أذربيجان في الذكرى الخامسة والثلاثين لاستعادة استقلالها: مسيرة بناء الدولة وترسيخ السيادة وآفاق الشراكة مع المملكة العربية السعودية
جريدة الرياض -

في الثامن عشر من أكتوبر من كل عام، تحتفل جمهورية أذربيجان بيوم استعادة استقلالها، وهي مناسبة وطنية تحمل معاني تاريخية وسياسية عميقة في وجدان الشعب الأذربيجاني. وتكتسب هذه المناسبة في عام 2026 أهمية خاصة، إذ تصادف الذكرى الخامسة والثلاثين لاستعادة استقلال البلاد، بعد مسيرة حافلة بالتحديات والتحولات والإنجازات التي نقلت أذربيجان من دولة تواجه مخاطر الانقسام وعدم الاستقرار والانهيار الاقتصادي إلى دولة قوية ومستقرة، تمارس سيادتها الكاملة على أراضيها، وتؤدي دوراً متنامياً على الساحتين الإقليمية والدولية.

في الثامن عشر من أكتوبر عام 1991، اعتمدت أذربيجان القانون الدستوري بشأن استقلال الدولة، لتستعيد بذلك استقلالها الذي كانت قد أعلنته للمرة الأولى في الثامن والعشرين من مايو عام 1918، مع تأسيس جمهورية أذربيجان الديمقراطية، أول جمهورية ديمقراطية برلمانية في الشرق الإسلامي. ومن هنا، فإن وصف هذه المناسبة بـ«استعادة الاستقلال» يعكس الاستمرارية التاريخية للدولة الأذربيجانية الحديثة، التي تعد وريثة تلك الجمهورية التي أرست، رغم قصر عمرها، أسس الدولة الوطنية ومبادئ الحكم البرلماني.

ولم تكن استعادة الاستقلال في عام 1991 سوى بداية لمرحلة تاريخية شديدة التعقيد. فقد وجدت أذربيجان نفسها أمام تحديات متزامنة تمثلت في العدوان العسكري واحتلال أجزاء من أراضيها المعترف بها دولياً، والاضطرابات السياسية والمواجهات الداخلية، فضلاً عن أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة. وأدت تلك الظروف إلى تحول نحو مليون أذربيجاني إلى لاجئين ونازحين داخلياً، في وقت شهد فيه الاقتصاد تراجعاً حاداً في الإنتاج الصناعي، وارتفاعاً كبيراً في معدلات التضخم، وتدهوراً في مستويات المعيشة.

وفي ظل هذه الظروف، لم يكن التحدي مقتصراً على استعادة الاستقلال من الناحية القانونية والسياسية، بل تمثل أيضاً في الحفاظ عليه، وحماية الدولة من مخاطر التفكك، وبناء مؤسسات قادرة على ضمان استقرارها واستمرارها.

وشكل عام 1993 نقطة تحول حاسمة في تاريخ أذربيجان الحديث، مع عودة الزعيم الوطني للشعب الأذربيجاني حيدر علييف إلى السلطة. فقد دشنت قيادته مرحلة جديدة من بناء الدولة، اتسمت باستعادة الاستقرار السياسي، وتعزيز المؤسسات الوطنية، ووضع استراتيجية تنموية بعيدة المدى تقوم على توظيف الإمكانات الاقتصادية والطبيعية للبلاد لخدمة استقلالها وسيادتها.

كما أسهم اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في مايو 1994 في تهيئة ظروف أكثر ملاءمة للتركيز على الإصلاحات الاقتصادية وإعادة بناء مؤسسات الدولة. وبدأت أذربيجان تدريجياً الانتقال إلى اقتصاد السوق، وتحسين بيئتها الاستثمارية، وإقامة شراكات اقتصادية واسعة مع المجتمع الدولي.

وكان توقيع «عقد القرن» في العشرين من سبتمبر عام 1994 إحدى أبرز المحطات التي غيرت مسار الاقتصاد الأذربيجاني. فقد فتح هذا الاتفاق، الذي أبرم مع مجموعة من كبرى شركات الطاقة العالمية، آفاقاً واسعة أمام الاستثمارات الأجنبية، ووضع الأسس لتحول أذربيجان إلى شريك مهم في منظومة أمن الطاقة الإقليمية والدولية.

ومن الجدير بالإشارة، في هذا السياق، أن المملكة العربية السعودية كانت حاضرة في هذه المرحلة التاريخية من خلال مشاركة شركة «دلتا نيمير» في المشروع، وهو ما يمثل إحدى المحطات المبكرة للتعاون الاقتصادي بين البلدين، ويعكس عمق الروابط التي بدأت تتشكل بينهما منذ السنوات الأولى لاستعادة استقلال أذربيجان.

