خبيران: حماية الجنائية الدولية من عقوبات واشنطن تتطلب تحركا أوروبيا
وكالة الأناضول -

أمستردام/ سلمان أقسنقر/ الأناضول

- مارك كيرستن: سقوط الجنائية الدولية لن يكون بسبب العقوبات وإنما بسبب لا مبالاة الدول الأعضاء

- كينيث روث: يمكن ملاحقة الرئيس الأمريكي ترامب ووزير خارجيته روبيو بتهمة عرقلة العدالة

حذر خبيران في القانون الجنائي الدولي من أن العقوبات الأمريكية المفروضة على المحكمة الجنائية الدولية تهدد قدرتها على مواصلة عملها، داعيين الدول الأوروبية إلى اتخاذ إجراءات قانونية ومالية لحمايتها.

وفي 9 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري أعلنت الولايات المتحدة إدراج المحكمة الجنائية الدولية، بوصفها مؤسسة، على قائمة العقوبات، بعدما سبق أن فرضت تدابير على 13 قاضيا ومدعيا عاما يعملون فيها.

وتنص الإجراءات الجديدة على حظر المعاملات مع المحكمة، مع منح مهلة انتقالية مدتها 6 أشهر قبل دخولها حيز التنفيذ الكامل.

وتأتي العقوبات الأمريكية اعتراضا على مذكرتي توقيف أصدرتهما المحكمة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 بحق رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت لارتكابهما جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

وفي حديثين للأناضول، حذر المدير السابق لمنظمة "هيومن رايتس ووتش" كينيث روث، والباحث في جامعة فريزر فالي الكندية مارك كيرستن، من أن العقوبات قد تعرقل عمل المحكمة وتهدد قدرتها على مواصلة التحقيقات والملاحقات القضائية.

وشدد الخبيران على ضرورة انتقال الدول الأعضاء من إعلان الدعم السياسي إلى اتخاذ خطوات عملية، بينها تفعيل قانون الحجب الأوروبي وتقديم دعم مالي وقانوني للمحكمة.

تهديد الخدمات الأساسية

وقال روث إن الاتحاد الأوروبي يستطيع حماية المحكمة من عقوبات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، محذرا من أن عدم التحرك قد يجعل آثارها "مدمرة".

وأوضح أن العقوبات قد تصعّب على البنوك دفع رواتب موظفي المحكمة وتسديد فواتيرها.

كما قد تدفع شركات الاتصالات والإنترنت إلى وقف خدماتها للمحكمة، وتعرقل تعاون منظمات المجتمع المدني معها.

من جانبه، حذر كيرستن من أن العقوبات تستهدف جوانب حيوية من عمل المحكمة، تشمل حجوزات الطيران والفنادق ودفع الرواتب واستخدام البرمجيات.

واعتبر أن استمرار هذه الضغوط قد يعرقل الأنشطة اليومية للمحكمة، بما فيها التحقيقات والملاحقات القضائية.

قانون الحجب الأوروبي

ودعا روث الاتحاد الأوروبي إلى تفعيل "قانون الحجب" لحماية المحكمة من الآثار العابرة للحدود للعقوبات الأمريكية.

وظهر "قانون الحجب" للمرة الأولى بالعام 1996، عقب قرار الولايات المتحدة فرض حظر على كوبا وإيران وليبيا.

ويهدف القانون إلى منع تنفيذ الأحكام التي قد تصدرها محاكم أجنبية ضد الشركات الأوروبية التي تتعامل مع تلك الدول، بما يضمن حماية هذه الشركات.

لكن تطبيق القانون جرى تجميده لاحقا، بعدما توصل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إلى حل عبر المفاوضات.

ودخل القانون حيز التنفيذ في 7 أغسطس/ آب 2018، عقب قرار ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي المبرم مع إيران في العام 2015.

واعتبر روث أن الأزمة الحالية تمثل فرصة ثالثة لتفعيل القانون.

وعزا تردد الاتحاد الأوروبي بتفعيل القانون إلى مخاوف البنوك الهولندية المتعاملة مع المحكمة، ومقرها لاهاي، من التعرض لإجراءات انتقامية أمريكية.

واستشهد بالخلاف بشأن غرينلاند، قائلا إن الدول الأوروبية لوّحت باستخدام "البازوكا الاقتصادية"، في إشارة إلى أداة الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإكراه الاقتصادي.

واعتبر أن هذا التلويح دفع ترامب إلى التراجع، داعيا الاتحاد إلى الاستعداد لاستخدام الأداة نفسها إذا ردت واشنطن على تفعيل قانون الحجب بإجراءات انتقامية.

وقال روث: "عندما تقفون في وجه المتنمر وترفضون الخضوع له وتردون بحزم، فإنه يتراجع".

وتساءل عما إذا كانت الدول الأوروبية تؤمن بتطبيق العدالة على الجميع، أم باستثناء المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين من المساءلة عن جرائم الحرب.

