في عيد ميلادها: فيروز.. رفيقة الصباح والمساء
عربي ٢١ -

ما الذي يمكن قوله عن السيدة فيروز، رفيقة الصباح والمساء، ذات الصوت الذي لا يزال مبلّلا بندى الفجر، ولا يزال يمنح الصباح شمسًا أكثر إشراقا، ويجعل الليل الحالك أقل عتمة، فيروز تلك النغمة التي وإن كانت خافتة فإنها تتسلل بين أحاديث الجالسين، لتصل إلى أعماقك، فتثير فيك صمتك المعهود، وتكمل انسيابها الحاني إلى أعمق ما فيك، تربت على كتف الحزن الذي تحاول إخفاءه، مرورا بآثار جرح من ألم الغربة والخيبة، ودون قصد منها تنكأه!

لم يكن صوتها على رقته وعذوبته وحده ما يمنح لحظاتك ما يميزها، فأغنياتها التي أدمنتها جمعت بين روعة اللحن، هيبة الحضور، جمال الصوت وكلمات مؤثرة، تحاكي وتختزل كل ما يمكن قوله وما لا يمكن الإفصاح عنه، مما جعل فيروز أيقونة للحب، للوطن والليل، وبالطبع أيقونة للصباح الممزوج برائحة القهوة، إذ لا يكتمل الطقس النهاري إلا بالاستماع لما جادت به علينا جارة القمر وسفيرة الأرض إلى النجوم.

الورد لا يخلو من الشوك

إن الوردة التي مهما كان يغريك بهاء طلعتها، وتغرقُك بنفحة من شذى عطرها فإنها لا تخلو من الأشواك التي قد تدمي أناملك إن حاولت الاقتراب أكثر، فعلى ما تحظى به أغنيات فيروز من جمال متفرد آسر إلا أنها أغان ذات أشواك كلما استمعت إليها أكثر كلما وخزت قلبك، لكنه وخز ناعم ومحبب، لا يؤذيك، إنما يوقظ ما هو نائم فيك، فيصحو طيرًا يحوم حول لحنها ويشاركه الطرب والتحليق للأعالي دون أن يعرفا حدودا..

الحب الذي عرفه المستحيل

لم تبق السيدة في مسيرتها الطويلة شيئا مما في داخلنا إلا وأتت عليه، إننا نحارب من أجل نسيان الذكريات الحزينة ونظن بأننا انتصرنا، لكنها تأتي بصوتها الحنون وتهمس بكل ما أوتيت من عذوبة: أنت مهزوم، ومطوق بحب قديم يتجدد فيك، لكن لا حاجة لك بالاعتراف، سأغني ما يجول بخاطرك: "بيطلع ع بالي إرجع أنا وياك" و "بتيجي ع راسي رغم العيَل والناس"، لكن قدرنا كان أن "سهّروا عنينا، فرقوا إيدينا"، وعندما تذكرت ذلك "طلعلي البكي" ولم أستطع إلا أن أقول "شو بكره حياتي لما بشوفا عندك" فأنا ما زلت "أهواك بلا أمل"!


أغنيات حب لا ينتهي

بالطبع ثمة جانب مشرق ومضيء، يتمثل بالحب النقي الذي لا يشوبه ألمٌ قاسٍ وبعدٌ أبدي جارح، بل يزينه صدق الشعور فإذا ما حل في القلب رقص طربًا ورأى صحراء الحياة حدائق ذات بهجة، و " صار القمر أكبر"، وقد جادت فيروز بأروع شعور يتمثل بانتظار المحبوب فتغني: في غيابك "سألوني الناس"، وصحيح أن "موعدنا بكرا" لكنني "نطرتك سنة" و رغم غيابك الطويل سأظل "كبر البحر بحبك"، ورغما عن ما "قالوا العدا" و "خوفي من عتم الليل"، فإنه لا بد لمعادلة الحب، بحلوها "على جسر اللوزية تحت وراق الفية" ومُرها حين "زعلي طول أنا وياك"، أن تكون ذات نتيجة لا نقاش فيها "أنا لحبيبي وحبيبي إلي"!


