جريدة الرياض - 3/13/2026 2:38:01 AM - GMT (+3 )
كل قرار خاطئ له أثر مضاعف يتعدى حدود الملعب
42 % من الجماهير يرون أن استمرار الأخطاء سيؤدي إلى تآكل مصداقية البطولة
ثقة الجماهير في التحكيم شرط أساسي لاستدامة النجاح وليس شعورًا ثانويًا
65 % من المشجعين يعتقدون أن بعض القرارات تؤثر على استمتاعهم بالمباريات
ثقة الجماهير بالحكام ليست مجرد شعور جانبي أو عنصر ثانوي في المشهد الرياضي، بل تمثل الركيزة الأساسية لاستمرارية المنافسة وشرعيتها. فالجماهير لا تتابع المباريات فقط من أجل المتعة، بل لأنها تؤمن بأن ما يحدث داخل الملعب يتم وفق قواعد عادلة تطبق على الجميع دون استثناء. وعندما تهتز هذه الثقة، حتى لو بسبب عدد محدود من القرارات المثيرة للجدل، فإن تأثير ذلك يتجاوز حدود المباراة الواحدة ليصل إلى مصداقية البطولة بأكملها.
شهد الدوري السعودي للمحترفين في السنوات الأخيرة تحولاً تاريخياً كبيراً، حيث ضخت المملكة استثمارات ضخمة في تطوير البنية التحتية الرياضية واستقطاب نجوم عالميين، الأمر الذي جعل المسابقة تحظى بمتابعة دولية متزايدة. ومع هذه الطفرة الرياضية غير المسبوقة، أصبح من الضروري أن يتواكب مستوى التحكيم مع حجم هذا التطور، لأن أي خلل في هذا الجانب قد ينعكس مباشرة على صورة الدوري وثقة الجماهير به. ومع ارتفاع سقف التوقعات لدى الجماهير، أصبحت القرارات التحكيمية تحظى بمتابعة دقيقة من وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث يتم تحليل كل لقطة وكل حالة مثيرة للجدل خلال دقائق معدودة من وقوعها.
ضغط غير مسبوق
هذا الواقع الجديد جعل الحكام يعملون تحت ضغط غير مسبوق، في بيئة أصبحت فيها الأخطاء الصغيرة تتحول بسرعة إلى قضايا رأي عام رياضي. موسم 2025–2026 شهد عدة أحداث وضعت التحكيم تحت المجهر، وكان أبرزها الجدل الذي أعقب مباراة نادي الأهلي السعودي أمام نادي ضمك، عندما احتسب الحكم ركلة جزاء في الدقائق الأخيرة من المباراة غيرت نتيجة اللقاء لصالح الأهلي. هذا القرار أثار ردود فعل واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، كما تبعته تصريحات رسمية من إدارة نادي ضمك أكدت أن القرار “لم يكن عادلاً ويؤثر على نزاهة المنافسة”.
مثل هذه الحالات لا تعد جديدة في كرة القدم، لكنها في الوقت نفسه تكشف مدى حساسية الجماهير تجاه القرارات التحكيمية عندما تكون حاسمة في نتائج المباريات.
الأخطاء جزء من اللعبة
المشكلة هنا لا تقتصر على الأخطاء الفردية التي قد يرتكبها أي حكم في العالم، فالأخطاء جزء من طبيعة اللعبة، بل تتعلق أيضاً بدرجة الشفافية في شرح تلك القرارات وتوضيح آليات اتخاذها. الجمهور الرياضي في العصر الحديث لم يعد يكتفي بعبارة “قرار الحكم نهائي”، بل أصبح يتوقع تفسيراً واضحاً للحالات التحكيمية المثيرة للجدل، خصوصاً مع وجود التقنيات الحديثة التي يفترض أن تقلل من نسبة الخطأ.
وتشير دراسة أجرتها جامعة الملك سعود حول رضا الجماهير عن التحكيم في الدوري السعودي إلى أن نحو 65% من المشجعين يعتقدون أن بعض القرارات التحكيمية تؤثر بشكل مباشر على استمتاعهم بالمباريات، بينما يرى 42% أن استمرار الأخطاء قد يؤدي مع مرور الوقت إلى تراجع الثقة بمصداقية المنافسة. هذه الأرقام تعكس بوضوح أن المسألة ليست مجرد نقاش إعلامي عابر، بل قضية ترتبط بتجربة المشجع نفسه داخل الملعب وخارجه. من ناحية أخرى، جاءت تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR) لتكون أحد أهم أدوات دعم العدالة التحكيمية في كرة القدم الحديثة.
