د. ذياب الحجيلي: صناعة البطل الأولمبي السعودي تحتاج إلى «ثورة منهج» لا برامج موسمية
جريدة الرياض -

صناعة البطل الأولمبي في رياضتنا بين طموح 2034 وتحديات ما بعد باريس

الأبطال السعوديون الأولمبيون لا يولدون صدفة

فهم جغرافيا الرياضة يقربنا خطوة من صناعة البطل الأولمبي

جغرافيا الرياضة سترسم مستقبل الرياضي السعودي في الأولمبياد

في الوقت الذي تتسابق فيه الدول نحو منصات التتويج في الدورات الأولمبية، لم تعد صناعة البطل الرياضي مجرد مسألة تدريب مكثف أو موهبة فردية لامعة، بل أصبحت مشروعًا علميًا متكاملًا يعتمد على البحث والتحليل والتخطيط طويل المدى. ومن بين المفاهيم العلمية التي بدأت تفرض حضورها في النقاشات الحديثة حول تطوير الرياضة التنافسية يبرز علم جغرافيا الرياضة، بوصفه مدخلًا جديدًا لفهم العلاقة بين الإنسان وبيئته في تشكيل القدرات الرياضية.

فهذا العلم لا ينظر إلى الرياضة من زاوية المنشآت أو توزيع الأندية فحسب، بل يذهب إلى ما هو أعمق من ذلك؛ إذ يدرس الأقاليم الجغرافية الحاضنة للمواهب الرياضية، حيث تختلف الخصائص البدنية والوراثية والبيئية من منطقة إلى أخرى. ففي بعض الأقاليم قد تبرز أطوال معينة أو بنية جسدية محددة، وفي مناطق أخرى قد تتشكل قدرات تحمل أو قوة بدنية مميزة نتيجة التفاعل بين البيئة الطبيعية ونمط الحياة عبر الزمن.

هذه الرؤية العلمية تفتح آفاقًا جديدة أمام الدول الساعية إلى بناء مشروع حقيقي لصناعة الأبطال الأولمبيين، إذ يصبح اكتشاف الموهبة أكثر دقة عندما يتم البحث عنها في البيئات التي تملك المقومات الطبيعية والبدنية المناسبة لها.

وفي هذا اللقاء، يتحدث الخبير في صناعة البطل الأولمبي والباحث في علم جغرافيا الرياضة، الدكتور ذياب الحجيلي، الرئيس التنفيذي لأحد الأندية المتخصصة، ماجستير الأنشطة الرياضية ودكتوراه الفلسفة في التربية، مهتم بصناعة واكتشاف البطل الأولمبي وعلم جغرافيا الرياضة، والذي يمتلك رؤية نقدية عميقة تجمع بين العلم والخبرة الميدانية عن أهمية قراءة الجغرافيا البشرية والبيئية للدول بوصفها خطوة أولى في طريق بناء منظومة رياضية قادرة على تحويل المواهب الخام إلى أبطال يقفون على منصات التتويج العالمية وكيف يمكن للرياضة السعودية إكتشاف وتطوير وصناعة البطل الأولمبي عطفاً على تنوع الأقاليم الجغرافية في المملكة العربية السعودية.

  • بداية هل تعتقد أن جغرافيا الرياضة أو دراسة الأقاليم الجغرافية مفتاح لاكتشاف المواهب؟

  • بالتأكيد، عندما ننظر إلى التجارب العالمية نجد أن كثيرًا من الدول استفادت -بشكل مباشر أو غير مباشر- من خصائص أقاليمها الجغرافية. بعض المناطق تنتج عدائين مميزين، وأخرى تبرز في ألعاب القوة أو الألعاب الجماعية. هذا ليس مصادفة؛ بل نتيجة تفاعل طويل بين البيئة والوراثة ونمط الحياة. لذلك فإن دراسة الأقاليم الجغرافية تساعدنا على توجيه البحث عن المواهب بدل الاعتماد على العشوائية.

  • هل يعني ذلك أن مشروع صناعة البطل الأولمبي يجب أن يبدأ من الجغرافيا؟

  • إلى حدٍ كبير نعم صناعة البطل الأولمبي ليست قرارًا إداريًا سريعًا، بل منظومة تبدأ من فهم المجتمع والبيئة الجغرافية. عندما نعرف خصائص كل إقليم من حيث البنية الجسدية السائدة، ونمط النشاط البدني، والعادات الاجتماعية نستطيع أن نحدد الرياضات الأكثر ملاءمة لأبناء ذلك الإقليم، ومن ثم نبدأ عملية اكتشاف المواهب وتطويرها.