وقد تواصلت هذه المسيرة من خلال تطوير بنية تحتية استراتيجية للطاقة وتنويع مسارات التصدير، بدءاً بخطي أنابيب باكو–نوفوروسيسك وباكو–سوبسا، وصولاً إلى خط أنابيب النفط باكو–تبليسي–جيهان، ثم مشروعات الغاز الطبيعي الكبرى التي عززت ارتباط أذربيجان بالأسواق الإقليمية والأوروبية.

وبالتوازي مع هذه المشروعات، شهدت البلاد إصلاحات اقتصادية واسعة، أسهمت في استقرار الاقتصاد الكلي، وتوسيع دور القطاع الخاص، وتطوير البنية التحتية، وتحسين مستوى معيشة المواطنين. وقد واصل فخامة الرئيس إلهام علييف هذا النهج الاستراتيجي وطوره، مع إعطاء أهمية متزايدة لتنويع الاقتصاد والطاقة المتجددة والتحول الرقمي والنقل والخدمات اللوجستية وتنمية رأس المال البشري.

ولعل من أبرز الدلالات على حجم التحول الذي حققته أذربيجان خلال العقود الماضية أنها انتقلت من دولة كانت تحتاج إلى المساعدات الدولية في سنوات استقلالها الأولى إلى دولة مانحة تسهم في تقديم المساعدات الإنسانية والتنموية إلى بلدان وشعوب في مناطق مختلفة من العالم.

غير أن الإنجازات السياسية والاقتصادية التي تحققت لم تكن لتكتمل دون معالجة القضية الأكثر إيلاماً في التاريخ الحديث لأذربيجان، والمتمثلة في احتلال أراضيها وتهجير مئات الآلاف من مواطنيها من ديارهم.

وشكل عام 2020 منعطفاً تاريخياً في مسيرة الدولة الأذربيجانية وبذلك، دخلت أذربيجان مرحلة جديدة من تاريخها الحديث، حيث أصبحت، للمرة الأولى منذ استعادة استقلالها عام 1991، تمارس سيادتها على كامل أراضيها المعترف بها دولياً.

وتتمثل الأولوية الوطنية اليوم في ترسيخ السلام والاستقرار، وإعادة إعمار الأراضي المحررة، وضمان العودة الآمنة والمستدامة للنازحين السابقين إلى مدنهم وقراهم. وتشهد هذه المناطق تنفيذ مشروعات واسعة لإعادة بناء المدن والقرى، وإنشاء الطرق والمطارات والمدارس والمستشفيات وغيرها من مرافق البنية التحتية الحديثة، بما يعكس رؤية أذربيجان لتحويل مرحلة ما بعد النزاع إلى مرحلة للسلام والبناء والتنمية.

وفي الوقت نفسه، تواصل أذربيجان جهودها الرامية إلى إرساء سلام دائم في جنوب القوقاز، بما يفتح آفاقاً جديدة للتعاون الإقليمي والازدهار الاقتصادي وتحقيق الاستقرار طويل الأمد.

وفي خضم هذه المسيرة التاريخية، احتلت العلاقات مع المملكة العربية السعودية مكانة متميزة في السياسة الخارجية الأذربيجانية، انطلاقاً من روابط الصداقة والاحترام المتبادل والتضامن التي جمعت البلدين منذ الأيام الأولى لاستعادة الاستقلال.

وكانت المملكة العربية السعودية من أوائل الدول التي اعترفت باستقلال جمهورية أذربيجان، وذلك في الثلاثين من ديسمبر عام 1991، قبل أن يقيم البلدان علاقاتهما الدبلوماسية في الرابع والعشرين من فبراير عام 1992.

وقد حمل هذا الموقف السعودي المبكر أهمية سياسية ومعنوية كبيرة بالنسبة إلى أذربيجان، التي كانت آنذاك تمر بظروف استثنائية وتسعى إلى ترسيخ مكانتها دولة مستقلة ذات سيادة في المجتمع الدولي.

ومنذ ذلك الحين، تطورت العلاقات الأذربيجانية–السعودية على أسس راسخة من الثقة والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. وتقدر أذربيجان عالياً المواقف المبدئية التي اتخذتها المملكة دعماً لسيادتها وسلامة أراضيها، بما في ذلك في إطار منظمة التعاون الإسلامي، وترى في المملكة شريكاً مهماً وموثوقاً في العالمين العربي والإسلامي.