فيروز تُسمع في الليل أيضًا

ارتبطت فيروز بالصباح وقهوة النهار، وهي تمنح صباحاتنا نكهة خاصة، إلا أن للسيدة الكثير من الأغنيات المرتبطة بالليل والتي لا يكون من المنطقي الاستماع إليها في النهار، نظرا للكلمات التي تتغنى بالسهر والليل والقمر والنجوم وغير ذلك، مثل أغنية "عتم يا ليل" وأغنية "حبيبي بده القمر" وبالطبع الأغنية الجميلة "عودك رنان" والتي تذكر فيها "الليل مش للنوم أصل الليل للسهر"، وأغنية "حلو يا سهرنا ع سطح الدار والحلو قمرنا زعل وطار"، وبالطبع لا يمكن إغفال ذكر أغنيتها الرائعة "ليلية بترجع يا ليل" كلمات الشاعر الكبير جوزيف حرب، إذن فجميع تلك الأغنيات امتازت بكلمات تعرّف عن نفسها بوضوح شديد على أنها كُتبت وأُنتجت لتناسب سهرة ليلية.


صوت المرأة الغاضبة

بالرغم من الرقة الشعورية التي مازجت أغنياتها في حالات الحزن والحب والحنين، إلا أنها عبرت عن جانب ساخر وغاضب أيضا يحكي تجربة تتدحرج عجلتها باتجاه واد سحيق من النهاية والفشل، فغنت "تركت الحب وأخدت الأسى"، و"مش فارقة معاي" وعبرت كذلك عن حنقها وغضبها من علاقة تقيدها بالشكوك والمشاجرات المفتعلة من قبل الطرف الآخر الذي يكذب باستمرار "ضاق خلقي يا صبي" فتصرح له " يا صبي الما بتفهم من نظرة ولا بحتى حكي"، و تعترف بيأسها من صلاحه وتغيره للأفضل "بتقول انه بتتغير ما الهيئة والأمل صغيّر!" يعني كلمات الأغنية "بهدلة واضحة" وتظهر فيها معاناة حقيقة، فلو أنهتها فليست نادمة بالطبع على مغادرة علاقة سامة “تنزكر وما تنعاد"!


أغنيات للوطن

غنت فيروز كغيرها وتغنت بالوطن، وقد تنوعت أغنياتها ما بين الأغنيات التي تحدثت عن الوطن بمفهومه الواسع غير المقتصر على بلاد بعينها، وعبرت فيها عن مشاعر الحب والحنين وما قد يختلج فؤاد المشتاق لوطنه في بلد غريب مثل "ردني إلى بلادي" و "احكيلي عن بلدي احكيلي" وأغنيتها الجميلة "أنا يا عصفورة الشجن"، اما بالنسبة للوطن بمفهومه الخاص فقد تغنت السيدة فيروز بكثير من البلاد العربية معبرة عن حبها واحترامها لكل عربي أيا كان موطنه، كيف لا وهي الصوت العابر للحدود والذي دخل أفئدة الملايين دون إذن، فغنت للأردن "أردن أرض العزم" و"سائليني يا شام" و"غنيت مكة" وبالطبع لم تغفل عن القضية الفلسطينية فاشتهرت أغنيتها "زهرة المدائن" و"سيف فليشهر" لتكون أغان أساسية في الإذاعات الفلسطينية وتبث كل يوم حتى يومنا هذا.


الشعر القديم بلحن متجدد

لم تطربنا السيدة فيروز بأغنيات تقتصر على اللهجة اللبنانية، بل غنت أيضا باللهجة المصرية وأبدعت في ذلك مثل "بعتلك يا حبيب الروح" و"خايف اقول اللي بقلبي" وأغنية "طلعت يا محلا نورها" إضافة للهجة البدوية في أغنية "يا راعي القصب"، إنه صوت يتشكل كالماء أيا كان وعاؤه، ومن الجدير بالذكر أنها غنت باللغة العربية الفصيحة فأتحفتنا بغناء شعرٍ جميل بصوت لا يقل جمالًا، حيث غنت القصيدة المنسوبة لجميل بثينة "أحب من الأسماء" ومقطوعة "جاءت معذبتي" وقد غنت مزيجا من المقطوعات الشعرية في أغنية واحدة بمسمى "ولي فؤاد" والتي جمعت أبياتا لأبي العتاهية، والمتنبي وقيس بن الملوح، فكانت لوحة شعرية بديعة الكلمات واللحن.


إن الحديث عن السيدة فيروز يطول ولا ينتهي لذا "أنا صار لازم ودعكن"


وكل عام وفيروز بخير.



إقرأ المزيد