وكالة الأناضول - 10/25/2026 11:20:22 AM - GMT (+3 )
أنقرة/ يوسف صويقان بال/ الأناضول
- القصف قتل عميه وأصاب والده وجدته وتسبب له بصدمة أفقدته ذاكرته
- الطفل بدأ الدراسة في أنقرة بعد رحلة علاج طويلة ساعدته على استعادة حياته
على كرسيه المتحرك في العاصمة التركية أنقرة، يبدأ الطفل الفلسطيني مؤمن سامح الهمص يومه متوجهًا إلى مدرسته، حاملًا حقيبته وأحلام طفل في الخامسة من عمره، لكن من دون ساقين فقدهما جراء قصف إسرائيلي استهدف منزل أسرته في قطاع غزة.
قبل ثلاث سنوات، كان المشهد مختلفًا تمامًا، حيث كان مؤمن في الثانية من عمره وسقط صاروخ إسرائيلي على منزل أسرته، وحوّل المكان الذي يفترض أن يمنحه الأمان إلى ركام، ظل الطفل عالقًا تحته نحو ست ساعات قبل أن تتمكن فرق الإنقاذ من انتشاله.
نجا مؤمن من تحت الأنقاض، لكنه خرج إلى حياة تغيرت إلى الأبد.
فقد الطفل ساقيه، وقُتل عماه في الهجوم، فيما فقد والده إحدى ساقيه، وفقدت جدته لأبيه إحدى يديها، لتترك الضربة الإسرائيلية جراحًا عميقة في جسد الأسرة وذاكرتها.
ونجا من الهجوم شقيقه التوأم محمد ووالدته، بعدما شاءت الأقدار ألا يكونا في المنزل لحظة القصف، إذ خرجا لشراء الخبز.
** جروح الجسد والروح
وبعد انتشاله من تحت الأنقاض ونقله إلى المستشفى، اضطر الأطباء إلى بتر ساقي مؤمن.
وبدأت منذ تلك اللحظة رحلة علاج طويلة وشاقة، تنقل خلالها بين مستشفيات عدة، وخضع لعمليات جراحية في مصر، قبل أن يصل إلى تركيا التي فتحت أمامه بابًا جديدًا للعلاج والأمل.
وفي تركيا، خضع الطفل لخمس عمليات جراحية أخرى، قبل أن يغادر المستشفى بعد رحلة علاجية طويلة، ليبدأ مرحلة جديدة لا تقوم فقط على مداواة الجسد، وإنما أيضًا على محاولة ترميم ما خلفته الحرب في ذاكرته ونفسيته.
فالطفل الذي نجا من الموت تحت الأنقاض لم تكن جراحه جسدية فحسب.
وفي حوار مع الأناضول، تقول جدته حنان عبد العال إن حفيدها مر بفترة نفسية شديدة القسوة، وكان يطرح سؤالًا يفوق عمره الصغير: "ماذا فعلتُ حتى أفقد ساقيّ؟"
سؤال يلخص مأساة طفل وجد نفسه يدفع ثمن حرب لم يخترها، وفقد في لحظات القدرة على السير وأفرادًا من أسرته وجزءًا من ذاكرته.
وبحسب جدته، أدت الصدمة التي عاشها مؤمن إلى اضطرابات في ذاكرته، حتى أصبح لا يتذكر من أسرته سوى شقيقه التوأم محمد، الذي يسأل عنه باستمرار، ويريد في كل مرة الاطمئنان عليه.
** الجدة تصبح أما
وفي مفارقة إنسانية مؤلمة، بات مؤمن يعتقد أن جدته لأمه، التي ترافقه في تركيا وترعاه منذ وصوله، هي والدته، فأصبح يناديها: "أمي"، كونه لا يتذكر والديه.
وتحمل الجدة اليوم مسؤولية رعاية حفيدها بعيدًا عن بقية أسرته التي بقيت في فلسطين، فتحاول أن تمنحه ما تستطيع من شعور بالأمان، وأن تعوضه عن بعض ما سلبته منه الحرب.
وتروي الجدة أن القصف وقع في الثاني من ديسمبر/ كانون الأول 2023، وأن مؤمن ظل نحو ست ساعات تحت الأنقاض، قبل إنقاذه ونقله إلى المستشفى.
