جريدة الرياض - 2/20/2026 3:11:57 AM - GMT (+3 )
الاتحاد حقق لقبين ثم بدأ بالتراجع
النصر بقيادة «الدون» يصوم عن المنصات
الفارق بين الأربعة ليس قيمة الصفقات أو عدد النجوم بل في طريقة إدارة التغيير
المنافسة في دوري روشن للمحترفين لا ترحم من يتأخر في حسم هويته المؤسسية
الإدارة الأهدأ والقرار الأوضح والمنظومة الأكثر نضجاً عوامل أعمدة الاستمرار
في زمن تضخّم الإنفاق وارتفاع سقف التوقعات، لم يعد الفارق بين الأندية يُقاس بقيمة الصفقات وحدها، بل بقدرة الإدارة على تحويل المال إلى مشروع، والمشروع إلى منظومة، والمنظومة إلى بطولات تتكرر ولا تتعثر، ومن هنا تتضح ملامح المشهد في دوري «روشن» للمحترفين، إذ يبدو الهلال والأهلي الأقرب إلى النضج المؤسسي، فيما يظل الاتحاد والنصر عالقين بين القدرة على المنافسة وضبابية الإدارة.
الهلال.. استقرار يُترجم إلى بطولات
الهلال، تاريخيًا وحديثًا، لا يعيش على ردة الفعل، بل على فكرة متماسكة تُدار بهدوء؛ فعلى امتداد السنوات الـ5 الماضية، ورغم تغيّر بعض الأجهزة الفنية، لم يشعر المتابع بأن النادي يهتز أو يفقد بوصلته، إذ إن التغيير جاء في سياق قرار محسوب، لا في سياق هلع جماهيري أو ضغط لحظي، ولذلك بقيت هوية الفريق واضحة، كما ظل الهيكل الفني يعمل وفق رؤية ممتدة لا ترتبط باسم مدرب بعينه، وعندما ننظر إلى تعامل الهلال مع لاعبيه الأجانب، نجد أن القرار لا يخضع لسطوة الاسم، بل لمنطق الحاجة الفنية، إذ يُحتفظ باللاعب حين يخدم المنظومة، ويُستغنى عنه حين تتقدم مصلحة الفريق، حتى لو كان الاسم لامعًا، ومن الطبيعي، في ظل هذا الاتساق، أن تتحول البطولات إلى نتيجة منطقية لا إلى مفاجأة عابرة.
الأهلي.. بناء منظومة ذكية
أما الأهلي، فإن قصته مختلفة في تفاصيلها لكنها متقاربة في نتيجتها؛ فقد مرّ النادي بمرحلة اضطراب أثّرت على صورته، غير أنه منذ عام 2023 أعاد ترتيب أوراقه بهدوء، وبدأ في بناء مشروع فني أكثر وضوحًا، وهو ما انعكس في الاستقرار التدريبي واستعادة الثقة داخل غرفة الملابس، ومع أن الأهلي لم يراكم الاستقرار عبر سنوات طويلة كما فعل الهلال، إلا أنه عوّض ذلك بسرعة القرار ووضوح الهيكل التنفيذي، فأصبح أكثر حسمًا في إدارة ملف الأجانب وأكثر جرأة في اتخاذ القرارات الصعبة، ومن ثمّ جاء التتويج القاري ليؤكد أن إعادة البناء لم تكن شعارًا إعلاميًا، بل تحولًا حقيقيًا في طريقة العمل، وهنا يمكن القول إن الأهلي اليوم أقرب إلى نادي مشروع متكامل، لا نادي أسماء متفرقة.
الاتحاد.. إنجاز وسط الضبابية
وعلى النقيض من هذا الاتساق النسبي، يبدو الاتحاد في حالة أكثر تعقيدًا؛ صحيح أن النادي حقق الدوري والكأس في فترة قريبة، وهو إنجاز لا يُمكن تجاهله أو التقليل من قيمته، غير أن تلك البطولات لم تُنهِ حالة الضبابية التي يشعر بها الجمهور تجاه المشهد الإداري؛ فالتغييرات المتكررة في الأجهزة الفنية، والتذبذب في بعض القرارات المتعلقة بالقائمة والاختيارات، أوجدت انطباعًا بأن الفريق يتقدم فنيًا بينما الإدارة تبحث عن صيغة مستقرة طويلة الأمد، ومن هنا يتبدى السؤال الحقيقي، إذ إن الاتحاد يملك عناصر قادرة على الفوز، لكنه بحاجة إلى وضوح أكبر في فلسفة الإدارة حتى يتحول الفوز من لحظة متألقة إلى نهج مستدام. فالاستقرار لا يُقاس بلقب واحد، بل بقدرة النادي على حماية إنجازه من الارتباك.
النصر.. زخم بلا حسم
أما النصر، فإن حالته تكشف جانبًا آخر من التحدي في دوري روشن للمحترفين؛ فمنذ قدوم النجم العالمي كريستيانو رونالدو، تغيّر حجم الضوء المسلط على النادي، وارتفعت التوقعات إلى سقف غير مسبوق، غير أن الضوء الإعلامي لا يعوّض غياب الاستقرار الإداري؛ فقد شهد النصر تغييرات متعددة في الأجهزة الفنية وتبدلات داخل الهيكل التنفيذي، وهو ما انعكس على هوية الفريق وتماسكه في اللحظات الحاسمة، وعلى الرغم من امتلاك النادي أسماء كبيرة وقوة جماهيرية هائلة، إلا أن تحويل هذا الزخم إلى بطولات ظل هدفًا مؤجلًا، وهنا تتجلى الفكرة الأساسية، إذ إن النصر قوي من حيث الحضور والإنفاق، لكنه لم يحسم بعد معركة بناء منظومة ثابتة تستطيع إدارة الضغوط وتثبيت الإيقاع عبر المواسم.
وعند تأمل الصورة الكاملة، يتبين أن الفارق بين الأندية الأربعة لا يكمن في قيمة الصفقات أو عدد النجوم، بل في طريقة إدارة التغيير؛ فالهلال يُغيّر حين يرى أن التغيير ضرورة محسوبة، ويحافظ حين يرى أن الاستمرار هو الخيار الأنسب، ولذلك يظل قريبًا من المنصات، والأهلي أعاد تعريف نفسه عبر هيكلة واضحة وسرعة في التصحيح، فانتقل من مرحلة الاضطراب إلى مرحلة التوازن، أما الاتحاد، فرغم ما يملكه من قدرة على الحسم، فإنه بحاجة إلى استقرار يُبدد الضبابية، في حين يقف النصر أمام اختبار حقيقي، إذ إن المرحلة المقبلة ستُظهر ما إذا كان النادي سيحوّل إنفاقه إلى منظومة، أم سيبقى رهين البدايات المتكررة.
في النهاية، لا ترحم المنافسة في دوري روشن للمحترفين من يتأخر في حسم هويته المؤسسية، لأن الجمهور لم يعد يقيس الأندية بالعاطفة وحدها، بل بمقدار ما تقدمه من اتساق واستمرارية، ومن ثمّ فإن السؤال الذي سيحسم المواسم المقبلة ليس من يملك النجم الأكبر، بل من يملك الإدارة الأهدأ، والقرار الأوضح، والمنظومة الأكثر نضجًا.
إقرأ المزيد


