اتجاه سعودي نحو اعتماد المناعة السيبرانية
جريدة الرياض -

يشهد قطاع الأمن السيبراني تطورًا متسارعًا خلال الفترة الأخيرة، في ظل سعي الشركات والمؤسسات إلى إيجاد وسائل أكثر فاعلية لحماية أصولها الرقمية. وفي هذا السياق، كشفت دراسة عالمية حديثة أجرتها "كاسبرسكي" عن تنامٍ ملحوظ في اعتماد استراتيجيات أمنية استباقية، يأتي في مقدمتها تطوير مفهوم «الأمن المدمج في التصميم»، إلى جانب تبنّي مفهوم «المناعة السيبرانية»، وهي منهجية مبتكرة تُرسّخ الأمن في البنية المعمارية للنظام منذ مرحلة التصميم الأولى.

وأظهرت نتائج الدراسة أن 93% من مختصي الأمن السيبراني في المملكة العربية السعودية يتمتعون بدرجة عالية من الوعي بمنهجية «الأمن المدمج في التصميم»، التي تقوم على دمج عناصر الحماية في البنية الأساسية للنظام منذ البداية، بدلاً من إضافتها في مراحل لاحقة. ويُطبق هذا النهج في قطاعات حساسة ومهمة، مثل قطاع الطيران، حيث لا يمكن إدراج عناصر الأمان بعد اكتمال بناء النظام، بل يجب أن تكون جزءًا أصيلاً منه منذ مرحلة التخطيط.

وعلى الرغم من المزايا الكبيرة لهذا النهج، إلا أن تبنّيه كان بطيئًا نسبيًا، ويُعزى ذلك إلى تحديات تتعلق بتوحيد المعايير، وارتفاع التكاليف، وتعقيدات التطبيق في بعض البيئات التقنية.

المناعة السيبرانية: الأفق الجديد في عالم الأمن الرقمي

استنادًا إلى مبدأ «الأمن المدمج في التصميم»، ترتقي «المناعة السيبرانية» بالأمن السيبراني إلى مستوى أكثر تقدمًا، إذ تهدف إلى إنشاء أنظمة قادرة على مقاومة الهجمات السيبرانية ذاتيًا، دون الحاجة إلى تحديثات أمنية مستمرة أو إضافة طبقات حماية خارجية.

وبيّنت الدراسة أن معظم الخبراء التقنيين في المملكة على دراية بمفهوم المناعة السيبرانية، إلا أن تفسيراتهم للمصطلح لا تزال متباينة. فعند سؤالهم عن معنى هذا المفهوم وفق فهمهم الشخصي، ربط 65% من المشاركين في السعودية المناعة السيبرانية بالأنظمة المبنية على نهج «الأمن المدمج في التصميم»، والتي تحافظ على صمودها ومتانتها عند التعرض للهجمات السيبرانية.

في المقابل، رأى 45% من المشاركين أن المصطلح يشير إلى مزيج من التقنيات والتدابير التي تهدف إلى التصدي للمجرمين السيبرانيين ومنعهم من الوصول إلى الأنظمة. كما أشار 63% إلى ارتباط المفهوم بوجود فرق أمن سيبراني عالية الكفاءة، وهو ما يعكس ارتفاع مستوى الوعي العام، إلى جانب غياب تعريف موحد وشامل للمناعة السيبرانية.

الحاجة المتزايدة إلى الأمن الاستباقي

ومن أبرز ما توصلت إليه الدراسة، حالة التفاؤل المتزايدة تجاه الأنظمة ذات الأمان المدمج، حيث يرى 68% من المشاركين في المملكة العربية السعودية أن تصميم أنظمة قادرة على مقاومة الهجمات السيبرانية دون الاعتماد على حلول أمنية إضافية هو أمر قابل للتحقق بشكل مؤكد. بينما يرى 30% منهم أن تحقيق ذلك ممكن، وإن كان مصحوبًا ببعض التحديات، ما يعكس تقبّلًا واسعًا للفكرة رغم وجود قدر من التحفظ.

ويتوافق هذا التحول في العقلية مع مؤشر متنامٍ في مجال الأمن السيبراني، يتمثل في أن التدابير الأمنية التقليدية، التي تعتمد على الاستجابة بعد وقوع الهجوم، لم تعد كافية لمواجهة التهديدات الحديثة. ومع تصاعد الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي وازدياد تعقيد أساليب الاختراق، باتت المؤسسات بحاجة إلى حلول أمنية استباقية لا تكتفي باكتشاف الهجمات، بل تمنع حدوثها من الأساس.

دمج المناعة السيبرانية في استراتيجيات الأمن المستقبلية

وأكدت الدراسة أن المرونة والخبرة والمناعة ستكون من أبرز السمات التي ستحدد ملامح مستقبل الأمن السيبراني. وتمثل المناعة السيبرانية الهدف النهائي لهذا التطور، في حين يُعد «الأمن المدمج في التصميم» النهج العملي للوصول إليه، بما يسهم في تقليل اعتماد المؤسسات على الوسائل الدفاعية الخارجية التقليدية.

وفي هذا السياق، علّق ديمتري لوكيان، رئيس وحدة أعمال KasperskyOS، قائلًا: «لا تقتصر المناعة السيبرانية على كونها وسيلة للحماية فحسب، بل تحقق فوائد تجارية ملموسة للشركات الطموحة. فعندما تُطوّر الأنظمة لتكون آمنة منذ البداية، تقل الحاجة إلى التحديثات الأمنية المتكررة، وتحديثات الأنظمة الدورية، وأدوات الحماية الإضافية، ما يؤدي إلى خفض التكاليف التشغيلية، وتقليل الضغوط على الفرق التقنية، وتعزيز مستوى الحماية وموثوقيتها على المدى الطويل».

وتوفر المناعة السيبرانية، في ظل بيئة التهديدات الرقمية الحالية، حماية قوية لمواجهة التحديات المتطورة، ولا سيما الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي التي تتجاوز قدرات التدابير الأمنية التقليدية. فعندما يصبح الأمن جزءًا أصيلًا من النظام، وليس إضافة خارجية، تكتسب الشركات مستوى أعلى من الحماية، إلى جانب ميزة تنافسية واضحة في السوق.

كما يتيح هذا النهج الاستباقي حماية مستدامة للبنية التحتية الحيوية، ويمكّن المؤسسات من مواصلة أعمالها بثقة، حتى مع تطور التهديدات السيبرانية من حولها. وبهذا، يتحول الأمن السيبراني من مجرد ضرورة دفاعية إلى عنصر تميّز استراتيجي، يسرّع وتيرة التحول الرقمي، ويقلل المخاطر، ويدعم استدامة الأعمال.

وتبرز المناعة السيبرانية اليوم كخيار استراتيجي حيوي، في ظل تعقّد مشهد الأمن السيبراني عالميًا. فالمؤسسات التي تبادر بتبنّي هذا النهج ستعزز من قدرتها على الصمود، وستسبق غيرها في عالم رقمي يتسم بالتغير المستمر والتحديات المتزايدة.



إقرأ المزيد