جريدة الرياض - 1/9/2026 1:26:43 AM - GMT (+3 )
تطوير برامج مشتركة بين وزارتي الرياضة والتعليم لتكامل المسارات الدراسية مع التدريب الرياضي
لا بد من وجود إطار قانوني وطني ينظم انتقال المواهب
إعادة تعريف العلاقة بين الأكاديميات الرياضية والأندية المحترفة
رؤية 2030 تستهدف جعل الرياضة قطاعًا اقتصاديًا منتجاً
لم تعد صناعة الرياضة اليوم تعتمد فقط على استقطاب النجوم، بل على تصدير المواهب المحلية إلى الأسواق العالمية. وفي ظل النهضة الرياضية غير المسبوقة التي تعيشها المملكة، آن الأوان لتتحوّل الرياضة السعودية من ساحة استقبال إلى منصة تصدير، تُخرّج لاعبين ومدربين وإداريين يمكنهم المنافسة عالميًا، تمامًا كما تصدّر المملكة طاقاتها في مجالات الاقتصاد والطاقة والمعرفة.
إن مفهوم “تصدير المواهب” ليس مجرد انتقال لاعب من نادٍ إلى آخر، بل هو نظام اقتصادي متكامل يبدأ من اكتشاف الموهبة في مراحل مبكرة، ويمرّ عبر التدريب والتعليم والرعاية، وصولًا إلى التمثيل الاحترافي في الخارج. في هذا السياق، يمكن النظر إلى المواهب الرياضية كأصل وطني — National Asset — يتم استثماره وتنميته ثم تصديره ليعود بقيمة اقتصادية ومعرفية.
لقد نجحت المملكة خلال الأعوام الأخيرة في خلق بيئة رياضية احترافية تُقارن بالدول المتقدمة: أندية قوية، بنية تحتية متطورة، استثمارات ضخمة، ورؤية تنظيمية واضحة.
فلسفة الاستثمار الرياضي
لكن التحدي القادم ليس فقط بناء الداخل، بل جعل الخارج يطلب منجزاتنا البشرية. فكما تُصدّر اليابان التكنولوجيا، وأميركا السينما، والبرازيل كرة القدم، يمكن للمملكة أن تصدّر “الإنسان الرياضي السعودي” كعلامة نجاح جديدة.
إن تصدير المواهب يتطلب تحولًا في فلسفة الاستثمار الرياضي. فبدل أن يكون هدف الأكاديميات والمراكز مجرد إعداد فرق محلية، يجب أن تُعامل الموهبة كمشروع استثماري طويل الأجل. بمعنى آخر، أن نؤسس لنظام Sports Talent Exporting Model، يقوم على مسار واضح من التنقيب الرياضي إلى التوقيع الدولي، تحت مظلة قانونية وتنظيمية تحمي حقوق النادي واللاعب والمستثمر معًا.
ولتحقيق ذلك، يجب إعادة تعريف العلاقة بين الأكاديميات الرياضية والأندية المحترفة. فالأكاديميات يمكن أن تتحول إلى مناجم وطنية للمواهب، تعمل وفق معايير فنية موحدة، وتُدار جزئيًا بالشراكة مع مستثمرين محليين ودوليين. فالشركات العالمية الكبرى في مجال الرياضة — مثل Adidas Academy وRed Bull Performance Center — لم تعد تعمل كجهات تجارية فحسب، بل كشركاء في صناعة الإنسان الرياضي. تخيّل أن نرى في المملكة “أكاديمية سعودية – عالمية مشتركة” تُخرّج لاعبًا يسافر إلى أوروبا أو آسيا بعقد احترافي، يحمل معه شعار بلده وفخر مؤسساته.
هذا التوجه لا يصنع الشهرة فقط، بل يخلق تدفقات مالية ومعرفية. فعقود النقل، والرعاية، والسمسرة، وحقوق الصورة، كلها موارد يمكن أن تُدار وفق نموذج استثماري مستدام. كما يمكن أن تُنشأ صناديق استثمارية رياضية تدعم المواهب الواعدة وتستفيد من عوائد انتقالهم مستقبلاً، بما يشبه فكرة Sports Talent Funds التي بدأت تنتشر في أوروبا.
