جريدة الرياض - 2/27/2026 2:05:54 AM - GMT (+3 )
كرة القدم السعودية ما زالت تبحث عن منظومة إدارية تمتلك البوصلة
لا يوجد تناغم واضح بين الاتحاد والأندية في الأهداف والآليات فكل نادٍ يعمل وفق اجتهاده
كرة القدم ليست مجرد مباراة هي صناعة ضخمة تحتاج إلى إدارة حديثة
اليابان قررت تطوير كرة القدم فوضعت خطةً تمتد لعشرين عاماً
المغرب أنشأ أكاديمية محمد السادس واستثمر في التدريب والتعليم الكروي
لا أحد يمكنه إنكار أن المملكة تعيش واحدة من أعظم فتراتها الرياضية من حيث الدعم والاهتمام والاستثمار، ولكن خلف هذه الصورة الزاهية، تكمن مشكلة أعمق وأخطر من ضعف النتائج أو تعثر البطولات. المشكلة الحقيقية هي في غياب الرؤية الإدارية الواضحة التي تنظم هذا المشهد وتحوّله من طموح إلى واقع.
اليوم تملك كرة القدم السعودية كل عناصر القوة: مال، جماهير، نجوم، وإمكانيات غير محدودة، لكنها ما زالت تبحث عن منظومة إدارية تمتلك البوصلة والاتجاه. التخبط الإداري أصبح كابحًا للنهضة، وسببًا مباشرًا في تراجع النتائج على مستوى المنتخبات والأندية رغم الوفرة في الموارد.
في كل مرة يحدث فيها إخفاق، تتكرر القصة نفسها. يخرج اتحاد القدم بوعود جديدة، يُعلن عن إعادة هيكلة، تُطلق لجان، وتُسنّ لوائح، ثم لا يلبث أن يبدأ موسم جديد حتى نعود إلى نقطة الصفر. لا توجد خطة طويلة الأمد تُحاسَب عليها الإدارات المتعاقبة، ولا منهج ثابت يتبناه الاتحاد ليبني عليه القادمون من بعده. النتيجة أن كل اتحاد يبدأ وكأنه أول من تولى المهمة، فيُهدر الوقت والمال والطاقة في إعادة اكتشاف ما اكتُشف سابقًا، كيف يمكن لكرة القدم أن تتطور في ظل إدارة لا تملك ذاكرة مؤسسية ولا استمرارًا في الرؤية؟
من المؤسف أن كرة القدم السعودية ما زالت تُدار أحيانًا بذات المنطق الذي كان يُدار به نادٍ هاوٍ قبل عقود. تغيّر الأشخاص كثيرًا، لكن طريقة التفكير بقيت واحدة. قرارات تُبنى على ردود الفعل، لجان تُنشأ كردة فعل على أزمة، ومدربون يتغيرون مع كل تعثر وكأن المشكلة دائمًا فنية وليست هيكلية. هذا جعلنا نعيش دوامة لا تنتهي: إنجاز مفاجئ يعقبه تراجع حاد، وعودة متكررة إلى “مرحلة التقييم وإعادة البناء”. كل ذلك لأننا لم نحسم بعد سؤالاً بسيطًا: ما المشروع الكروي الحقيقي للمملكة؟
حين ننظر إلى التجارب الناجحة حول العالم، ندرك أن الحل لا يكمن في تغيير الأسماء، بل في ترسيخ الرؤية. اليابان مثلًا حين قررت تطوير كرة القدم لديها في التسعينات، وضعت خطة تمتد لعشرين عامًا، بدأت من المدارس والأكاديميات وانتهت بتأهل تاريخي لكأس العالم 2002 واستمرارها كقوة آسيوية دائمة. المغرب مؤخرًا طبقت نموذجًا مشابهًا، فأنشأت أكاديمية محمد السادس، واستثمرت في التدريب والتعليم الكروي، وكانت النتيجة أن وصلت إلى نصف نهائي كأس العالم كأول منتخب عربي وإفريقي يفعلها. في المقابل، نحن في السعودية نملك من الإمكانيات أضعاف ما تملكه تلك الدول، لكننا لم نحدد بعد ما الذي نريده من كرة القدم: هل نبحث عن إنجاز عابر أم مشروع وطني دائم؟
هذا انعكس أيضًا على الأندية. فبينما تُضخ الأموال وتُستقطب الأسماء، لا يوجد تناغم واضح بين الاتحاد والأندية في الأهداف أو الآليات. كل نادٍ يعمل وفق اجتهاده، كل موسم له اتجاه مختلف، والاتحاد يتدخل تارة ويغيب تارة أخرى.
