إسبانيا تختبر توازنتها السياسية
جريدة الرياض -

تجاوزت أزمة السكن في إسبانيا حدود الضغوط الاقتصادية التي تواجه الأسر والشباب، لتتحول إلى قضية اجتماعية وسياسية تضغط على حكومة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، وتعيد فتح النقاش حول قدرة السياسات الحكومية على توفير أحد الاحتياجات الأساسية للمواطنين. وجاء رفض البرلمان الإسباني مشروعي قانونين طرحتهما الحكومة لاحتواء ارتفاع الإيجارات وحماية المستأجرين الأكثر هشاشة، ليمنح الاحتجاجات المتصاعدة زخماً إضافياً، ويكشف حجم الخلاف بين القوى السياسية حول معالجة أزمة باتت تمس الاستقرار المعيشي لشريحة واسعة من السكان.

وشهدت مدريد ومدن إسبانية أخرى تظاهرات واسعة شارك فيها مستأجرون وشباب وعائلات متضررة من ارتفاع تكاليف السكن، في تحرك تجاوز المطالب الفردية إلى الدعوة لتغيير السياسات المتبعة في سوق العقارات. وقدّر المنظمون عدد المشاركين في تظاهرة مدريد بمئات الآلاف، بينما وضعت السلطات تقديرات أقل بكثير، في مؤشر إلى اتساع التعبئة الشعبية حول قضية لم تعد تقتصر على الفئات منخفضة الدخل، بل امتدت إلى العاملين الذين يجدون صعوبة متزايدة في تحمل تكاليف السكن رغم حصولهم على وظائف ودخول منتظمة.

ويعكس هذا الحراك اتساع الفجوة بين الأجور وأسعار العقارات والإيجارات، خصوصاً في المدن الكبرى التي تتركز فيها فرص العمل والخدمات والجامعات والأنشطة الاقتصادية. فبالنسبة إلى أعداد متزايدة من الإسبان، لم يعد الحصول على شقة مستقلة قراراً يرتبط بالتخطيط المالي وحده، بل أصبح تحدياً قد يفرض تأجيل الزواج وتكوين الأسرة، أو الانتقال إلى مناطق بعيدة عن أماكن العمل، أو مشاركة المسكن مع آخرين لفترات أطول مما كان معتاداً.

وتكشف أزمة السكن عن مفارقة اقتصادية واجتماعية؛ إذ يمكن أن تتوسع الأنشطة السياحية والاستثمارية، وتزداد جاذبية المدن أمام الزوار والمستثمرين، بينما يجد المقيمون أنفسهم عاجزين عن تحمل تكاليف الإقامة في الأحياء التي نشأوا فيها. وفي هذه الحالة، لا يقاس أثر الأزمة بارتفاع الأسعار فقط، بل بقدرتها على تغيير أنماط الحياة وتوزيع السكان داخل المدن، وإضعاف شعور الأفراد بالاستقرار والانتماء إلى محيطهم الاجتماعي.

واقعة مسنّة تكشف عمق الأزمة

اكتسبت الاحتجاجات زخماً واسعاً عقب قضية ماريكارمن أباسكال، وهي مستأجرة مسنّة اضطرت إلى مغادرة شقة في مدريد أمضت فيها نحو سبعة عقود، بعدما انتقلت ملكية العقار إلى ملاك جدد وارتفع الإيجار المطلوب منها بنسبة بلغت نحو 275 في المئة، وفق المعلومات التي رافقت القضية. وأثارت الواقعة موجة غضب، بعدما اختزلت في حالة واحدة المخاوف التي يعيشها مستأجرون يخشون فقدان مساكنهم نتيجة ارتفاع الأسعار أو تغير ملكية العقارات أو انتهاء عقود الإيجار.