الشرارة الأولى

  • هناك من يعتقد أن الموهبة وحدها كافية للوصول إلى منصة التتويج الأولمبي، ما رأيكم؟

    • الموهبة هي الشرارة الأولى فقط. أما البطل الأولمبي فهو نتيجة منظومة طويلة تشمل التدريب العلمي، والتغذية، والدعم النفسي، والإدارة الرياضية لكن الميزة التي تقدمها جغرافيا الرياضة هي أنها تزيد احتمال العثور على الموهبة المناسبة في المكان المناسب.
  • هل تعتقدون أن كثيرًا من المواهب تضيع بسبب غياب هذا النوع من الدراسات؟

    • للأسف نعم. في كثير من الدول يتم البحث عن المواهب بشكل عشوائي، بينما لو تم توجيه الجهود نحو الأقاليم التي تملك خصائص بدنية ووراثية معينة، فإن عملية الاكتشاف ستكون أكثر دقة وأسرع.

* ما الدور الذي يمكن أن تلعبه المدارس في هذا الإطار؟

  • المدرسة هي نقطة البداية الحقيقية. عندما يتم إجراء قياسات بدنية ومهارية للطلاب داخل كل إقليم جغرافي، يمكن رصد الأنماط البدنية المميزة، ومن ثم توجيه الطلاب الموهوبين إلى الرياضات المناسبة لهم وربطهم بالأندية والاتحادات الرياضية.

    • هل يمكن أن تكون بعض الأقاليم في المملكة غير مستغلة رياضيًا؟

    • نعم، وهذا أمر أعتقد أنه واضح. المملكة تملك تنوعًا جغرافيًا وبشريًا كبيرًا، لكن الدراسات العلمية التي تربط بين الأقاليم الجغرافية والقدرات الرياضية ما زالت محدودة. لو استثمرنا في هذا المجال سنكتشف أن بعض المناطق قد تكون مناجم حقيقية للمواهب.

التسرع في النتائج

  • ما أبرز الأخطاء التي تقع فيها المؤسسات الرياضية عند محاولة صناعة بطل أولمبي؟

    • أبرز الأخطاء هي التسرع في النتائج، وضعف التخطيط طويل المدى، وتغيير البرامج التدريبية باستمرار. صناعة البطل الأولمبي مشروع قد يستغرق عشر سنوات أو أكثر، ولا يمكن أن ينجح إذا كان التفكير قصير المدى.

* في ظل الدعم الرياضي الكبير الذي تشهده المملكة العربية السعودية اليوم، ما الخطوة الأهم التي يجب اتخاذها؟

  • الخطوة الأهم هي بناء منظومة علمية لاكتشاف المواهب تعتمد على دراسة الأقاليم الجغرافية، وربط المدارس بالأندية والاتحادات، ثم توفير برامج تدريب طويلة الأمد تعتمد على العلوم الرياضية الحديثة.

مرحلة انتقالية

  • هل صناعة البطل الأولمبي في المملكة العربية السعودية بات حلماً صعباً؟

  • نحن نعيش مرحلة انتقالية دقيقة ومهمة في تاريخ الرياضة السعودية. هناك دعم غير مسبوق من القيادة، واستثمارات ضخمة في البنية التحتية والحوكمة والاتحادات، لكن يجب أن نكون أكثر واقعية صناعة البطل الأولمبي لا تُقاس بحجم الإنفاق فقط، بل بعمق المنهج.

    ما زلنا في مرحلة بناء القاعدة، ولم نصل بعد إلى مرحلة الإنتاج المستدام للأبطال القادرين على المنافسة الأولمبية وفق المعايير العالمية.

  • ما أبرز التحديات التي تواجه صناعة البطل الأولمبي في السعودية حاليًا؟

    • عدم وجود مدارس رياضية متخصصة حسب الإقليم الجغرافي المناسب لنوع الرياضة، بمعنى المدرسة السعودية لألعاب القوى وتضم نخبة الرياضيين صغار السن في المناطق والبيئات التي تحوي الأنماط الجسمانية المناسبة لهذه الرياضة وقس على ذلك الرياضات الأخرى والتي متوقع لها صناعة أبطال في رياضة معينة.
  • كيف تقيّم واقع صناعة البطل الأولمبي في المملكة اليوم؟

    • إذا أردنا الحديث بموضوعية، فإن المملكة قطعت شوطًا مهمًا على مستوى الدعم والتمكين والبنية التحتية، لكننا ما زلنا في مرحلة التأسيس الحقيقي لصناعة البطل الأولمبي، لا مرحلة الحصاد. صناعة البطل ليست قرارًا إداريًا ولا مشروعًا قصير الأجل، بل منظومة تبدأ من الطفولة المبكرة، مرورًا بالمدرسة، ثم الأندية، وصولًا إلى النخبة. ما نراه اليوم هو وفرة في الموارد، لكن فجوة في المنهج العلمي المتكامل.
  • السؤال الذي يطرحه الشارع الرياضي هل يمكن أن يحقق رياضي سعودي ميدالية في الأولمبياد العالمي المقبل؟

  • لا يمكن أن نذهب للأولمبياد القادم بنفس أدوات الماضي وننتظر نتيجة مختلفة إذا بدأنا اليوم بإعادة هيكلة برامج النخبة، وحددنا ألعابًا أولمبية ذات فرص واقعية، وبنينا مسارًا خاصًا لكل لاعب موهوب، فإمكانية الحصول في الأولمبياد على الميدالية صعبة، لكنها لن تكون “معجزة”، بل نتاج عمل علمي صارم أعتقد مازلنا سنكتفي بالمشاركة لسنوات إلا إذا تم التركيز على الرياضات التي تستخدم الأداة مثل الفروسية والرماية.