هذه المشهد الكروي أقرب إلى “سباق أفراد” منه إلى “نظام مؤسسي”. الاتحاد الناجح هو من يضع الإطار العام ويترك للأندية مساحة الإبداع ضمن رؤية وطنية موحدة، أما أن يعمل كل طرف بمنطق “نفسي نفسي”، فستبقى النتائج متفرقة والنجاحات مؤقتة.
من أكثر المظاهر وضوحًا هو التعامل مع المنتخبات الوطنية. فبعد كل إخفاق، نبحث عن شماعة جديدة: مرة المدرب، مرة اللاعبون، ومرة التحكيم أو الجدول. لكن لم نسأل أنفسنا لماذا لا نملك منظومة فنية ثابتة تمتد لسنوات، كما تفعل المنتخبات الكبرى؟ ألمانيا بعد إخفاقها في يورو 2000 وضعت خطة إصلاح كاملة للفئات السنية، وبعد 14 عامًا حصدت ثمارها في مونديال 2014. نحن، في المقابل، نبدل المدربين والبرامج بوتيرة لا تسمح لأي مشروع أن ينضج.
أصبح الشارع الرياضي أكثر وعيًا وإدراكًا لطبيعة المشكلة. لم يعد يصدق أن المدرب وحده السبب، ولا أن اللاعبين يفتقرون للروح. الجمهور اليوم يرى أن القضية أكبر من ذلك، وأن ما يحدث هو نتيجة غياب الهيكلة الفكرية والمؤسسية التي تنظّم العمل الكروي من القاعدة إلى القمة.
كرة القدم ليست مجرد مباراة، بل صناعة ضخمة تحتاج إلى إدارة حديثة. الدول التي تقدمت كرويًا لم تفعل ذلك بالصدفة، بل ببناء إدارات محترفة تعتمد على البيانات والتحليل والمساءلة. أما نحن، فما زلنا نعيش على ردة الفعل والعاطفة.
هذه الثقافة يجب أن تتغير، لأن استمرارها يعني أن كل موسم سيبدأ كما انتهى الذي قبله: ضجة إعلامية، وعود كبيرة، نحن بحاجة إلى اتحاد كرة قدم لا يُدار بالأسماء، بل بالمؤسسات. اتحاد يضع خطة وطنية تمتد لعشرين عامًا، لا تتأثر بتغيّر الرؤساء أو المزاج الإعلامي. اتحاد يملك يعترف بالأخطاء ويفتح الأبواب للمساءلة والشفافية. نحتاج إلى أن نُعيد تعريف معنى “النجاح” في كرة القدم السعودية: ليس الصعود لكأس العالم فقط، بل أن نملك منظومة تجعلنا ننافس بثبات لا بمفاجآت.
الكرة السعودية اليوم تقف أمام لحظة حاسمة: إما أن تخرج من دائرة الفوضى وتبدأ مرحلة التخطيط الحقيقي، أو تستمر في الدوران داخل حلقة “الهيكلة الدائمة”. لدينا كل ما يلزم للنجاح.
التخبط الإداري لا يُهزم بالنيات الطيبة، بل بالعمل المنظم. وحين نصل إلى مرحلة تصبح فيها القرارات الرياضية نابعة من الفكر، عندها فقط سنرى كرة سعودية تليق بحجم الحلم الوطني.
*رئيس نادي الدرعية السابق.
إقرأ المزيد