ولم تكن القضية مجرد نزاع بين مستأجرة ومالكي عقار، بل تحولت إلى رمز للصراع حول طبيعة السكن وحدود التعامل معه بوصفه أصلاً استثمارياً. فالمسكن بالنسبة إلى المقيم طويل الأجل ليس سلعة قابلة للاستبدال بسهولة؛ إذ ترتبط به شبكة من العلاقات الاجتماعية والخدمات القريبة والذكريات الشخصية، وقد يؤدي فقدانه إلى اقتلاع صاحبه من بيئة اعتاد عليها طوال سنوات.

وأفضى الغضب الذي أثارته القضية إلى التوصل إلى اتفاق يسمح لأباسكال بالعودة إلى الشقة مقابل إيجار منخفض، وفق ما أوردته التقارير عن الواقعة. غير أن التسوية الفردية لم تنه الاحتجاجات، بل عززت مطالب المحتجين بإيجاد ضمانات عامة تحول دون تعرض مستأجرين آخرين لظروف مشابهة. فالمطلوب، في نظر المشاركين، ليس حل مشكلة أسرة واحدة بعد تحولها إلى قضية رأي عام، وإنما وضع قواعد أكثر استقراراً تحمي المستأجرين وتحد من الزيادات التي تتجاوز قدرتهم المالية.

وتكتسب الواقعة تأثيراً إضافياً بسبب عمر المستأجرة وطول فترة إقامتها في المنزل، إذ سلطت الضوء على هشاشة الفئات التي قد لا تملك القدرة على الانتقال أو البحث عن بدائل مناسبة، ولا سيما كبار السن وأصحاب الدخول المحدودة. كما أعادت إلى الواجهة سؤالاً يتعلق بمدى كفاية الحماية القانونية المتاحة للمستأجرين عندما تتغير ظروف ملكية العقار أو ترتفع قيمته السوقية بصورة حادة.

الإيجارات تلتهم دخول الشباب

توضح شهادات المشاركين في الاحتجاجات حجم الضغط الذي يواجهه الشباب في مدريد. فقد أشار ماركوس ساينز، البالغ 26 عاماً ويعمل أمين مكتبة، إلى أنه كان يستأجر مع أصدقاء شقة من غرفتي نوم مقابل 900 يورو شهرياً، بينما أصبح إيجار شقة من غرفة نوم واحدة يبلغ نحو ألف يورو، أي ما يعادل نصف متوسط الراتب الشهري في العاصمة وفق ما نقلته وكالة فرانس برس عنه.

وتكشف هذه المقارنة عن اتساع الفجوة بين تكلفة السكن ومستوى الدخل، إذ بات تقليص المساحة أو مشاركة المسكن من الحلول التي يلجأ إليها الشباب لتخفيف الأعباء، دون أن يضمن ذلك بالضرورة القدرة على الادخار أو الاستقلال المعيشي. وعندما يستحوذ الإيجار على حصة كبيرة من الدخل، تتراجع الأموال المتاحة لتغطية الغذاء والنقل والرعاية الصحية والأنشطة الاجتماعية، كما تتضاءل فرص تكوين مدخرات تساعد على شراء منزل مستقبلاً.

ولا تقتصر المشكلة على أصحاب الأجور المنخفضة؛ فحتى العاملون في قطاعات مستقرة قد يجدون أنفسهم أمام معادلة صعبة، خصوصاً إذا تركزت وظائفهم في مدريد أو برشلونة أو غيرهما من المراكز الحضرية مرتفعة التكلفة. ويؤدي ذلك إلى اتساع الاعتماد على الأسر، وتأخر انتقال الشباب إلى مساكن مستقلة، وزيادة الطلب على الغرف المشتركة والوحدات الصغيرة.

وقال خافيير، البالغ 31 عاماً ويعمل في تركيب الألواح الشمسية، إن نصف راتبه يذهب إلى استئجار غرفة صغيرة، مطالباً بسكن لائق واستقرار وظروف تسمح ببناء حياة مستقرة. وتعكس شهادته أن الأزمة لم تعد مرتبطة بامتلاك منزل فحسب، بل تشمل القدرة على الحصول على مسكن مناسب من حيث المساحة والجودة والموقع، من دون أن يستنزف الجزء الأكبر من الدخل.

