أبو ذر الغفاري .. أزهد العباد
صحيفة هتون الإلكترونية -

أَبُو ذَرٍّ الغِفَارِيَّ جُندُبُ بنُ جُنَادَةَ،

“ما أَقَلَّتِ الغَبْرَاءُ وَلَا أَظَلَّتِ الخَضْرَاءُ مِن رَجُلٍ أصْدَقُ مِنْ أَبِي ذَرٍّ” [مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ]

في وادي ”ودَّان“ الذي يصل مكة بالعالم الخارجي كانت تنزل قبيلة ”غفار”. وكانت ”غفار“ تعيش على ما تأخذه من قوافل قريش التجارية إلى الشام، سواء بالتراضي أو بقطع الطريق.
وكان «جُندُبُ بنُ جُنادة» المُكنَّى بأبي ذَرِّ واحداً من أبناء هذه القبيلة، لكنَّهُ كان يمتاز مِنهُم بجُرأة القلب، ورجاحة العقل، وبُعد النظر، وكان يضيق أشد الضيق بالأوثان التي يَعبُدُها قومُهُ من دُون الله.

ثمّ سمع أبو ذَرٍّ- وهو في باديته- أخبار النبيَّ الجديد الذي ظهر في مكة، فطلب من أخيه «أنيس» أن يذهب إلى مكة ويسمع من النبي وعنه ثم يخبره بما وجد.

ذَهبَ ”أنيس“ إلى مكة، والتقى بالرسول صلوات الله عليه وسلامه، وسمِعَ منه، ثُمَّ عاد إلى البادية فتلقَّاهُ أبُو ذَرٍّ في لهفةٍ، وسأله عن أخبار النبي الجديد في شغف.
فقال: لقد رأيت- والله- رجُلاً يدعو إلى مكارم الأخلاق، ويقول كلاماً ما هو بالشعر.
فقال له: وماذا يقولُ النَّاسُ فيه؟.
فقال: يقولون: إنَّهُ ساحر، وكاهن، وشاعر.
فطلب أبو ذر من أخيه أن يرعى عياله حتى يتأكد من الأمر بنفسه، فوافقه أخوه شريطة أن يظل على حذر من قريش.

قابل أبو ذر رضوان الله عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ثلاث ليالٍ قضاها في مكة خائفاً أن يسأل أحدا فيصيبه مكروه، حتى صحبه  علي رضي الله عنه إلى بيت الرَّسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ومضى أبو ذر وراءهُ حتى دخلا على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو ذر: السلام عليك يا رسول الله.

فقال الرسول: (وعليكَ سلامُ اللَّهِ ورحمتُهُ وبركاتُهُ).
فكان أبو ذَرٍّ أوَّل من حيَّا الرسول صلى الله عليه وسلم بتحية الإسلام، ثُمَّ شاعت وعمَّت بعد ذلك.

وأسلم بعدها أبو ذر بين يدي رسول الله، وصدع بإسلامه أمام الكعبة، ثم أسلمت قبيلة “غفار” كلها على يديه، رضوان الله عليه.

أقام أبو ذرٍّ في باديته حتى مَضَت ”بدرٌ“، و”أُحُدٌ“، وَ”الخَندقُ“.. ثُمَّ قَدِمَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، واستأذنه أن يقُوم على خدمته؛ فأذِنَ لهُ. وظَلَّ رسول الله صلوات الله عليه يُؤثِرُهُ ويُكرِمُهُ، فما لقيهُ مَرَّةً إلا صافحه، وهشَّ في وجهه وبشَّ.

ولمَّا توفي رسول الله؛ لم يُطق أبو ذر صبراً على الإقامة في المدينة المُنَوَّرة بعد أن خلت من سيدها، فرحل إلى بادية الشام وأقام فيها مُدَّة خلافة الصِّدِّيق والفاروق رضي الله عنهما وعنه.

وفي خلافة عُثمان نزل في ”دمشق“ فرأى من إقبال المُسلمين على الدُّنيا وانغماسهم في التَّرف ما أذهلهُ ودفعهُ إلى استنكار ذلك؛ فاستدعاهُ عُثمان بنُ عفَّان إلى المدينة، فقدم إليها، لكنَّهُ ما لبث أن ضاق برغبة النَّاس في الدُّنيا وضاق الناسُ بشدَّته عليهم وتنديده بهم، فأمَرَهُ عُثمان بالانتقال إلى ”الرَّبَذَة“ وهي قرية صغيرة من قُرى المدينة، فرَحَل إليها وأقام فيها بعيداً عن النَّاس، زاهداً بما في أيديهم من عَرَض الدُّنيا.

دَخَل عليه رَجُلٌ ذات مَرَّةٍ فلم يجد متاعاّ فسأله عنه، فقال له إن عنده بيت في الآخرة يبنيه بالأعمال الصالحة.

وفي السنة الثانية والثلاثين للهجرة توفي أبو ذر الغفاري رضوان الله وسلامه عليه .



إقرأ المزيد