ومن الناحية التشريعية، لا بد أن يُستكمل هذا المسار بوجود إطار قانوني وطني ينظم انتقال المواهب دوليًا، يحفظ حقوق الأندية والأكاديميات المحلية، ويضع أسسًا للملكية الفكرية الرياضية والعقود الاحترافية. هذا التنظيم لا يحمي فقط الجانب المالي، بل يصون سمعة المملكة في المحافل الرياضية الدولية كبيئة قانونية آمنة وواضحة.
منظومة متكاملة
وإذا نظرنا إلى الجانب الفني، فإن تصدير المواهب لا يعني فقط اللاعبين، بل يمتد إلى المدربين، والإداريين، والاختصاصيين، والمحللين الفنيين. فالسعودية تمتلك اليوم كفاءات بشرية تُنافس عالميًا في التخطيط والإدارة الرياضية. تصدير هذه الخبرات يعزز “القيمة الفكرية” للرياضة الوطنية، ويجعل من المملكة مصدرًا للمعرفة، لا مجرد مستهلك للتجارب الخارجية.
تصدير المواهب لا يعني خسارة اللاعبين، بل اكتساب التأثير العالمي. فحين ينجح لاعب سعودي في نادٍ أوروبي أو آسيوي، فهو لا يمثل نفسه فقط، بل يعكس مستوى المنظومة التي خرج منها — مدربين، بنية تحتية، استثمار، ووعي مؤسسي.
إن هذه الخطوة تتناغم تمامًا مع روح رؤية 2030 التي تستهدف جعل الرياضة قطاعًا اقتصاديًا منتجًا ومؤثرًا عالميًا. فالتنوع الاقتصادي لا يعني تنويع مصادر الدخل فقط، بل تنويع مصادر الفخر الوطني. ونجاح المواهب السعودية في الخارج سيكون أعظم دعاية وطنية لقدرة المملكة على صناعة الإنسان القادر على المنافسة والريادة.
الاستثمار في الرياضيين
ولكي تنجح الفكرة، يجب أن نؤمن بأن الاستثمار في الإنسان الرياضي لا يقل أهمية عن الاستثمار في المنشآت. فالملاعب تُشيَّد في سنوات، لكن بناء الموهبة يحتاج رؤية تمتد لعقد كامل. ومن هنا، لا بد أن تتبنى الاتحادات الرياضية والأندية خططًا وطنية موحدة لتأهيل المواهب وتصديرها، مدعومة بسياسات تحفيزية من القطاعين العام والخاص.
في هذا الإطار، يمكن تطوير برامج مشتركة بين وزارة الرياضة ووزارة التعليم لتكامل المسارات الدراسية مع التدريب الرياضي الاحترافي، بحيث يكون الطالب الموهوب رياضيًا قادرًا على تطوير مسيرته الأكاديمية والمهنية دون تعارض، وهو نموذج مطبّق في بعض الدول المتقدمة مثل فنلندا وكندا.
كما يمكن تعزيز حضور المواهب السعودية عبر برامج Exchange Training مع أندية عالمية، أو تأسيس “مكاتب تمثيل رياضي سعودية” في العواصم الرياضية الكبرى لمتابعة العقود، والتفاوض، ودعم اللاعبين المنتقلين، تمامًا كما تفعل الدول التي تُصدّر لاعبيها بشكل مؤسسي ومنظم.
القوة الحقيقية
في النهاية، يبقى تصدير المواهب السعودية مشروعًا وطنيًا بامتياز، لأنه يمزج بين الرياضة كقوة ناعمة، والاستثمار كقوة اقتصادية، والهوية كقوة رمزية.
وعندما تُصبح الأسماء السعودية مألوفة في الملاعب العالمية، فذلك يعني أن المملكة لم تعد تكتفي بشراء النجاح، بل أصبحت تصنعه وتبيعه وتشارك به العالم.
ذلك هو المعنى الحقيقي لصناعة القوة الرياضية السعودية، حيث يصبح الإنسان هو الاستثمار الأكثر قيمة، والمواهب هي الصادرات الأكثر فخرًا.
إقرأ المزيد


