جريدة الرياض - 10/7/2026 2:30:40 AM - GMT (+3 )
في فجر الخامس من أكتوبر 2026، أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الدكتور رشاد محمد العليمي، انطلاق عملية «فجر اليمن» العسكرية الشاملة، بهدف «استعادة مؤسسات الدولة، وتحرير العاصمة صنعاء، وإنهاء انقلاب الميليشيات الحوثية الإرهابية».
جاء الإعلان في توقيت بالغ الحساسية، بعد أن بدأت ميليشيا الحوثي، خلال الأسابيع السابقة، بمحاولة توسيع رقعة سيطرتها على الساحل الغربي إلى مشارف مضيق باب المندب وصولاً لمدينة المخا وميناءها، وبلدة ذوباب، وجزيرة ميون في المضيق، في تصعيد غير مسبوق منذ سنوات، هدد بشكل مباشر أمن أحد أهم الممرات البحرية في العالم وخطوط التجارة الدولية.
في الساعات الأولى من العملية، فاجأت القوات الحكومية اليمنية، مدعومة بإسناد جوي نوعي من «تحالف دعم الشرعية في اليمن» بقيادة المملكة العربية السعودية، التحصينات الحوثية بهجوم واسع ومنسق من عدة محاور، محققة اختراقات ميدانية كبرى أعادت رسم موازين القوى في جنوب البحر الأحمر، ومهدت لمرحلة جديدة عنوانها الحسم العسكري.
من «عاصفة الحزم» إلى «فجر اليمن»
لا يمكن فهم عملية «فجر اليمن» بمعزل عن سياقها التاريخي الممتد منذ 2014، حين سيطرت ميليشيا الحوثي على العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر 2014، ثم توسعت لاحقاً في معظم محافظات الشمال اليمني، قبل أن تتجه نحو المحافظات الجنوبية، في انقلاب دموي على الشرعية الدستورية.
استجابة لطلب الرئيس عبد ربه منصور هادي، ودعمًا لقرار مجلس الأمن رقم 2216، أطلقت المملكة العربية السعودية في 26 مارس 2015 عملية «عاصفة الحزم» بمشاركة عشر دول، تبعتها في 21 أبريل من العام ذاته عملية «إعادة الأمل» التي جمعت بين الشق العسكري وحماية المدنيين ودعم العملية السياسية. وعلى مدى أكثر من عقد، أثمرت جهود التحالف عن استعادة المحافظات الجنوبية (عدن، لحج، الضالع، أبين، شبوة، حضرموت)، وتحرير مدينة مأرب، وتثبيت سلطة الشرعية في معظم الجغرافيا اليمنية.
غير أن حالة «لا سلم ولا حرب» التي ميّزت السنوات الأخيرة، إلى جانب خروقات الحوثي المتكررة لوقف إطلاق النار، واستهدافه للسفن التجارية في البحر الأحمر، ومحاولاته فرض واقع جديد على الأرض، وضعت الشرعية والتحالف أمام خيارين: إما القبول بحكم أمر واقع، أو الانتقال إلى مرحلة الحسم. وكان «فجر اليمن» هو الخيار الذي طال انتظاره.
عملية شاملة لا عملية محدودة
أكد الرئيس العليمي أن العملية «ماضية وفق الخطط المعتمدة حتى استعادة مؤسسات الدولة وتحرير صنعاء»، فيما شدد وزير الإعلام معمر الإرياني على أن «فجر اليمن» ليست عملية مرتبطة بمحور واحد أو هدف ميداني محدود، بل هي «معركة استعادة الدولة ومؤسساتها وسيادتها». وأوضح رئيس هيئة الأركان الفريق الركن صغير بن عزيز أن العملية «مستمرة ولن تتوقف حتى تطهير كل شبر من أراضي الجمهورية».
تستهدف العملية، وفق البيانات الرسمية، ضرب القدرات العسكرية الحوثية، وتحرير العاصمة صنعاء، وإعادة بسط سلطة الدولة على كامل التراب الوطني، مع الالتزام بالقانون الدولي الإنساني وصون كرامة المحتجزين والجرحى، وعدم السماح بأي أعمال انتقامية.
