جريدة الرياض - 10/9/2026 2:02:40 AM - GMT (+3 )
التكامل بين الأفرع وتوطين القدرات في العصر التكنولوجي
ما الذي تعنيه العمليات المشتركة؟
العمليات المشتركة هي استخدام قوات من فرعين أو أكثر، تحت قيادة موحدة، لتحقيق هدف استراتيجي مشترك. وتقوم على ثلاث ركائز: القيادة الموحدة، والتخطيط المتكامل، والتنفيذ المنسق. وفي العصر التكنولوجي، أضيفت ركيزة رابعة: التكامل المعلوماتي، أي القدرة على جمع البيانات ومعالجتها وتوزيعها في الزمن الحقيقي، بما يمنح القادة وعياً مشتركاً بساحة المعركة.
لكن التكامل بين الأفرع لا يكتمل إلا إذا كانت الأفرع نفسها تعمل بمنظومة تقنية موحدة. وهنا يظهر السؤال الحاسم: من يملك هذه المنظومة؟ إذا كانت أنظمة القيادة والسيطرة، والأقمار الاصطناعية، والرادارات، والصواريخ، والمسيّرات، كلها مستوردة، فإن التكامل يظل تكاملاً "مستعاراً"، قابلاً للتعطيل في أي لحظة بضغوط خارجية. ولهذا، أصبح التوطين ليس مجرد خيار اقتصادي، بل شرطاً لاستقلال العقيدة العسكرية ذاتها.
من العمليات المشتركة إلى العمليات متعددة المجالات
لم يعد مفهوم العمليات المشتركة كافياً لوصف واقع الصراع. فالحرب الحديثة تجري في فضاء متداخل تذوب فيه الحدود بين البر والبحر والجو والفضاء والفضاء السيبراني. ولهذا برز مفهوم "العمليات متعددة المجالات" الذي تتبناه الولايات المتحدة والصين وروسيا وحلف الناتو بصيغ مختلفة.
جوهر هذا المفهوم أن التفوق لا يتحقق بالتفوق في مجال واحد، بل بالقدرة على المزج بين المجالات في وقت واحد وبشكل متزامن. فمثلاً، يمكن أن تبدأ العملية بهجوم سيبراني يعطل أنظمة القيادة والسيطرة لدى الخصم، ثم تتبعه ضربة صاروخية دقيقة، ثم إنزال قوات خاصة، ثم حماية جوية، ثم عملية معلوماتية تؤثر على إدراك الخصم. وهنا يظهر مفهوم "التزامن" بدلاً من "التتابع"، وهو تحول جوهري في منطق الحرب.
وهذا التحول يفرض إعادة تعريف مفاهيم أساسية: ما معنى "الجبهة" عندما يكون الفضاء السيبراني مفتوحاً؟ وما معنى "العمق الاستراتيجي" عندما تصل الصواريخ الفرط صوتية إلى أي نقطة في دقائق؟ وما معنى "السيطرة" عندما تكون الشبكات معرضة للاختراق في أي لحظة؟
التكنولوجيا كمحرك للتكامل والتوطين معاً
التكنولوجيا هي المحرك الرئيسي للتكامل بين الأفرع، لكنها في الوقت ذاته هي التي تجعل التوطين ممكناً: الذكاء الاصطناعي: أصبح قادراً على تحليل كميات هائلة من البيانات وتقديم توصيات عملياتية للقادة، بل واتخاذ قرارات في بعض الحالات. وهذا يسرع دورة القرار العسكري ويجعل التكامل أكثر فعالية. لكن الذكاء الاصطناعي يعتمد على رقائق متقدمة وخوارزميات، وهذه ليست متاحة للجميع، مما يجعل توطينها مسألة سيادة. الحوسبة السحابية العسكرية: تتيح تبادل البيانات بين الأفرع في الزمن الحقيقي، لكنها تحتاج إلى بنية تحتية وطنية آمنة، وإلا تحولت إلى نقطة ضعف. الطائرات بدون طيار والمسيّرات: أصبحت أدوات متعددة الاستخدامات: استطلاع، وهجوم، وإمداد، وحرب إلكترونية. وتوطين صناعتها يسمح بالتحكم في سلاسل التوريد. الأقمار الاصطناعية: توفر تغطية عالمية للاتصالات والاستطلاع والملاحة، وهي العمود الفقري لأي عملية مشتركة. والدول التي لا تمتلك أقماره خاصة بها تظل رهينة لمزودي البيانات. الفضاء السيبراني: أصبح مجالاً قتالياً بحد ذاته، ويتطلب قدرات وطنية في الحماية والهجوم، لا مجرد شراء حلول جاهزة.