وتحمل هذه الضغوط تبعات اجتماعية بعيدة المدى، إذ يمكن أن تؤثر في قرارات الزواج والإنجاب، وتحد من انتقال العمالة إلى المدن التي تحتاج إليها، وتزيد الفوارق بين من يمتلكون عقارات ارتفعت قيمتها ومن يعتمدون على دخلهم الوظيفي لتغطية الإيجار. كما تثير تساؤلات حول عدالة توزيع ثمار النمو الاقتصادي، عندما لا ينعكس تحسن النشاط الاقتصادي بالضرورة على قدرة المواطنين على تلبية احتياجاتهم الأساسية.

أزمة ممتدة تتجاوز الاحتجاجات الراهنة

لم تنشأ أزمة السكن الإسبانية خلال الأيام الأخيرة، بل تراكمت عبر سنوات بفعل مجموعة من العوامل المتداخلة، تشمل ارتفاع الطلب على المساكن في المدن الجاذبة للعمل والسياحة، ومحدودية المعروض المتاح بأسعار مناسبة، وتفاوت تطور البناء بين المناطق، إلى جانب الضغوط الاستثمارية على سوق العقارات.

وتشير البيانات التي أوردها موقع «إيدياليستا» العقاري، وفق المادة الأصلية، إلى أن متوسط الإيجارات في إسبانيا اقترب من التضاعف خلال العقد الماضي، في حين ارتفعت أسعار المنازل بنحو 90 في المئة. وتعكس هذه الزيادات تغيراً كبيراً في تكلفة الوصول إلى السكن، خصوصاً بالنسبة إلى الأسر التي لم ترتفع دخولها بالوتيرة نفسها.

وتؤدي طبيعة التوزيع الجغرافي للوظائف دوراً مهماً في تفاقم المشكلة؛ إذ يتجه السكان إلى المدن التي توفر فرصاً مهنية وتعليمية وخدمات متقدمة، ما يزيد الطلب على المساكن في مناطق محددة. وعندما لا يواكب المعروض هذا الطلب، ترتفع الأسعار ويضطر المستأجرون إلى البحث عن بدائل أبعد عن مراكز العمل، وهو ما يضيف تكاليف النقل والوقت إلى الأعباء اليومية.

كما يطرح النشاط السياحي المتنامي في بعض المدن الإسبانية تحدياً إضافياً، عندما تتحول وحدات سكنية من الإيجار طويل الأجل إلى الإقامة السياحية قصيرة الأجل. ففي المناطق التي تشهد طلباً سياحياً مرتفعاً، قد يجد بعض الملاك أن تأجير العقارات للزوار أكثر ربحية من تأجيرها للمقيمين، الأمر الذي يمكن أن يقلص المعروض السكني المتاح للسكان ويزيد المنافسة على الوحدات المتبقية.

ولا يعني ذلك أن السياحة وحدها تفسر الأزمة، أو أن جميع الوحدات السياحية كانت ستصبح مساكن دائمة لولا هذا النشاط، لكن تنظيم هذا السوق بات جزءاً من النقاش الأوسع حول كيفية التوفيق بين المصالح الاقتصادية واحتياجات السكان. وتواجه السلطات المحلية والوطنية مهمة موازنة إيرادات السياحة وفرص العمل المرتبطة بها مع ضرورة الحفاظ على أحياء قادرة على استيعاب سكانها الأصليين.

ويضاف إلى ذلك أثر سنوات من التقلبات الاقتصادية وتغيرات سوق العقارات، فضلاً عن صعوبة توسيع الإسكان الاجتماعي بالسرعة التي يتطلبها الطلب. فبناء وحدات جديدة يحتاج إلى أراضٍ وتراخيص وتمويل وبنية تحتية ووقت للتنفيذ، ولا تستطيع الإجراءات الطارئة وحدها تعويض النقص المتراكم في المساكن الملائمة، خصوصاً في المناطق التي تتركز فيها الوظائف والخدمات.

