الســعوديــة فــي قلــب التــضامن الــدولي
جريدة الرياض -

في لحظات التحديات الكبرى، تتجلى حقيقة العلاقات الدولية، وتظهر قيمة الشراكات التي تتجاوز المصالح العابرة إلى مواقف راسخة تستند إلى الأمن والاستقرار واحترام سيادة الدول. وفي أعقاب هجمات مليشيات الحوثي الإرهابية التي استهدفت مطار الملك خالد الدولي في الرياض، برزت موجة واسعة من المواقف الدولية المساندة للمملكة العربية السعودية، عكست رفضًا واضحًا لاستهداف المدنيين والمنشآت المدنية، وأكدت أن أمن المملكة ليس شأنًا محليًا فحسب، بل يمثل جزءًا أصيلًا من منظومة الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وتكشف التصريحات الصادرة عن عدد من الدول والمنظمات الدولية عن إدراك متزايد لخطورة التصعيد الذي تنتهجه المليشيات الحوثية، وما يمثله من تهديد مباشر لحياة المدنيين وسلامة البنية التحتية، فضلًا عن انعكاساته المحتملة على أمن المنطقة والملاحة الجوية والاقتصاد العالمي. فاستهداف المطارات والمنشآت المدنية لا يمكن تبريره تحت أي ذريعة سياسية أو عسكرية، بل يمثل اعتداءً على المبادئ الإنسانية والقواعد الدولية التي تحظر استهداف المدنيين والأعيان المدنية.

وقد عكست مواقف الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا وكندا وإيطاليا وإسبانيا وفرنسا حجم الرفض الدولي لهذه الاعتداءات. ففي المملكة المتحدة، أدان وزير الدفاع ويس ستريتينغ التصعيد الخطير، مؤكدًا الدعم الدفاعي للمملكة، فيما أدان وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول الإرهاب الموجّه ضد المملكة والطيران المدني، وأكد التضامن معها. كما أدان رئيس الوزراء الكندي مارك كارني الهجمات على البنية التحتية المدنية، وأكدت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني تضامن بلادها مع المملكة وأسر الضحايا، في حين أعادت وزارتا الخارجية الإسبانية والفرنسية تأكيد التضامن مع السعودية وإدانة الاعتداءات.

وفي الولايات المتحدة، أكد وزير الخارجية ماركو روبيو دعم بلاده للمملكة العربية السعودية وشعبها، فيما أشار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى أن واشنطن تدرس الانضمام إلى الضربات السعودية ضد الحوثيين عقب الهجوم على المطار. ويعكس ورود هذا الموقف في سياق التصريحات المنقولة حجم القلق من استمرار الاعتداءات وتداعياتها على أمن المنطقة.

ولم تقتصر المواقف المساندة على الدول الغربية؛ إذ امتدت إلى باكستان وماليزيا والهند واليابان وتركيا. فقد أدان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف الهجوم وأكد دعم سيادة المملكة، فيما رفض رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم أي مبررات لاستهداف المدنيين. ودعت وزارة الشؤون الخارجية الهندية إلى الوقف الفوري للهجمات على المدنيين، بينما أكدت السفارة اليابانية في المملكة أن استهداف المدنيين أمر لا يمكن التسامح معه. كما أدانت وزارة الخارجية التركية الهجمات على المطار وأكدت تضامنها الكامل مع السعودية.

وعلى المستوى الدولي، أدان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الهجوم، وطالب بإنهاء الاعتداءات على المدنيين. وحذرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين من خطورة التصعيد، مؤكدة تضامن الاتحاد الأوروبي مع المملكة، فيما أدانت الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس الهجوم، وأكدت التضامن الأوروبي. كما عززت مواقف مجلس التعاون لدول الخليج العربية ومنظمة التعاون الإسلامي هذا الاتجاه، بإدانة الاعتداءات والتأكيد على دعم أمن المملكة وسيادتها، والدعوة إلى اتخاذ إجراءات دولية حازمة لحماية استقرارها.

وفي سياق الدعوات إلى تجاوز الإدانة السياسية نحو التحرك العملي، دعا غونتر فيهلينغر-يان، رئيس اللجنة النمساوية لتوسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، الحلفاء إلى الوقوف إلى جانب المملكة العربية السعودية في هذه المرحلة، مؤكدًا ضرورة ترجمة التضامن الدولي إلى خطوات عملية تعزز قدرة المملكة على حماية أراضيها ومواطنيها. وشدد على أهمية تعزيز منظومات الدفاع الجوي والصاروخي، بما يسهم في التصدي للتهديدات وحماية المدنيين والمنشآت الحيوية، إلى جانب تأمين البحر الأحمر وضمان سلامة الملاحة الدولية ضد تهديدات جماعة الحوثي الارهابية.

وحذر فيهلينغر-يان من استمرار التهديد العسكري الذي تمثله ميليشيا الحوثيين الإرهابية، مشددًا على ضرورة مواجهته وعدم السماح للميليشيا بمواصلة زعزعة استقرار المنطقة باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة واستهداف حركة التجارة العالمية. وتعكس هذه الدعوة بُعدًا مهمًا في النقاش الدولي بشأن أمن المملكة، إذ تربط بين حماية الأراضي السعودية وصون أمن الممرات البحرية والتجارية التي تعتمد عليها حركة الاقتصاد العالمي، وتؤكد أن مواجهة التهديدات العابرة للحدود تتطلب تنسيقًا دوليًا يتجاوز حدود المواقف المعلنة.

وتتجاوز أهمية هذه المواقف حدود بيانات الإدانة والتضامن؛ فهي تؤكد أن استهداف المنشآت المدنية يضع مرتكبيه في مواجهة القواعد الدولية والقيم الإنسانية المشتركة، وتعزز الدعوات إلى تحرك دولي أكثر فاعلية لمنع تكرار الاعتداءات ومحاسبة المسؤولين عنها وفقًا للقانون الدولي. كما تبرز الحاجة إلى إجراءات دفاعية وأمنية منسقة تحول دون استمرار الهجمات، وتحمي المدنيين، وتحد من المخاطر التي تهدد الملاحة الدولية وسلاسل الإمداد والتجارة العالمية.

وفي المحصلة، يعكس التضامن الدولي مع المملكة العربية السعودية مكانتها المحورية وثقلها السياسي والاقتصادي، ودورها في دعم أمن المنطقة واستقرارها. كما يبعث برسالة واضحة مفادها أن أمن الدول وسيادتها ليسا مجالًا للمساومة، وأن حماية المدنيين مسؤولية دولية مشتركة، لا ينبغي أن تظل رهينة بيانات الإدانة دون إجراءات عملية تتناسب مع حجم التهديد.

وإذ تواصل المملكة أداء دورها في تعزيز الاستقرار ومواجهة التهديدات، فإن المواقف الدولية المساندة تمثل رصيدًا سياسيًا مهمًا ينبغي أن يُترجم إلى خطوات ملموسة تضمن وقف الاعتداءات، وتحمي المنشآت المدنية، وتعزز الدفاعات الجوية والصاروخية، وتصون أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية. فالتضامن الحقيقي لا يقف عند حدود الإدانة، بل يتجسد في موقف دولي منسق يحفظ الأمن، ويصون السيادة، ويؤكد أن الاعتداء على المدنيين مرفوض مهما كانت ذرائعه أو أهدافه.

عزام المشعل


إقرأ المزيد