  • ما الحلول العملية التي تقترحها لصناعة البطل الأولمبي السعودي؟

  • نحتاج إلى دراسات علمية تحليلية وتاريخية لقياس مستوى المشاركات السابقة وتحديد الأهداف بوضوح والعمل المبرمج وفق خطط استراتيجية، وتطبيقها على أرض الواقع من خلال التركيز على عدد من الرياضات المستهدفة والتي يمكن صناعة الأبطال من خلالها ودراسة الأرقام العالمية بدقة والعمل على الوصول لها.

صناعة الأبطال

  • وماذا تحتاج رياضتنا لصناعة البطل؟

- يجب أن يرتبط هذا الدعم المادي الكبير من القيادة بأسس بناء الرياضي والتي تعتمد إلى الجانب التدريبي للموهبة بالقدرة ولها حسابات ترتبط أيضاً بالقدرة التنبؤية للمدرب الخبير بالإجابة عن هل هناك جدوى من العمل على صناعة هذا الرياضي وفق الإمكانات البدنية والتي غالباً ما تتأثر بالعنصر الوراثي، ويرتبط التفوق الرياضي في معظم الرياضات الأولمبية بالأقاليم الجغرافية مثل تفوق الرياضيين في المسافات الطويلة بشرق أفريقيا وألعاب الميدان في العاب القوى بشرق أوروبا وأواسط آسيا والسرعات بجامايكا وأمريكا وهنا نلاحظ تفوق العرق في هذه الرياضات..

  • ألا تعتقد أن دورة الألعاب السعودية والتي أقيمت خلال السنوات الماضية لها دور في اكتشاف الأبطال؟

  • هذا هدف رئيس ولكن طريقة إقامة الدورة لا تساهم في تحقيق هذا الهدف ويجب إعادة النظر في ذلك من خلال مشاركة الفئات العمرية بصورة أكبر مع ضرورة الالتزام بتحقيق أرقام قريبة من الأرقام العربية والآسيوية كحد أدنى.

    • في ظل الدعم الرياضي الكبير الذي تشهده المملكة العربية السعودية اليوم، ما الخطوة الأهم التي يجب اتخاذها؟
  • لابد من بناء منظومة علمية لاكتشاف المواهب تعتمد على دراسة الأقاليم الجغرافية، وربط المدارس بالأندية والاتحادات، ثم توفير برامج تدريب طويلة الأمد تعتمد على العلوم الرياضية الحديثة وأنا متفائل بوجود شخصية بقيمة الرئيس التنفيذي للجنة الأولمبية الأستاذ عبدالعزيز باعشن هذا الرجل لديه طموح وحرص كبير لصناعة البطل الأولمبي واكتشاف المواهب.

ليست دورة عابرة

  • سنذهب بعيداً إلى تنظيم دورة الألعاب الآسيوية 2034 ماذا عن حظوظ الرياضيين السعوديين فيها؟

  • آسيا 2034 ليست دورة عابرة، بل اختبار مصيري للرياضة السعودية. ويجب أن نبدأ من الآن في إعداد جيل 2012–2016، لأن هؤلاء هم أبطال 2034 الحقيقيون، الاستضافة يجب أن تكون وسيلة لتسريع صناعة البطل، لا مجرد تنظيم مبهر. الجمهور سيصفق للتنظيم، لكن التاريخ لا يذكر إلا الميداليات.

* أخيرًا، كيف يلخص الدكتور ذياب الحجيلي هذه الفلسفة بصناعة البطل الأولمبي ؟

  • أقول دائمًا: البطل الأولمبي لا يولد على منصة التتويج، بل يولد أولاً في بيئته الجغرافية، ثم تصنعه المنظومة العلمية عبر سنوات من العمل والتخطيط والرياضة السعودية تعيش لحظة تاريخية، وتحظى بدعم غير المسبوق من القيادة الرشيدة والطموح السعودي مشروع، والإمكانات متوفرة، لكن صناعة البطل الأولمبي تحتاج إلى إعادة تعريف شاملة، البطل الأولمبي لا يُصنع بالشعارات، ولا بالقرارات السريعة. هو نتاج رؤية، وصبر، وعلم، واستمرارية.
الدكتور الحجيلي يلقي كلمة خلال إحدى البطولات
لقاء سابق جمع الحجيلي بالرئيس التنفيذي للجنة الأولمبية باعشن
الحجيلي خلال فترة عمله مديراً للمنتخب السعودي لكرة السلة على الكراسي المتحركة
الحجيلي متحدثاً عن أهمية الرياضة التنافسية لذوي الإعاقة


إقرأ المزيد