جريدة الرياض - 9/17/2026 3:48:22 AM - GMT (+3 )
ليست كل الأهداف سواء، وليست كل الصراعات قابلة للقياس بالمعادلات العسكرية ذاتها. هناك أماكن تتجاوز قيمتها الجغرافيا، وتصبح حرمتها جزءاً من وجدان أمة بأكملها. ومكة المكرمة واحدة من هذه الأماكن؛ قبلة المسلمين، ومهوى أفئدتهم، ,التي تتجه إليها وجوههم في صلواتهم، ويقصدها ملايينهم كل عام طلباً للعبادة والأمان.
حين تقترب صواريخ ميليشيا الحوثي وطائراتها المسيرة من نطاق مكة المكرمة، فإن المشهد يتجاوز حدود المواجهة الطبيعية، ويتجاوز كذلك الحسابات التقليدية للحروب والأزمات. نحن أمام انتقال خطير للصراع من استهداف الدولة ومصالحها إلى تهديد فضاء مقدس يفترض أن يبقى بعيد عن الحسابات العسكرية والسياسية.
هنا لا يعود السؤال: ما الهدف الذي أرادت الميليشيا إصابته؟ بل يصبح السؤال الأهم، كيف وصلت جماعة مسلحة إلى مرحلة ترى فيها المقدسات ضمن المجال الذي يمكن أن تطاله أسلحتها؟
ورقة ضغط في نزاع إقليمي
مكة ليست منشأة استراتيجية يمكن إدراجها في بنك الأهداف، ولا مدينة عادية يمكن أن تتحول إلى ورقة ضغط في نزاع إقليمي. مكانتها الدينية تجعل تهديدها اعتداءً يتجاوز الدولة التي تقع فيها إلى المسلمين الذين ترتبط عقيدتهم بها.
ولهذا فإن إدخال منطقة مكة المكرمة في دائرة التهديد يمثل تطوراً نوعياً في سلوك الميليشيا الحوثية المدعومة من ايران. فالخطر هنا لا يُقاس فقط باحتمال إصابة هدف أو سقوط ضحايا، وإنما بمحاولة كسر الحاجز الذي ظل يفصل بين الصراع المسلح وبين حرمة الأماكن المقدسة.
المشكلة أن الجماعات المسلحة حين تعتاد نقل أدوات الحرب من جبهة إلى أخرى، تبدأ الحدود الأخلاقية للصراع في التآكل. وما كان مستبعداً يصبح ممكناً، وما كان محرماً يصبح قابلاً للنقاش. لذلك فإن التعامل مع تهديد مكة المكرمة باعتباره حادثاً عسكرياً عابراً يبعث برسالة خاطئة إلى كل من يراهن على توسيع نطاق الفوضى.
سقوط الخطاب الديني
لطالما حاول الحوثيون تقديم أنفسهم في خطابهم السياسي باعتبارهم طرفاً يدافع عن قضايا الإسلام، واستثمروا القدس وفلسطين في بناء سرديتهم السياسية. لكن الشعارات تفقد قيمتها عندما تصطدم بالفعل.
فمن الصعب إقناع الرأي العام الإسلامي بأن جماعة تحمل مشروعاً لحماية المقدسات يمكن أن توجه سلاحها نحو قبلة المسلمين أو تهدد جوارها. ولا يمكن الجمع بين خطاب يرفع راية الدفاع عن الإسلام وسلوك يضع الحرم الشريف في نطاق الخطر.
المفارقة هنا ليست إعلامية فحسب، وإنما سياسية وفكرية. فهي تكشف كيف يمكن توظيف الدين في الخطاب التعبوي، بينما يجري التعامل مع حرمته بصورة انتقائية عندما تتعارض مع مقتضيات المشروع العسكري.
مكة المكرمة ، هي الاختبار الأكثر وضوحاً لهذا التناقض؛ لأنها لا تسمح بمساحة واسعة للمراوغة. من يحترم المقدسات يحميها من الحرب، ولا يجعلها جزءاً من أدوات الضغط.
وسبق أن شهدت المنطقة اعتداءات طالت مكة المكرمة والمدينة المنورة من أذرع مرتبطة بالمشروع الإيراني، وهو ما يجعل التطورات الأخيرة جزءاً من مسار أوسع في استخدام الجماعات المسلحة لأدوات بعيدة المدى في محيط المملكة.
