الاعتداء على المسجد النبوي يكشف بعداً لا يمكن تجاهله
جريدة الرياض -

لم يكن استهداف محطة "طيبة" لتوزيع الكهرباء في المدينة المنورة حادثاً أمنياً عابراً في سجل الهجمات الحوثية، ولا مجرد ضربة أخرى بطائرة مسيّرة يمكن وضعها في سياق الهجمات التي شهدتها مناطق مختلفة من المملكة. فالموقع الذي تعرض للهجوم يقع في مدينة تحمل مكانة استثنائية في قلوب المسلمين، والمنشأة المستهدفة منشأة مدنية تقدم خدمات كهربائية للمدينة وللمسجد النبوي الشريف.

الهجوم وقع في الساعات الأولى من صباح 29 سبتمبر، عند الساعة 5:11، بحسب ما أورده متحدث قوات التحالف، اللواء الركن تركي المالكي. ولم تعلن الجهة المسؤولة مباشرة في أعقاب الحادث، بل انتظرت الجهات المختصة حتى استكمال التحقيق والاستدلال ومراجعة المعطيات العملياتية والفنية، قبل أن يعلن التحالف أن ميليشيا الحوثي هي التي خططت للهجوم ونفذته. واستند الإعلان، وفق المتحدث، إلى مراجعة عملياتية وفحص حطام الطائرة المسيّرة المستخدمة في الهجوم.

هذه النقطة تحمل دلالة مهمة في قراءة الحادث. فالانتقال من وقوع الضربة إلى تحديد المسؤولية لم يكن مبنياً على التقدير أو على تبني رواية سياسية سريعة، وإنما جاء بعد فحص الأدلة المتاحة. استغرق الأمر قرابة يومين قبل إعلان النتيجة، وهو ما يجعل عنصر الإثبات جزءاً رئيسياً من الرواية الرسمية للهجوم. وبحسب بيان المتحدث، تسبب الهجوم في خروج محول محطة كهربائي عن الخدمة، من دون أن يتأثر النظام الكهربائي العام في المدينة. وهذه النتيجة لا تقلل من خطورة الاستهداف، بل تكشف في الوقت نفسه عن قدرة منظومة الخدمات السعودية على احتواء الضرر والحفاظ على استمرارية الخدمة.

والمسألة الأهم ليست في حجم الضرر المادي وحده، وإنما في طبيعة المكان الذي اختير هدفاً. فالمنشأة ليست موقعاً عسكرياً، ولا قاعدة إطلاق، ولا منشأة تستخدم في عمليات قتالية. إنها محطة كهربائية مدنية ترتبط بخدمة زوار المدينة المنورة، ويقدم جزء من خدماتها الكهربائية للمسجد النبوي الشريف.

استهداف المقدسات

منذ سنوات، استخدمت ميليشيا الحوثي الإرهابية، الصواريخ والطائرات المسيّرة في استهداف الأراضي السعودية، وطالت الهجمات مدناً ومنشآت اقتصادية ومطارات ومواقع مدنية. وفي هذا السياق، ظل استهداف البنية التحتية المدنية أحد أكثر الملفات إثارة للقلق، نظراً إلى ما يمكن أن تسببه مثل هذه الهجمات من مخاطر على السكان والخدمات الأساسية.

مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليست مجرد منطقة جغرافية داخل المملكة، بل إحدى المدن التي تشكل مركزاً خاصاً لوجدان المسلمين في مختلف أنحاء العالم. وفيها المسجد النبوي الشريف، والتي تستقبل ملايين الزوار سنوياً.

لهذا فإن استهداف منشأة كهربائية تقدم خدمات للمدينة وللمسجد النبوي يفتح باباً أوسع للنقاش حول طبيعة الأهداف التي باتت المليشيا الحوثية تضعها في نطاق عملياتها.

لذا ، وصف متحدث التحالف اللواء المالكي ، الهجوم بأنه اعتداء على منشأة مدنية، وربطه بسياق محاولات سابقة لاستهداف مكة المكرمة والمدينة المنورة، مؤكداً استمرار الإجراءات الرادعة لحماية الحرمين الشريفين وسلامة زوارهما.

وهنا تظهر المسألة الأكثر حساسية: إذا كان استهداف منشأة مدنية في أي مدينة يمثل تهديداً للسكان والبنية التحتية، فإن استهداف منشأة تقع ضمن منظومة الخدمات المرتبطة بالمسجد النبوي يضيف إلى الاعتداء بعداً دينياً ورمزياً لا يمكن تجاهله.

فالمسيّرة التي ضربت محطة كهربائية في المدينة لم تكن أمام هدف عسكري معلن، وإنما وصلت إلى منشأة مدنية في مدينة ذات حرمة ومكانة راسخة لدى المسلمين.

لماذا انتظر التحالف قبل إعلان المسؤولية

في الحروب الحديثة، لا يكفي أن تصل طائرة مسيّرة إلى هدف حتى يمكن الجزم بالجهة التي أطلقتها. فالمسار، ونوع السلاح، ومكونات الطائرة، ومكان الإطلاق، وطبيعة الحطام، والبيانات التشغيلية، كلها عناصر تدخل في عملية تحديد المسؤولية.

وهذا ما يفسر أهمية إعلان التحالف أن تحديد مسؤولية مليشياالحوثيين جاء بعد التحقيق، ومراجعة البيانات العملياتية، وفحص حطام المسيّرة.

وتكتسب هذه الجزئية أهمية خاصة في ظل حرب إعلامية موازية للحرب العسكرية. فالطرف المنفذ يستطيع أن ينفي، لكن الإثبات الفني يظل أكثر قدرة على تثبيت الرواية عندما تتوافر أدلته.

