات التاريخية، تختفي الأنانية الفردية وتذوب في المصلحة العليا للمجموعة، فيصبح المليون مشجع شخصاً واحداً يتنفس بنفس الرئة، وينبض قلبه مع كل حركة للكرة، في تجسيد حي ومباشر لمعنى اللحمة الوطنية والتماسك المجتمعي الذي قد تعجز عن تحقيقه الخطابات والشعارات السياسية الرسمية ستبقى كرة القدم دائماً وأبداً القوة الناعمة الأكثر تأثيراً في التاريخ الحديث، والوسيلة الأسرع والأكثر كفاءة التي تصاغ من خلالها مفاهيم الفخر القومي والانتماء الروحي.

إنها اللعبة الفريدة التي يتوقف من أجلها كل شيء، وتتجمد فيها تفاصيل الحياة اليومية عندما يعزف النشيد الوطني ويلعب المنتخب، لتؤكد لنا في كل موعد كروي كبير أن الأوطان لا تعيش فقط في جغرافيتها وحدودها المرسومة على الخرائط، بل تعيش حية نابضة في وجدان وقلوب مشجعيها، وأن كرة القدم كانت، وستظل دائماً، الشريان العاطفي للشعوب وعنوان وفائها الذي لا يتبدل بمرور السنين.

مدرب الإكوادور بين أحضان الجماهير
الطفل الأرجنتيني خوسيه
أمام المنتخب تتساوى الألون
سامر الشاماني


إقرأ المزيد