هذه الحقيقة تستوجب قراءة مختلفة للخطر الحوثي. القضية لم تعد مرتبطة بقدرة الميليشيا على مهاجمة أهداف داخل اليمن أو على الحدود، بل بقدرتها على امتلاك وسائل عسكرية تمنحها مجالاً واسعاً للتهديد خارج مسرحها الأصلي.
المملكة.. حماية المقدسات ومنع ابتزازها
تتعامل المملكة مع أمن الحرمين الشريفين باعتباره مسؤولية لا تحتمل التساهل. ولذلك فإن منظومتها الدفاعية والأمنية تمثل الحاجز الأول أمام أي محاولة لجر المقدسات إلى دائرة الصراع.
االسعودية ،لا تحمي حدودها فقط عندما تتصدى للصواريخ والمسيرات، بل تؤمن بيئة آمنة لملايين الحجاج والمعتمرين والزوار. هذه المسؤولية تفسر طبيعة الرد السعودي الصارم على أي تهديد يقترب من مكة أو المدينة.
الردع في هذه الحالة ليس استعراضاً للقوة، وإنما ضرورة لمنع تحويل المقدسات إلى أدوات ابتزاز. فكلما أدركت الميليشيات أن استهداف المناطق المقدسة لن يمنحها مكاسب سياسية، وأن محاولاتها ستواجه بمنظومة دفاعية قادرة على إحباطها، تراجعت فرص نجاح هذا النوع من المغامرات.
دعم الميليشيا و توسيع نطاق الخطر
التطور الكبير في قدرات الحوثيين الصاروخية والمسيرة لا يمكن فصله عن شبكة الدعم والخبرة والتقنية التي حصلت عليها الميليشيا. وهنا يظهر البعد الإيراني في المعادلة بوصفه عاملاً رئيسياً في نقل الجماعة من قوة محلية إلى طرف قادر على تهديد أهداف بعيدة عن ميدان الصراع اليمني.
المشكلة لا تكمن في السلاح الموجود اليوم فقط، بل في إمكانية تطويره غداً. فالصواريخ والطائرات المسيرة التي تتمتع بمدى أطول ودقة أكبر تمنح الجماعات المسلحة قدرة على فرض معادلات تتجاوز حجمها الحقيقي.
لهذا فإن مسؤولية مواجهة الخطر لا تقع على الدولة المستهدفة وحدها. هناك مسؤولية مباشرة على الأطراف التي تمد الميليشيا بالتقنيات والمكونات والخبرات، ومسؤولية دولية في منع استمرار شبكات التسليح التي تجعل التصعيد ممكناً.
الصاروخ ليس بداية القصة
كل صاروخ يصل إلى السماء يمثل نهاية سلسلة طويلة بدأت قبل لحظة إطلاقه بكثير. هناك تمويل، وتهريب، ومكونات، وتقنيات، وخبرات، وشبكات تعمل خلف المشهد.
ومعالجة التهديد بعد الإطلاق تحمي الأرواح، لكنها لا تنهي مصدر الخطر. لذلك فإن المواجهة الأكثر فاعلية تبدأ من تفكيك البيئة التي تنتج الصواريخ والطائرات المسيرة، وقطع قنوات تمويلها، وتعطيل طرق نقل التكنولوجيا والمكونات العسكرية.
وهنا المجتمع الدولي مطالب هنا بالانتقال من سياسة إدانة الهجمات بعد وقوعها إلى سياسة تمنع إنتاج القدرة التي تجعل الهجمات ممكنة.
استمرار امتلاك الميليشيا للصواريخ الباليستية والمسيرات بعيدة المدى يعني استمرار احتمال استخدامها ضد مدن ومنشآت جديدة. وكل تأخير في معالجة مصادر هذه القدرة يرفع كلفة التهديد مستقبلاً.
اليمن.. أصل الأزمة ومسار الحل
لا يمكن أن يكون الحل النهائي في استمرار بناء قوة عسكرية موازية للدولة اليمنية. وجود ميليشيا تمتلك السلاح الثقيل والصواريخ والطائرات المسيرة، وتملك قرار استخدام القوة داخل اليمن وخارجه، يمثل عائقاً أمام أي تسوية سياسية مستقرة.