البرلمان يسقط مقترحات سانشيز

جاء رفض البرلمان مشروعي القانونين اللذين طرحتهما حكومة سانشيز ليضيف بعداً سياسياً إلى الأزمة. وكانت الإجراءات تستهدف تعزيز حماية المستأجرين، بما يشمل تجديد عقود الإيجار وتقييد إخلاء الفئات الأكثر هشاشة، ضمن مسعى لاحتواء الضغوط المعيشية والحد من التداعيات الاجتماعية لارتفاع الأسعار.

لكن المقترحات لم تحصل على التأييد اللازم، بعدما اجتمعت أصوات حزب الشعب المعارض وحزب فوكس اليميني المتطرف وحزب «يونتس» الانفصالي الكاتالوني ضدها. واكتسب موقف «يونتس» أهمية خاصة، لأن الحكومة تعتمد على دعم أحزاب متعددة لضمان تمرير تشريعاتها في برلمان لا تملك فيه أغلبية مريحة.

ويعكس هذا التصويت صعوبة إدارة الائتلافات البرلمانية في ظل تباين المصالح والمواقف بين القوى التي قد تتفق في ملفات معينة، لكنها تختلف في تفاصيل السياسات الاقتصادية والاجتماعية. فالحكومة تحتاج إلى حلفائها لتمرير مشاريعها، بينما يستطيع أي طرف يمتلك أصواتاً حاسمة استخدام هذا النفوذ لفرض تعديلات أو رفض مقترحات لا تتفق مع أولوياته.

وبرر «يونتس» رفضه بأن التدابير المطروحة لا تتسم بالصرامة المطلوبة، فيما ترى القوى المعارضة أن بعض القيود المفروضة على الملاك قد تزيد حالة عدم اليقين في السوق وتضعف الحوافز إلى عرض العقارات للإيجار. وتستند هذه الاعتراضات إلى تصور مفاده أن معالجة الأزمة تتطلب زيادة المعروض السكني وتشجيع الاستثمار في البناء والتأجير، لا الاكتفاء بتقييد الأسعار أو تمديد العقود.

في المقابل، يرى المدافعون عن حماية المستأجرين أن ترك السوق من دون ضمانات كافية قد يتيح استمرار الزيادات التي تتجاوز قدرة الأسر، ويجعل الحصول على مسكن مناسب مرتبطاً بالقدرة المالية أكثر من ارتباطه بالحاجة الفعلية. ومن هنا، يدور الخلاف حول كيفية تحقيق التوازن بين حقوق الملاك في إدارة ممتلكاتهم وحقوق المستأجرين في الاستقرار السكني، وكذلك حول الأدوات التي يمكن أن تحقق هذا التوازن من دون إحداث آثار عكسية.

ولا ينحصر أثر التصويت في سقوط مشروعين قانونيين، بل يمتد إلى قدرة الحكومة على إقناع الشارع بأنها قادرة على تحويل تعهداتها إلى نتائج ملموسة. فحين تتصاعد الاحتجاجات حول قضية يومية تمس ملايين الأشخاص، تصبح قدرة الحكومة على بناء توافق برلماني جزءاً من اختبارها السياسي، ويغدو إخفاقها في تمرير التدابير موضع مساءلة من خصومها ومن قطاعات من الجمهور الذي ينتظر حلولاً عملية.

بين حماية المستأجرين وزيادة المعروض

سبق للحكومة الإسبانية أن أقرت قانون الحق في السكن رقم 12 لعام 2023، الذي تضمن أدوات تستهدف تعزيز الإسكان الميسر، وتنظيم بعض جوانب سوق الإيجار، وإتاحة إجراءات للحد من الزيادات في المناطق التي تعاني ضغوطاً سكنية. كما أعلنت الحكومة لاحقاً عن برامج لدعم بناء المساكن المحمية وتوسيع المعروض، إلى جانب حوافز تستهدف تشجيع الملاك على توفير إيجارات مستقرة ومناسبة.



إقرأ المزيد