وتقول إن ساقيه بُترتا بعد ذلك، وإن العملية الأولى لم تُجرَ بالشكل المطلوب، بحسب وصفها، وإنه احتاج لاحقًا إلى مزيد من العمليات في مصر ثم تركيا.
** إلى مقاعد الدراسة
وفي أنقرة، لا تقتصر حياة مؤمن اليوم على المستشفيات وغرف العمليات، فبعد انتهاء مرحلة طويلة من علاجه، استقر مع جدته في منطقة "كتشي أورن"، وبدأ يرتاد المدرسة، محاولًا استعادة جانب من طفولة سلبها منه القصف.
يستخدم مؤمن كرسيًا متحركًا كهربائيًا في تنقلاته، ويذهب صباحًا إلى مدرسته مثل بقية الأطفال، ثم يتوجه عقب انتهاء الدروس إلى جمعية "يدي إقليم" للثقافة والفنون والتعليم والعلوم والتكافل.
هناك، يتلقى دروسًا في القرآن الكريم ويشارك في أنشطة تعليمية واجتماعية تساعده على الاندماج في محيطه الجديد.
وتقول جدته إن حالته النفسية تحسنت بصورة ملحوظة.
وبينما ترك القصف الإسرائيلي في جسده آثارًا لن تزول، وجد الطفل في تركيا من يرافقه في رحلة تضميد جراحه وإعادة بناء تفاصيل حياته اليومية، من العلاج والعمليات الجراحية إلى المدرسة والتعليم والأنشطة الاجتماعية.
وتعرب الجدة عن امتنانها للرئيس التركي رجب طيب أردوغان وللشعب التركي على الدعم الذي تلقاه مؤمن منذ وصوله، آملة أن يستطيع حفيدها، رغم كل ما جرى له، أن يعيش يومًا حياة طبيعية.
** الطائرات والسباحة
ورغم قسوة ما عاشه، لا يزال داخل مؤمن طفل يحب الأشياء التي يحبها أقرانه.
تقول جدته إنه يحب السباحة والطائرات والرسم، ويحرص على أداء واجباته المدرسية، وتصفه بأنه طفل ذكي وقوي.
وبين المدرسة والرسم ودروس القرآن، يحاول مؤمن اليوم كتابة فصل جديد من حياته، بعيدًا عن أصوات القصف والأنقاض التي طبعت سنواته الأولى.
لكن شقيقه التوأم محمد لا يغيب عن ذاكرته، إذ يواصل السؤال عنه باستمرار، وتقول جدته إنه الوحيد من أفراد أسرته الذي لا يزال يتذكره.
** أطفال أنهكتهم الحروب
ومؤمن ليس الطفل الوحيد الذي تحاول مؤسسات تركية مساعدته على تجاوز آثار الحرب، إذ يقول رئيس جمعية "يدي إقليم" كمال أوزايدن إن الجمعية تقدم الدعم للأطفال المتضررين من النزاعات، وتعمل على توفير احتياجاتهم من التعليم والغذاء والملابس والقرطاسية.
وأوضح للأناضول أن الجمعية ترعى حاليًا 101 طفلًا، بينهم أطفال قدموا إلى تركيا بسبب الحروب في سوريا والعراق، إضافة إلى أطفال من غزة وصلوا منذ عام 2023.
وبحسب أوزايدن، فقد بعض هؤلاء الأطفال أفرادًا من أسرهم، بينما يعاني آخرون مشكلات تتعلق بالوثائق والأوراق الرسمية، إلى جانب التداعيات النفسية والاجتماعية للحرب والنزوح.
وتنظم الجمعية برامج تعليمية واجتماعية للأطفال وأسرهم بهدف مساعدتهم على الاندماج في المجتمع وتنمية قدراتهم، بالتوازي مع جهود مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني التركية في رعاية المتضررين.
ويشدد أوزايدن على أهمية تعزيز وعي المجتمع بمعاناة الأطفال الذين دفعتهم الحروب إلى مغادرة أوطانهم، وبالظروف الاستثنائية التي تواجهها أسرهم.
إقرأ المزيد