وتاريخ التعامل مع هجمات الحوثيين يظهر أن الأدلة الفنية كانت حاضرة في بيانات سابقة للتحالف، خصوصاً في ما يتعلق بمكونات الصواريخ والطائرات المسيّرة. وكان المتحدث الرسمي للتحالف قد عرض في مناسبات سابقة بقايا صواريخ ومكونات قال إنها أثبتت ارتباطها بالصناعة الإيرانية، في إطار اتهامات بتزويد الحوثيين بالسلاح والتقنيات.

ولا يعني ذلك أن كل حادثة متطابقة مع أخرى، لكن القاسم المشترك هو أن الحرب على الصواريخ والمسيّرات أصبحت في جانب منها حرباً على الأدلة أيضاً.

العلاقة الإيرانية.. من السلاح إلى التقنية

يصعب تناول القدرات الصاروخية والمسيّرة لدى مليشياالحوثيين من دون التوقف عند ملف الدعم الإيراني الذي ظل حاضراً في بيانات التحالف وتقارير دولية سابقة.

وفي بيانات كثيرة سابقة قال متحدث التحالف إن الصواريخ التي أطلقها الحوثيون على المملكة كانت ذات منشأ إيراني، وعرض التحالف في فترات سابقة أجزاء من صواريخ قال إنها تثبت الارتباط بالصناعة الإيرانية.

كما وثقت تقارير أممية سابقة مؤشرات على وصول مكونات مرتبطة بالأسلحة والطائرات المسيّرة إلى الحوثيين من إيران أو عبر مسارات مرتبطة بها. المهم هنا ليس فقط السؤال عن مصدر السلاح، وإنما عن انتقال الخبرة،فالقدرة على تشغيل المسيّرة، وتحديد الهدف، وبرمجة المسار، واختيار التوقيت، والحفاظ على القدرة التشغيلية، تحتاج إلى أكثر من مجرد امتلاك قطعة سلاح.

استهداف المقدسات.. الرسالة الأخطر

تتجاوز دلالة استهداف المدينة المنورة البعد العسكري المباشر.

مكة المكرمة والمدينة المنورة ليستا مجرد مدينتين سعوديتين. مكانتهما الدينية تتجاوز حدود المملكة، ولذلك فإن أي تهديد يطالهما يكتسب تلقائياً صدى إسلامياً واسعاً.

ومن هنا جاء وصف متحدث التحالف للهجوم على محطة طيبة بأنه استمرار لمحاولات استهداف الحرمين الشريفين، ومحاولة لإثارة مشاعر ملايين المسلمين حول العالم.

وفي الخطاب الحوثي، كثيراً ما حضرت مفردات الدين والقدس ونصرة المسلمين. لكن استهداف المدينة المنورة يضع هذا الخطاب أمام اختبار مختلف: ماذا يعني رفع شعارات الدفاع عن قضايا المسلمين بينما تصل الهجمات إلى مدينة تضم الحرم النبوي الشريف.

هذا التناقض هو الذي يجعل الحادثة ذات قيمة سياسية وإعلامية تتجاوز الأضرار المادية.

فالمشكلة ليست في أن الحوثيين استخدموا مسيّرة فقط، بل في أن المسار انتهى إلى مدينة تحمل في الذاكرة الإسلامية مكانة لا يمكن مقارنتها بأي موقع آخر.

المعركة لا تتوقف عند الاعتراض

في مواجهة الطائرات المسيّرة والصواريخ، لا تقاس كفاءة الدفاع بعدد الأهداف التي تم اعتراضها فقط.

هناك منظومة كاملة تبدأ بالرصد المبكر، ثم تحديد المسار، والتعرف على الهدف، واتخاذ القرار المناسب، وصولاً إلى الاعتراض، ثم التعامل مع الحطام والآثار التي يمكن أن تحمل معلومات استخبارية.

وفي حادثة محطة طيبة، كان لافتاً أن التحقيق اللاحق أصبح جزءاً من المعركة الأمنية، إذ جرى فحص بقايا المسيّرة ومراجعة العملية للوصول إلى هوية الجهة المنفذة.

البعد القانوني والإنساني

استهداف المنشآت المدنية يطرح سؤالاً يتعلق بقواعد القانون الدولي الإنساني.

فالمرافق المدنية لا تتحول إلى أهداف عسكرية لمجرد وقوعها في منطقة نزاع أو قرب منشآت أخرى، والقواعد المنظمة للنزاعات المسلحة تضع حماية المدنيين والأعيان المدنية في صلب الالتزامات المفترضة أثناء العمليات العسكرية.

وقد سبق للتحالف أن أكد في بياناته المتعلقة بالهجمات للمليشيا الحوثية أن استهداف المدنيين والمنشآت المدنية يمثل نمطاً متكرراً، وأن قواعد القانون الدولي الإنساني تحظر مثل هذه الأفعال.

وفي هذا السياق، لا يغير من طبيعة الهدف كونه محطة كهربائية؛ بل إن البنية التحتية التي تخدم السكان تصبح أكثر حساسية كلما ارتبطت بالخدمات الصحية أو المائية أو الكهربائية أو الدينية.

ولهذا فإن استهداف محطة طيبة يضع الهجوم ضمن دائرة أوسع من مجرد العمل العسكري، لأنه يستهدف منشأة مدنية تخدم سكان مدينة ويستخدم زوارها خدماتها، وتقدم خدمات مرتبطة بالمسجد النبوي الشريف.

احد قطع الطيارة المسيرة
من مكونات الطيارة المسيارة المستخدمة في الهجوم الأرهابي
المليشيا الارهابية الحوثية تستهدف احد المحولات الكهربائية في المدينة المنورة


إقرأ المزيد