"طاش مكتب" في قيصري التركية.. مدرسة خرّجت شهداء ورئيسين
وكالة الأناضول -

Ergün Haktanıyan, Hişam Sabanlıoğlu

30 أكتوبر 2026•تحديث: 30 أكتوبر 2026

قيصري/ إرغون حقطانيان/ الأناضول

- منذ أواخر العهد العثماني إلى الجمهورية التركية.. ثانوية قيصري تواصل مسيرتها التعليمية منذ تأسيسها عام 1893

- مدير التربية في قيصري: طلاب المدرسة شاركوا في الدفاع عن الوطن واستشهد طلاب الصف الأخير قبل نيل شهاداتهم عام 1921

- من بين خريجيها الرئيسان تورغوت أوزال وعبد الله غُل ووزراء وفنانون وعلماء

- طالبة بالمدرسة: السير في الممرات نفسها التي عبرتها شخصيات بارزة يمنحني شعورًا يصعب وصفه

- جزء من المبنى تحول عام 2016 إلى "متحف حرب الاستقلال" ليجمع المكان بين التعليم والذاكرة التاريخية

على مدى 133 عامًا، عاصرت ثانوية قيصري وسط تركيا، المعروفة باسم "طاش مكتب"، تحولات كبرى في تاريخ البلاد، من السنوات الأخيرة للدولة العثمانية إلى حرب الاستقلال وبدايات الجمهورية، وقدّمت خلال مسيرتها طلابًا استشهدوا في معركة صقاريا، ومن مقاعدها تخرّج رئيسان للجمهورية.

في مبناها التاريخي، لا تزال طاش مكتب (المدرسة الحجرية) تستقبل الطلاب، فيما يحتفظ جزء منه بذاكرة تلك المرحلة، ولا سيما قصة دفعة طلاب لم يتخرجوا عام 1921 بعدما استشهدوا في معركة صقاريا.

هذه الحلقة من سلسلة الأناضول "مدارس عريقة"، تتناول تاريخ المدرسة التي تأسست عام 1893، وأصبحت واحدة من المؤسسات التعليمية المعروفة في البلاد، كما تحولت أجزاء من مبناها عام 2016 إلى "متحف حرب الاستقلال"، الذي يعرض مقتنيات توثق إسهام الأناضول في النضال الوطني.

** إرث من أواخر العهد العثماني

تأسست المدرسة في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، الذي شهدت فترة حكمه توجهًا إلى افتتاح مدارس ثانوية في عدد من مدن منطقة الأناضول، وكانت قيصري آنذاك سنجقًا تابعًا لأنقرة، أي وحدة إدارية عثمانية أدنى من الولاية في التقسيم الإداري.

منذ افتتاحها، واصلت المدرسة نشاطها التعليمي، لكن الحروب التي خاضتها الدولة العثمانية في العقود التالية أثرت في أعداد طلابها.

فمع حروب البلقان ثم الحرب العالمية الأولى بين 1914 و1918، تراجع عدد الطلاب إلى 49، ولم تتمكن المدرسة خلال معركة تشناق قلعة، المعروفة أيضًا بمعركة غاليبولي، من تخريج سوى تسعة طلاب.

** غادروا مقاعد الدراسة إلى الجبهة

مع اندلاع حرب الاستقلال التركية عام 1919، انخرط سكان البلاد في جهود المقاومة، من الشباب وكبار السن إلى النساء والأطفال، وفي قيصري، ارتبطت المدرسة بهذه المرحلة ارتباطًا مباشرًا.

ففي صيف عام 1921، ومع تقدم القوات اليونانية نحو منطقة هايمانا (وسط)، قرر البرلمان التركي نقل مقر الحكومة إلى قيصري.

وكان ذلك إجراءً احترازيًا في ظل المخاوف من اقتراب المعارك من أنقرة، فجرى تجهيز مبنى الثانوية لاستضافة اجتماعات البرلمان.

لكن انتصار القوات التركية في معركة صقاريا غيّر مسار الأحداث، فتراجع البرلمان عن قرار الانتقال.