ولم تقتصر العلاقات بين البلدين على التعاون السياسي والدبلوماسي، بل امتدت تدريجياً إلى مجالات الاقتصاد والاستثمار والطاقة والتجارة والسياحة وغيرها من القطاعات، في ظل إرادة مشتركة للارتقاء بهذه العلاقات إلى مستويات أكثر تقدماً.

وتبرز في هذا السياق فرص واعدة لتعزيز الشراكة الاقتصادية والاستثمارية، ولا سيما في قطاعات الطاقة المتجددة والنقل والخدمات اللوجستية والتقنيات الرقمية والزراعة والسياحة. وتمثل استثمارات شركة «أكوا باور» السعودية في أذربيجان نموذجاً عملياً للإمكانات الكبيرة التي يمكن أن يوفرها التعاون بين البلدين في مجالات الطاقة النظيفة والتنمية المستدامة.

كما أن هناك تقارباً واضحاً بين الرؤى الاقتصادية والتنموية للبلدين. فالمملكة العربية السعودية تمضي قدماً في تنفيذ تحول اقتصادي وتنموي طموح في إطار رؤية السعودية 2030، فيما تواصل أذربيجان تنفيذ استراتيجيتها لتنويع الاقتصاد، والتوسع في الطاقة الخضراء، وتعزيز التحول الرقمي، وتطوير دورها بوصفها مركزاً إقليمياً للنقل والربط التجاري.

ويتيح الموقع الجغرافي الاستراتيجي لأذربيجان، ولا سيما دورها المحوري في الممر الأوسط الرابط بين آسيا وأوروبا، فرصاً إضافية لتعزيز التعاون مع المملكة. فشبكات الموانئ والسكك الحديدية والطرق والبنية التحتية اللوجستية الحديثة في أذربيجان يمكن أن تشكل منصة مهمة أمام الشركات والمستثمرين السعوديين للوصول إلى أسواق القوقاز وآسيا الوسطى والأسواق المتصلة بها.

ومن هذا المنطلق، فإن تطوير الشراكة الاقتصادية والاستثمارية بين أذربيجان والمملكة العربية السعودية يمثل هدفاً استراتيجياً مشتركاً، بما يضمن أن يواكب مستوى التعاون الاقتصادي ما وصلت إليه العلاقات السياسية من تميز وتفاهم وثقة متبادلة.

إن الذكرى الخامسة والثلاثين لاستعادة استقلال أذربيجان لا تمثل مجرد مناسبة لاستذكار أحداث الماضي، بل تشكل فرصة للتأمل في تجربة وطنية أثبتت قدرة الشعوب على تجاوز أصعب التحديات من خلال الإرادة والوحدة الوطنية والقيادة الحكيمة والرؤية الاستراتيجية الواضحة.

فخلال خمسة وثلاثين عاماً، تمكنت أذربيجان من الانتقال من مرحلة الاضطرابات السياسية والأزمات الاقتصادية والاحتلال إلى مرحلة الاستقرار والتنمية واستعادة السيادة الكاملة، وأصبحت اليوم دولة تسعى إلى ترسيخ مكانتها شريكاً دولياً موثوقاً، ومركزاً مهماً للطاقة والنقل والربط الإقليمي.

وتواصل أذربيجان، بقيادة فخامة الرئيس إلهام علييف، مسيرتها نحو المستقبل بثقة، واضعةً السلام الدائم والتنمية المستدامة وإعادة إعمار الأراضي المحررة وتعزيز رفاه المواطنين وتوسيع الشراكات الدولية في مقدمة أولوياتها.

وفي هذه المناسبة الوطنية العزيزة، نعرب عن بالغ تقديرنا وامتناننا لقيادة المملكة العربية السعودية وشعبها الشقيق على ما أبدوه تجاه أذربيجان من صداقة وتضامن ومواقف داعمة على امتداد العقود الماضية.

إن العلاقات التي تجمع أذربيجان والمملكة العربية السعودية تتجاوز حدود المصالح السياسية والاقتصادية، لتستند إلى روابط إنسانية وثقافية وقيم مشتركة، وإلى إرادة صادقة في بناء مستقبل أكثر ازدهاراً للبلدين والشعبين الصديقين.

ونحن على ثقة بأن المرحلة المقبلة ستشهد فصلاً جديداً وأكثر طموحاً في مسيرة الشراكة الأذربيجانية–السعودية، بما يخدم المصالح المشتركة، ويعزز التعاون بين البلدين، ويسهم في تحقيق السلام والاستقرار والتنمية على المستويين الإقليمي والدولي.

سفير جمهورية أذربيجان بالرياض*



إقرأ المزيد