اليوم الأول: انهيارات حوثية وتساقط «دويلة» المضيق
مع ساعات الفجر الأولى، بدأت «100 طائرة مقاتلة» تابعة لتحالف دعم الشرعية عملياتها الجوية، معلنة تدمير «324 هدفاً عالي القيمة» في ضربة واحدة، شملت مخازن أسلحة، ومراكز قيادة وسيطرة، ومنصات إطلاق صواريخ باليستية ومسيّرات، وتجمعات وتحشيدات قتالية، وخطوط إمداد، وفقاً لما أعلنه المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف اللواء الركن تركي المالكي.
على الأرض، أطلقت القوات المشتركة (ألوية العمالقة ودرع الوطن والمقاومة التهامية والمقاومة الشعبية) هجوماً واسعاً بغطاء جوي مكثف، بدأت من مديرية ذوباب المطلة على باب المندب، ونجحت في:
السيطرة الكاملة على مضيق باب المندب ومطار ذوباب العسكري وجبال كهبوب ومعسكر العمري التاريخي.
تحرير جزيرة ميون (بريم) الاستراتيجية، التي تتحكم بأحد أهم الممرات الملاحية في العالم.
استعادة مدينة المخا ومينائها الاستراتيجي، التي كانت خسرتها الشرعية مطلع سبتمبر الماضي.
قطع الطريق الرئيسي بين ذوباب والمخا، وفرض حصار كامل على عناصر الحوثي في القطاع، مع أسر العشرات، وفرار آخرين عبر البحر، حيث أفاد المتحدث باسم القوات المشتركة في الساحل الغربي العقيد وضاح الدبيش بغرق نحو 25 عنصراً حوثياً أثناء محاولتهم الفرار.
في حصيلة اليوم الأول، أعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ «1122 عملية استهداف دقيقة» في محاور صعدة والجوف وتعز والساحل، أسفرت عن «تحييد 1747 عنصراً من المليشيات، وتدمير وإعطاب 364 آلية ومعدة عسكرية».
اليوم الثاني: التوسع في الجبهات والتمهيد لمعركة صنعاء
مع حلول السادس من أكتوبر، توسعت رقعة العمليات لتشمل ست جبهات رئيسية على الأقل:
جبهة تعز: انتقلت قوات محور تعز، مسنودة بالمقاومة الشعبية، من مرحلة الدفاع إلى الهجوم في خمس جبهات (الأقروض، الأربعين، جبل حبشي، المسراخ، الشمايتين)، معلنةً مقتل وإصابة نحو 250 عنصراً حوثياً، وإسقاط خمس طائرات مسيّرة، وتدمير دبابات وآليات. كما تم تحرير مواقع استراتيجية في مديرية حيفان، بينها جبال المنظرة والأشاريف وذيبان.
جبهة مأرب: أطلقت القوات المسلحة عملية «واسعة من عدة محاور» في الجبهتين الجنوبية والشمالية الغربية، وحررت معسكر «أم ريش» الاستراتيجي، إضافة إلى الفليحة وقرون البور، حيث قتل العشرات من الحوثيين.
جبهة الجوف: حررت القوات مدينة اليتمة، بالتزامن مع تقدمها نحو الملاحيظ في صعدة.
جبهة حجة: بدأت عملياتها الهجومية بالتزامن مع الساحل الغربي.
الجبهة البحرية: نفذت القوات البحرية للتحالف عملية نوعية في محافظة الحديدة، دمرت خلالها «مخازن أسلحة ومستودعات زوارق مفخخة وألغاماً بحرية»، قالت إنها «إحباط لمخطط هجمات وشيكة تستهدف الممرات المائية جنوب البحر الأحمر».
العاصمة صنعاء: أعلن الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة العقيد ماجد النزيلي بدء تنفيذ «هجوم استراتيجي على صنعاء» باستخدام «قدرات حديثة»، في وقت دمر فيه التحالف منصة إطلاق صواريخ باليستية في العاصمة، ومخزناً للصواريخ في موقع جبلي بمحافظة صعدة.
إسناد استراتيجي يتجاوز الغطاء الجوي
لم يكن الدور السعودي في «فجر اليمن» مقتصراً على المشاركة الجوية، بل امتد إلى أبعاد لوجستية واستخباراتية وتدريبية.
وأشاد الرئيس العليمي بالدعم السعودي، مؤكداً أنه «لا يقتصر على مساندة استعادة مؤسسات الدولة، بل يمتد إلى تعزيز صمود المؤسسات الوطنية ودعم الاقتصاد والتخفيف من المعاناة الإنسانية».
