جريدة الرياض - 1/16/2026 3:08:43 AM - GMT (+3 )
الأخضر يستحق أن يكون بين الكبار ليس مؤقتاً بل بثبات ومصداقية حقيقية
النجاح المستدام يبدأ دائماً من التخطيط المدروس
ألمانيا أخفقت في يورو 2000 فوضعت خطة للتطوير أثمرت عن تحقيق كأس العالم 2014
الحلول السريعة أو النجوم لا يكفيان.. المطلوب مشروع متكامل وواضح الأهداف
كرة القدم السعودية اليوم تعيش حالة من التناقض الواضح بين الطموح والواقع، على الورق، كل شيء يبدو مشرقًا: دعم مالي غير محدود، مشروعات استثمارية ضخمة، نجوم عالميون في الدوري المحلي، ورؤية وطنية طموحة تسعى لوضع المملكة على خارطة الرياضة العالمية، لكن على أرض الملعب، الواقع يقول شيئًا آخر، النتائج متذبذبة، والمنتخبات تواجه إخفاقات متكررة، والأندية الكبرى لم تحقق بعد النجاح القاري المتوقع. السؤال الذي يطرح نفسه بشدة: هل فشلنا في التخطيط أم في التنفيذ، أم أن المشكلة أعمق من ذلك وتتمثل في غياب منظومة متكاملة تقود كل عناصر اللعبة إلى هدف واحد؟
المنتخب السعودي، على سبيل المثال، يمتلك قاعدة من اللاعبين الموهوبين، شباب قادرون على المنافسة، وجماهير تحلم دائمًا بالانتصار، لكنه يكرر الأخطاء نفسها من بطولة إلى أخرى. إخفاقات كأس العالم وكأس آسيا الأخيرة لم تكن بسبب اللاعبين فقط، بل بسبب خلل في إدارة المشروع الكروي على المدى الطويل. لا يوجد إطار واضح يربط بين الأكاديميات، وفرق الشباب، والأندية، والمنتخبات الوطنية، كل مرحلة تعمل بشكل شبه مستقل، دون متابعة حقيقية أو تقييم متكامل، الأمر الذي يؤدي إلى فجوات فنية واضحة تظهر وقت المنافسات الكبرى.
التخبط الإداري للاتحاد السعودي لكرة القدم يزيد المشكلة تعقيدًا، تبديل المدربين المستمر، تغيير اللوائح والتوجيهات، وعدم وجود سياسة ثابتة للفئات السنية جعل من كل موسم تجربة جديدة غير متسقة مع السابق. الاتحاد، الذي يجب أن يكون محور التخطيط والرقابة، أصبح أحيانًا جزءًا من المشكلة، بدل أن يكون جزءًا من الحل، الجماهير اليوم تشعر بذلك، فهي ترى أن الأخطاء المتكررة ليست مجرد سوء حظ، بل نتيجة غياب منهجية واضحة.
حين نرصد التجارب العالمية، نجد أن النجاح المستدام يبدأ دائمًا من التخطيط المدروس قبل أي شيء آخر، ألمانيا بعد إخفاقها في يورو 2000 وضعت خطة شاملة لتطوير الفئات السنية، استمرت على مدار عقد كامل، وأثمرت عن جيل ذهبي قادها لتحقيق كأس العالم 2014. اليابان بنت منظومة كاملة من المدارس والأكاديميات إلى المنتخبات الوطنية، واستثمرت في الكوادر الإدارية، فحققت مستوى مستدامًا في المنافسات العالمية. المغرب فعل الشيء نفسه مؤخرًا، فكانت المفاجأة بالتأهل إلى نصف نهائي كأس العالم 2022، هذه الدول لم تعتمد على الحلول السريعة أو النجوم فقط، بل على مشروع متكامل وواضح الأهداف.
في المقابل، ما زالت الكرة السعودية تعتمد على النجوم والصفقات الكبيرة كحل سريع، لكنها تفشل في تثبيت نجاحات مستدامة، اللاعبون الكبار يأتون ويغادرون، وتستمر الحلقة نفسها: توقعات عالية، وضغوط إعلامية وجماهيرية، ثم خيبة أمل متكررة، وهذا يعكس أن المشكلة ليست في التنفيذ الفردي فقط، بل في ضعف التخطيط الذي ينبغي أن يسبق كل خطوة.
المسألة تتجاوز المنتخبات الكبرى، فهي تشمل كل منظومة كرة القدم السعودية، الأندية الكبرى تتأرجح بين الطموح الكبير والدعم الهائل، وبين الإدارة المتذبذبة التي لا تملك رؤية واضحة طويلة المدى، النتائج المحلية قد تكون مرضية جزئيًا، لكن البطولات القارية ما زالت حلمًا بعيد المنال، هذا الواقع يوضح أن التحدي الحقيقي ليس في قدرات اللاعبين، بل في الإدارة الشاملة للعبة، وفي القدرة على تحويل الدعم المادي والنجوم إلى منظومة متكاملة ومستدامة.
الجمهور السعودي أصبح اليوم أكثر وعيًا وإدراكًا، ولا يكتفي بالمظاهر، لم يعد يصدق أن مجرد وجود النجم العالمي في فريقه يضمن الفوز، يريد رؤية خطط واضحة، استقرار إداري، استراتيجية طويلة المدى، تطوير الفئات السنية، وربط كل العناصر بطريقة تحقق النجاح الحقيقي، الجمهور لم يعد مجرد متفرج، بل شريك في المطالبة بالمساءلة والإصلاح. هذه هي اللحظة التي يجب أن يتحرك فيها صانعو القرار في كرة القدم السعودية لتقديم خطة واضحة، وليس مجرد وعود عابرة أو تغييرات موسمية.
إذا أردنا أن نصنع الفرق، يجب أن نبدأ من الأساس: بناء نظام إداري وفني يربط كل القطاعات ببعضها البعض، من الأكاديميات إلى المنتخبات، يجب أن يكون هناك استقرار في القرارات، استمرارية في المدربين، وتخطيط متدرج للنجاحات الكبرى بدل الاعتماد على المعجزات اللحظية. عندها فقط، يمكن أن تتحول كرة القدم السعودية من واقع متذبذب إلى نموذج يليق بمستوى الاستثمار والطموح الذي تشهده البلاد.
الكرة السعودية اليوم أمام مفترق طرق حاسم: الاستمرار في دورة الإخفاقات المتكررة، أو إعادة تعريف مفهوم التخطيط والتنفيذ بشكل جدي ومستدام. لدينا كل مقومات النجاح: دعم، وإمكانيات، وموهبة، لكننا نفتقر إلى البناء المنهجي الذي يحول الطموح إلى واقع ملموس. حين نصل إلى هذه المرحلة، حين يصبح التخطيط قبل التنفيذ هو المبدأ الأساسي، عندها فقط يمكن أن يقول الشارع الرياضي إن الكرة السعودية دخلت مرحلة جديدة، مرحلة يستحق فيها الأخضر أن يكون بين الكبار، ليس مؤقتًا أو عرضيًا، بل بثبات ومصداقية حقيقية.
*رئيس مجلس إدارة نادي الدرعية سابقاً
إقرأ المزيد