التقنية لم تحل المشكلة
وقد ساهمت هذه التقنية بالفعل في تصحيح العديد من الأخطاء الواضحة مثل الأهداف الملغاة أو حالات التسلل الدقيقة. ومع ذلك، فإن استخدامها في بعض المباريات أثار جدلاً واسعاً بسبب بطء المراجعات أو الاختلاف في تفسير بعض الحالات، الأمر الذي جعل بعض الجماهير تشعر بأن التقنية لم تحل المشكلة بالكامل. كما أن التوقف الطويل للمباريات أثناء مراجعة اللقطات أحياناً يخلق حالة من التوتر داخل الملعب ويؤثر على إيقاع المباراة، خصوصاً عندما لا يتم توضيح ما يجري للجماهير بشكل كافٍ.
نماذج عالمية
في بعض الدوريات العالمية، يتم عرض شرح مختصر للقرار التحكيمي بعد العودة إلى تقنية الفيديو، وهو ما يساعد على تقليل الجدل ويمنح المشجعين شعوراً أكبر بالشفافية. التجارب الدولية في هذا المجال تقدم نماذج مهمة يمكن الاستفادة منها. ففي الدوري الإنجليزي الممتاز على سبيل المثال، بدأت الجهات المسؤولة في نشر تسجيلات صوتية للمحادثات بين الحكم وحكام الفيديو في بعض الحالات المثيرة للجدل، وذلك بهدف تعزيز الشفافية وشرح طريقة اتخاذ القرار للجمهور.
أما في الدوري الإسباني فقد تم اعتماد برامج تحليل تحكيمي بعد المباريات تشرح أبرز الحالات وتوضح الأسباب القانونية لكل قرار. مثل هذه الخطوات لا تهدف فقط إلى تبرير الأخطاء، بل تسعى إلى بناء جسور من الثقة بين الحكام والجماهير، وهي الثقة التي تعد عنصراً أساسياً في استقرار أي بطولة كروية. وفي السياق السعودي، لا يقتصر الحل على استقدام حكام أجانب لإدارة المباريات الكبرى، رغم أن هذه الخطوة قد تساعد مؤقتاً في تخفيف الجدل.
تحدٍ حقيقي
التحدي الحقيقي يكمن في تطوير منظومة التحكيم المحلية بشكل شامل ومستدام. وهذا يتطلب إنشاء أكاديمية تحكيم متخصصة توفر برامج تدريب متقدمة تشمل الجوانب الفنية والنفسية، إضافة إلى استخدام أحدث تقنيات تحليل المباريات لتدريب الحكام على التعامل مع الحالات المعقدة. كما أن إدارة الضغوط النفسية تعد عاملاً مهماً في أداء الحكام، إذ تشير العديد من الدراسات الرياضية إلى أن الحكم الذي يتعرض لضغط إعلامي وجماهيري شديد قد يميل إلى اتخاذ قرارات أسرع لكنها أقل دقة. لذلك فإن توفير بيئة مهنية مستقرة للحكام يعد جزءاً أساسياً من تطوير مستوى التحكيم في أي دوري. ومن المهم أيضاً تعزيز ثقافة احترام الحكم داخل الملاعب وخارجها، سواء من قبل اللاعبين أو الأجهزة الفنية أو الجماهير. فكلما كانت العلاقة بين جميع أطراف اللعبة قائمة على الاحترام والثقة، زادت قدرة الحكام على أداء مهامهم بتركيز وهدوء. في النهاية، تبقى ثقة الجماهير في التحكيم عنصراً حاسماً في نجاح أي بطولة كروية. فمهما بلغت قيمة الاستثمارات أو حجم النجوم المشاركين في الدوري، فإن غياب الشعور بالعدالة قد يضعف ارتباط الجماهير بالمنافسة. ومع الطموحات الكبيرة التي تسعى المملكة لتحقيقها في المجال الرياضي، يصبح تطوير منظومة التحكيم وتعزيز الشفافية فيها ضرورة استراتيجية لا تقل أهمية عن تطوير الملاعب أو استقطاب اللاعبين العالميين.
فقط عندما يشعر المشجع بأن جميع الفرق تتنافس في إطار عادل ومتوازن، يمكن للدوري السعودي أن يرسخ مكانته كواحد من أبرز الدوريات في العالم وأن يحافظ على ثقة جماهيره التي تعد القلب الحقيقي لأي منافسة رياضي.
- رئيس نادي الدرعية السابق.
إقرأ المزيد