التراجع الحوثي والتفاعلات الإقليمية والدولية
أعلن القيادي الحوثي محمد البخيتي استعداد الجماعة «لوقف إطلاق النار في جميع الجبهات والدخول في حوار سياسي»، وهي إشارة تُقرأ في سياق تراجع ميداني.
دولياً، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في اول تعليق على عمليات فجر اليمن العمليات ضد الحوثيين ستمضي بشكل جيد.
كما أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن ما يحدث «هجوم مضاد لاستعادة الأراضي التي سيطر عليها الحوثيون»، مشدداً على أن «الحكومة اليمنية والسعودية لن تقبلا بتحكم الحوثي في باب المندب.
السيناريوهات المستقبلية
تتجه العملية، بحسب المعطيات الميدانية، نحو ثلاثة سيناريوهات محتملة
السيناريو الأول (الحسم العسكري الكامل) استكمال تحرير صنعاء، وتفكيك البنية العسكرية للحوثيين، والشروع في مرحلة إعادة الإعمار وبناء الدولة. وهو السيناريو الذي تعمل القيادة الشرعية والتحالف على تحقيقه، ويبدو الأكثر ترجيحاً في ضوء الزخم الميداني الراهن، وتراجع قدرات المليشيا في الساحل الغربي، وانهيار معنويات مقاتليها، وانتقال المبادرة الاستراتيجية بالكامل إلى قوات الشرعية.
السيناريو الثاني (المفاوضات تحت الضغط) انتقال إلى طاولة المفاوضات بعد استنزاف القدرات الحوثية بما يكفي لفرض تسوية سياسية بشروط الدولة، تضمن سلاماً مستداماً يحفظ وحدة اليمن وأراضيه، ويُخرج الملف من دائرة المواجهة العسكرية المفتوحة، مع تقديم ضمانات إقليمية ودولية لاستمرار الهدنة.
السيناريو الثالث (التصعيد الإقليمي المحدود) توسّع رقعة المواجهة، سواء من خلال هجمات صاروخية أو بالطائرات المسيّرة، أو من خلال محاولات إيران وكلائها في الإقليم فتح جبهات جديدة، في محاولة للضغط على التحالف. وهو سيناريو تعمل الأطراف الإقليمية والدولية، بما فيها واشنطن، على تفاديه، لكنه يبقى ممكناً ما لم يُحسم الموقف الميداني بسرعة.
قراءة في دلالات التوقيت والتسمية
تحمل تسمية العملية «فجر اليمن» دلالات رمزية وسياسية عميقة، فهي مرتبطة بمسمى «عاصفة الحزم» الذي ارتبط لدى الرأي العام العربي بمرحلة استعادة الدولة في 2015، إلى استعادتها الكاملة في 2026. كما أن اختيار توقيت الإعلان، الذي تزامن مع الذكرى الحادية عشرة لعاصفة الحزم تقريباً، يحمل رسالة واضحة بأن السعودية وحلفاءها عازمون على ختم ملف الانقلاب، لا مجرد إدارته.فضلاً عن ذلك، فإن تتابع الانهيارات الميدانية في صفوف الحوثيين، خلال الساعات الأولى للعملية، يذكّر بهزائمهم الكبرى في معارك الساحل الغربي عام 2017، حين حررت مدينة المخا لأول مرة، وهو ما اعتبرته مصادر عسكرية «تكراراً لسيناريو هزيمتهم الأولى» في تأكيد على أن المليشيا لم تستوعب دروس الماضي.
نحو يمن جديد
تُعيد عملية «فجر اليمن» رسم ملامح الصراع اليمني، وتنقله من مرحلة الاستنزاف إلى مرحلة الحسم. وهي، كما وصفها وزير الإعلام اليمني، «معركة استعادة الدولة» بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لا مجرد عملية عسكرية محدودة. لكن نجاحها، في نهاية المطاف، سيتوقف على ثلاثة عوامل:
1.إدارة المرحلة الانتقالية سياسياً
2.ضمان وحدة الصف الداخلي
3.تحصين المكتسبات الميدانية من خلال بناء دولة مؤسسات وقانون، وليس مجرد انتصار عسكري.
إن «فجر اليمن»، كما قال العليمي، «لا تستهدف مدينة أو مذهباً أو سكاناً، وإنما تستهدف استعادة الدولة ومؤسساتها وإنهاء الانقلاب»، وهي رسالة سياسية بقدر ما هي رسالة عسكرية، تحمل في طياتها بذور يمن جديد، يمن ما بعد الحوثي.
إقرأ المزيد