التكامل والتوطين شرطان للبقاء الاستراتيجي
لتحويل التكامل والتوطين من شعارات إلى واقع، تحتاج الدولة إلى: قيادة استراتيجية موحدة قادرة على فرض رؤية مشتركة، وتوزيع الموارد، وحل الخلافات بين الأفرع، وربط التخطيط العسكري بالتخطيط الصناعي. عقيدة مكتوبة مشتركة تحدد المبادئ والمفاهيم والمصطلحات الموحدة، وتدمج البعد الصناعي التكنولوجي في صميم العقيدة. استثمار في البحث والتطوير عبر جامعات ومراكز بحثية وشركات ناشئة، لأن التوطين لا يبدأ من المصنع بل من المختبر. تدريب مشترك مستمر على مستوى الوحدات الصغيرة والقيادات العليا، مع إشراك المهندسين والفنيين في المناورات. بنية تحتية تقنية موحدة من شبكات الاتصالات إلى أنظمة القيادة والسيطرة والذكاء الاصطناعي. ثقافة مؤسسية داعمة يتعلم فيها الضباط أن الولاء للدولة والمهمة، لا للفرع، وأن التوطين مسؤولية الجميع.
وفي في عالم تتشابك فيه التهديدات وتتعدد فيه مجالات الصراع، لم يعد التكامل بين الأفرع كافياً وحده، ولم يعد التوطين ترفاً اقتصادياً، بل أصبحا معاً شرطاً لبقاء العقيدة العسكرية حية وفعالة. فالدولة التي تنجح في بناء عقيدة مشتركة حقيقية، مدعومة بقاعدة صناعية تكنولوجية وطنية، هي التي تستطيع أن تصمد في صراعات طويلة، وأن تحتفظ بحرية قرارها، وأن تفرض شروطها في أي مواجهة.
أما الدول التي تظل أسيرة الانقسامات الفرعية والاعتماد على الاستيراد، فستجد نفسها عاجزة عن مواجهة خصوم يعملون بمنطق المنظومة لا بمنطق الفرع، وبمنطق الإنتاج لا بمنطق الشراء. وفي النهاية، فإن السؤال المركزي لكل عقيدة عسكرية حديثة هو: هل نستطيع أن ننتج ما نحتاجه، وأن ندمج ما ننتجه، وأن نستخدمه وفق إرادتنا؟
ركيزة استراتيجية ونماذج رائدة
التوطين لم يعد مجرد شعار اقتصادي، بل أصبح ركيزة استراتيجية في العقائد العسكرية الحديثة، للأسباب التالية:
الأمن الاستراتيجي: الدولة التي تعتمد على الاستيراد في أسلحتها الحساسة تجد نفسها عاجزة في لحظة الحصار أو قطع الإمداد. والتوطين يضمن استمرارية القدرة القتالية حتى في أسوأ السيناريوهات. حرية القرار: الدولة التي تنتج سلاحها تملك حرية تعديله وتطويره واستخدامه وفق مصالحها، دون قيود من المصدر. أما المستورد فيظل مقيداً بشروط المورد. الميزة الاقتصادية: الصناعة الدفاعية الوطنية تخلق فرص عمل، وتنقل التكنولوجيا، وتنشط قطاعات مساندة، وتقلل الإنفاق بالعملة الصعبة. الاستدامة: في الصراعات الطويلة، القدرة على الإنتاج الذاتي للذخيرة والصواريخ والمسيّرات قد تكون أهم من التفوق التكنولوجي. وقد كشفت الحرب الأوكرانية أن استهلاك الذخيرة يتجاوز أي تقدير، وأن الدول القادرة على الإنتاج المستمر هي التي تصمد.
نماذج رائدة في التكامل والتوطين
كة العربية السعودية تبني "رؤى توطين" للصناعة الدفاعية، عبر شراكات دولية وتوطين جزئي للتكنولوجيا، سعياً لتقليل الاعتماد على الاستيراد وبناء قاعدة صناعية وطنية.
الولايات المتحدة: بعد قانون غولدواتر-نيكولز عام 1986م، تحول الجيش الأمريكي إلى أنموذج عالمي في العمليات المشتركة، ثم طور مفهوم "العمليات متعددة المجالات". وفي التوطين، تقود الولايات المتحدة العالم في صناعة الطيران والرقائق والذكاء الاصطناعي، لكنها تواجه تحديات في سلاسل التوريد العالمية. الصين: أجرت إصلاحات واسعة منذ عام 2015م، حيث ألغت سبع مناطق عسكرية وحلت محلها خمس مناطق قيادة مشتركة. وفي التوطين، تبنت استراتيجية "الاعتماد على الذات" في التكنولوجيا، وضاعفت استثماراتها في أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والفضاء. الناتو: يقدم أنموذجاً للتكامل متعدد الجنسيات، لكنه يعاني من تفاوت القدرات الاقتصادية والتكنولوجية بين الأعضاء، مما يجعل التوطين مشروعاً أوروبياً جماعياً يتعثر أحياناً. تركيا: أنموذج صاعد في التوطين، إذ طورت صناعة مسيّرات وطنية غيرت موازين صراعات إقليمية، وأصبحت مصدراً لدول عدة، مما منحها نفوذاً استراتيجياً يتجاوز حجم اقتصادها.
إقرأ المزيد