خلال تلك الفترة، تطوّع طلاب الصف الأخير في المدرسة للذهاب إلى الجبهة، واستشهدوا في معركة صقاريا، ولذلك لم تتمكن المدرسة من تخريج دفعة عام 1921، الأمر الذي يعد من أبرز الوقائع التي ارتبطت بذاكرة المؤسسة التعليمية.

ومعركة صقاريا التي دارت بين القوات التركية والقوات اليونانية، كانت محطة مهمة في حرب الاستقلال التركية، التي انتهت بتأسيس الجمهورية، وقد بقيت قصة طلاب المدرسة جزءًا من الذاكرة التاريخية المرتبطة بتلك المرحلة.

وفي عام 1922، عُيّن الشاعر فاروق نافز جاملي بيل مدرسًا للأدب في المدرسة، حيث عمل لمدة عامين، وكتب نشيد ثانوية قيصري تخليدًا لذكرى الطلاب الذين استشهدوا، لتظل قصتهم حاضرة في تاريخ المدرسة.

** خريجون تركوا بصمتهم في البلاد

لم يقتصر إرث المدرسة على دورها خلال حرب الاستقلال، فقد تخرج منها عدد من الشخصيات البارزة في الحياة السياسية والثقافية والعلمية التركية.

ومن بين خريجيها تورغوت أوزال، الرئيس الثامن للجمهورية التركية، وعبد الله غُل، الرئيس الحادي عشر، إلى جانب وزراء ومسؤولين وفنانين وعلماء.

وقال مدير التربية الوطنية في ولاية قيصري، جوشكون أسن، في حديث للأناضول، إن المدرسة تُعد من أعرق الثانويات في تركيا، وتاريخها يعكس مشاركة الطلاب في الأحداث التي مرت بها البلاد.

وأضاف أن طلاب المدرسة لم يكونوا بمعزل عن الحروب التي خاضتها الدولة، بل شاركوا في الدفاع عن الوطن، حتى إن طلاب الصف الأخير استشهدوا قبل أن يحصلوا على شهاداتهم.

وأكد أسن أن المدرسة ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل مكان ارتبط بمرحلة أسهم فيها جيل من الشباب في الدفاع عن حرية البلاد واستقلالها ووحدتها.

وأشار إلى أن تورغوت أوزال وعبد الله غُل تخرجا في المدرسة، إلى جانب عدد كبير من الوزراء ورجال الدولة والفنانين والعلماء الذين تولوا مسؤوليات مختلفة في خدمة البلاد.

** تعليم وذاكرة تاريخية

عام 2016، حُوّل جزء من مبنى المدرسة إلى "متحف حرب الاستقلال"، الذي يعرض مقتنيات توثق مساهمة الأناضول في النضال الوطني.

وبذلك، أصبح مبنى المدرسة يجمع بين وظيفته التعليمية وذاكرته التاريخية، إذ يتيح للطلاب الذين يتلقون تعليمهم فيه، كما للزوار، التعرف إلى جانب من الأحداث التي شكلت تاريخ تركيا الحديث، لتبقى حاضرة في أذهانهم.

وقالت بوغلم شن، الطالبة في الصف الثاني عشر، إنها تشعر بالفخر لوجودها في مؤسسة درس فيها أشخاص معروفون، بينهم تورغوت أوزال والشاعر فاروق نافز جاملي بيل والمطربة أمل ساين.

وأضافت للأناضول أن معرفة أن هذه الشخصيات عبرت الممرات نفسها التي تعبرها يوميًا تمنحها شعورًا يصعب وصفه، معتبرة أن المدرسة ليست مكانًا عاديًا، بل مؤسسة ارتبطت بأشخاص تركوا بصمتهم في التاريخ.

أما الطالب عمر تورك، فعبّر عن حبّه لمدرسته، مشيرًا إلى أن معلميه السابقين في المرحلتين الابتدائية والإعدادية تخرجوا فيها، وأن رؤية أشخاص يعرفهم وقد درسوا في هذا المكان تعزز ارتباطه به.

وأفاد بأنه يتطلع إلى التخرج من المدرسة نفسها التي تواصل استقبال الطلاب بعد مرور كل هذه السنوات على تأسيسها.



إقرأ المزيد