الحل المستدام يبدأ باستعادة الدولة اليمنية لاحتكار السلاح والقرار الأمني والعسكري، وإنهاء حالة تعدد مراكز القوة التي تسمح لجماعة واحدة بفرض أجندتها على الداخل وتهديد الخارج.
أما استمرار التعامل مع الحوثيين باعتبارهم مجرد طرف سياسي، مع تجاهل البنية العسكرية التي يمتلكونها، فلن يؤدي إلى سلام مستقر. السياسة تحتاج إلى طرف يستطيع الالتزام بتعهداته، والدولة هي الإطار الوحيد القادر على توفير هذا الالتزام.
موقف إسلامي لا يحتمل الالتباس
تهديد مكة المكرمة والمدينة يستحق موقفاً إسلامياً يتجاوز البيانات التقليدية. يمكن للدول أن تختلف في ملفات السياسة والتحالفات والمصالح، لكنها تستطيع أن تتفق على قاعدة لا خلاف عليها: المقدسات ليست جزءاً من الحرب.
أمن الحرمين الشريفين مسؤولية تتولاها المملكة، لكن مكانتهما تخص المسلمين جميعاً. لذلك فإن أي تهديد لهما يستدعي موقفاً واضحاً من العالم الإسلامي، لا دفاعاً عن طرف سياسي، وإنما دفاعاً عن حرمة لا ينبغي أن تكون موضع مساومة.
السكوت على إدخال المقدسات في دائرة الصراع يخلق سابقة خطيرة. أما الموقف الجماعي الواضح فيغلق الباب أمام محاولة تحويل مكة والمدينة إلى أوراق في صراعات النفوذ الإقليمي.
عندما تسقط الأقنعة
تكشف التطورات الحوثية الأخيرة شيئاً أبعد من مجرد تصعيد عسكري. إنها تكشف حدود المشروع الذي يستخدم الخطاب الديني غطاءً سياسياً، ثم لا يتردد في الاقتراب بالسلاح من المكان الأكثر قدسية في الإسلام.
لذلك مكة المكرمة، هنا ليست مجرد جغرافيا مهددة، وإنما اختبار للمشروع كله.
الذي يرفع راية الدين مطالب بأن يحمي حرماته قبل أن يتحدث باسمها. والذي يزعم الدفاع عن قضايا المسلمين لا يمكن أن يهدد قبلة المسلمين. والذي يستخدم القدس عنواناً سياسياً لا يستطيع أن يتجاهل حرمة مكة عندما تصبح في مرمى أدواته العسكرية.
لقد وضعت الصواريخ الحوثية هذا التناقض أمام الرأي العام بلا أقنعة.
مكة أكبر من الحرب
ستظل مكة المكرمة خارج حسابات الحرب مهما حاولت الميليشيات توسيع جغرافيا الصراع. وستظل حماية الحرمين الشريفين مسؤولية سعودية راسخة، لا تخضع للمساومة ولا تتأثر بتقلبات المشهد الإقليمي.
لكن حماية المقدسات لا ينبغي أن تبدأ بعد إطلاق الصاروخ، بل قبل ذلك بكثير؛ من حيث يبدأ السلاح، ومن حيث يُمول، ومن حيث تصنع تقنيته، ومن حيث تمر مكوناته، ومن حيث تُبنى القدرة التي تسمح بتهديد المدن الآمنة،وهذا هو الاختبار الحقيقي للمجتمع الدولي.
أما الرسالة الأوضح التي يفرضها المشهد فهي أن مكة المكرمة ليست هدفاً، والمدينة ليست ورقة، والمقدسات ليست ساحة لتصفية الحسابات. ومن يحاول إدخالها في حربه إنما يكشف، قبل أي شيء آخر، أنه تجاوز حدود الصراع إلى منطقة لا يمكن أن تقبلها أمة كاملة.
فالصاروخ قد يُسقط في السماء، لكن حماية حرمة مكة تتطلب إسقاط الفكرة التي دفعت إلى إطلاقه من الأساس.
إقرأ المزيد