وأكد أنه لا ينبغي وجود مثل هذا الاستثناء، داعيا دولا أخرى، بينها كندا وأستراليا، إلى سن قوانين مماثلة لحماية المحكمة.

ملاحقة ترامب وروبيو

وفي طرح قانوني آخر، رأى روث أن بإمكان المحكمة النظر في ملاحقة ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو بتهمة عرقلة سير العدالة.

واستند إلى المادة 70 من نظام روما الأساسي، التي تجرّم، ضمن أفعال أخرى، ترهيب مسؤولي المحكمة أو التأثير فيهم لمنعهم من أداء مهامهم، وكذلك الانتقام منهم بسبب عملهم الرسمي.

واعتبر أن العقوبات الأمريكية تندرج ضمن هذا الإطار، لأنها تستهدف، "ترهيب موظفي المحكمة وتهديدهم".

وقال إن أي ملاحقة محتملة قد تعرّض ترامب وروبيو لخطر الاعتقال إذا سافرا إلى إحدى الدول الـ125 الأطراف في نظام روما الأساسي، بما قد يقيّد تحركاتهما الدولية.

ويظل ذلك تقييما قانونيا طرحه روث، وليس إجراء أعلنت المحكمة اتخاذه.

كما انتقد روث بطء الدول الأعضاء في اختيار مدع عام جديد خلفا لكريم خان، الذي أُبعد عن منصبه.

وفي 24 يوليو/ تموز صوتت 82 دولة من أصل 125 دولة عضوا في المحكمة الجنائية الدولية لصالح عزل مدعيها العام كريم خان، على خلفية اتهامات بـ"تحرش جنسي وإساءة استخدام السلطة"، نفاها خان ووصف قرار عزله بأنه "مسيس".

وأصبح خان أول مدع عام يُعزل من منصبه منذ تأسيس المحكمة بالعام 2002.

ودعا روث إلى الإسراع في اختيار خلف له، حتى لو كان أحد نائبي المدعي العام الحاليين، بما يتيح اتخاذ قرارات لمواجهة الأزمة، بينها النظر في ملاحقة مسؤولين أمريكيين كبار.

مسؤولية الدول الأعضاء

من جانبه، قال كيرستن إن الدول الأعضاء تستطيع دعم المحكمة بوسائل عملية، تشمل تقديم تمويل إضافي ومساهمات طوعية، وإيفاد موظفين للعمل معها.

كما دعا وزراء الخارجية ورؤساء الحكومات إلى زيارة المحكمة وإعلان دعم سياسي واضح لها.

وحذر من أن فشل المحكمة في تجاوز الأزمة لن يكون نتيجة العقوبات الأمريكية وحدها، بل قد يعود أيضا إلى تقاعس الدول الأعضاء عن اتخاذ الإجراءات اللازمة.

وقال: "إذا سقطت المحكمة الجنائية الدولية فلن يكون ذلك بسبب عقوبات إدارة ترامب، بل بسبب لا مبالاة الدول الأعضاء".

وفي إشارة إلى الأشهر الستة التي تسبق دخول العقوبات حيز التنفيذ الكامل، أضاف: "هذا وقت اليقظة، وليس وقت الأمل".

وشدد كيرستن على أن السماح للولايات المتحدة بالتأثير في عمل المحكمة، أو دفعها إلى التراجع عن مذكرات توقيف أو تحقيقات مقابل تسوية سياسية، أمر "غير مقبول إطلاقا".

خيارات الشركات

ورفض كيرستن وصف الموقف الذي تواجهه الشركات المقدمة للخدمات إلى المحكمة بأنه "معضلة"، مفضلا اعتباره "خيارا".

وقال إن بعض الشركات تمتثل بالفعل للمطالب الأمريكية دون أن تضطر إلى اتخاذ قرار معلن.

وحذر من أن توقفها عن تقديم الخدمات للمحكمة سيكون، في هذه الحالة، نتيجة اختيارها عدم الاستمرار، وليس استحالة تقديم الخدمة.

وأضاف أنه تحدث إلى موظفين في شركات تقدم خدمات التأمين للمحكمة، ونقل عنهم أنهم سيدرسون مواصلة التعامل معها إذا فُعّلت قوانين الحجب.

وأكد أن الاتحاد الأوروبي وكندا وبريطانيا يمتلكون أدوات قانونية يمكن استخدامها لحماية الشركات التي تقدم السلع والخدمات للمحكمة من العقوبات الأمريكية الثانوية.

ودعا الدول إلى الانتقال من المواقف المعلنة إلى خطوات عملية.

الموقف الأوروبي

وفي 23 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري أكدت المفوضية الأوروبية أن الشركات الأوروبية ينبغي أن تواصل تقديم الخدمات للمحكمة في ظل التراخيص الأمريكية الحالية.

جاء ذلك بالتوازي مع مساع دبلوماسية لدفع الولايات المتحدة إلى التراجع عن العقوبات.



إقرأ المزيد