سكاي نيوز عربية - 9/15/2026 8:08:39 AM - GMT (+3 )
التحذير الأشد جاء على لسان القائم بأعمال المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي كارل سكاو، عقب زيارة إلى السودان استمرت 8 أيام وشملت الخرطوم والأبيض والفاشر وطويلة.
ومن قلب المناطق المنكوبة، خلص سكاو إلى أن السودان لا يزال يمثل أكبر أزمة جوع ونزوح في العالم، لكنه لا يحظى بالاهتمام أو التمويل اللذين يتناسبان مع حجم الكارثة.
وبحسب الإحاطة الرسمية لبرنامج الأغذية العالمي، يعاني نحو 20 مليون شخص الجوع الحاد، بينهم 5 ملايين بلغوا مستوى الطوارئ، فيما يواجه نحو 200 ألف شخص ظروفاً كارثية ترتبط بانهيار القدرة على الحصول على الغذاء وخطر التجويع.
تمويل يتراجع وجوع يتسع
أصبح برنامج الأغذية العالمي أمام معادلة قاسية: الاحتياجات تتزايد، لكن الأموال المتاحة تتراجع بصورة حادة. فقد انخفض تمويل عملياته في السودان من نحو 645 مليون دولار خلال العام الماضي إلى قرابة 206 ملايين دولار هذا العام، بينما يحتاج إلى نحو 300 مليون دولار إضافية للمحافظة على المستوى الحالي من الاستجابة.
وحتى هذا المستوى لا يغطي سوى جزء من الاحتياجات؛ فالبرنامج يصل شهرياً إلى ما بين 4 و5 ملايين شخص فقط من أصل نحو 20 مليوناً يعانون الجوع الحاد.
ويعيش ما بين مليونين ومليونين ونصف المليون من المستفيدين في مناطق يصعب الوصول إليها بسبب القتال وانقسام مناطق السيطرة والقيود الأمنية والإدارية.
وحذر سكاو من أن البرنامج قد يضطر إلى تقليص عملياته بصورة أكبر خلال الأسابيع المقبلة إذا لم يقدم المانحون تمويلاً عاجلاً، مؤكداً أن المشكلة لم تعد نقص القدرة التشغيلية، بل عجز المنظمة عن استخدام إمكاناتها ووجودها الميداني بسبب نقص المال.
ويعني أي خفض جديد أن البرنامج سيواجه خياراً بين تقليل عدد المستفيدين أو تقليص الحصص الغذائية أكثر، في بلد يحصل فيه بعض النازحين بالفعل على نصف احتياجاتهم فقط.
نصف حصة لقرابة مليون شخص
تقدم طويلة في شمال دارفور النموذج الأكثر وضوحاً لحجم الفجوة. فالمنطقة تحولت خلال أشهر إلى تجمع سكاني ضخم يقترب عدد الموجودين فيه من مليون شخص، بعد وصول نحو 250 ألف نازح جديد منذ زيارة سكاو السابقة في أبريل.
ويصل برنامج الأغذية العالمي إلى نحو 950 ألف شخص في طويلة كل شهر، لكنه لا يقدم لهم سوى نصف الحصة الغذائية، أي كمية يفترض أن تكفي لنحو أسبوعين فقط.
وعلى الأسر أن تدبر غذاء النصف المتبقي من الشهر في منطقة تفتقر إلى فرص العمل والأسواق المستقرة والخدمات الأساسية.
ووصف سكاو طويلة بأنها امتداد لا ينتهي تقريباً من المساكن المصنوعة من القش، تقيم داخله أسر فقدت منازلها وأقاربها ومواردها.
وتشكل النساء المعيلات نسبة كبيرة من هذه الأسر بعد مقتل الأزواج والأبناء أو فقدانهم خلال الحرب.
ولا تتوقف الأزمة عند الغذاء؛ فالتجمع الهائل يفتقر إلى ما يكفي من المدارس والمرافق الصحية والمياه والمأوى. ومع استمرار تدفق النازحين، يصبح تحسين الخدمات أبطأ من سرعة نمو الاحتياجات.
ويواجه السكان سؤالاً وصفه سكاو بأنه بات يتردد في دارفور: إذا ضرب الجفاف الزراعة، وأدت تخفيضات التمويل إلى توقف مساعدات برنامج الأغذية، فكيف يمكن للناس البقاء على قيد الحياة؟
الفاشر.. مدينة مدمرة تنتظر الطعام
في الفاشر، وجد سكاو مدينة فقدت معظم سكانها ومظاهر حياتها. فالمدينة التي كانت موطناً لنحو مليون شخص لم يبق فيها، وفق تقديره، سوى عشرات الآلاف، وسط أحياء محترقة ومنازل اخترقتها الرصاصات وسيارات مدمرة وغياب شبه كامل للأسواق والنشاط الاقتصادي.
وقال إن أكبر تجمع للسكان شاهده داخل الفاشر كان حول نقطة توزيع تابعة لبرنامج الأغذية العالمي. ويصل البرنامج حالياً إلى نحو 20 ألف شخص في المدينة، في وقت تكاد فيه تلك المساعدات تمثل المصدر الإنساني الوحيد المتاح لمن بقوا هناك.
وبعض العائدين لم يرجعوا لأن الفاشر أصبحت صالحة للحياة، بل لأنهم لم يجدوا في أماكن نزوحهم غذاءً أو مأوى. وعندما وصلوا، وجد كثير منهم منازلهم مدمرة، فاضطروا إلى الإقامة في مبانٍ مهجورة لا يملكونها.
وعلى الطريق بين الفاشر وطويلة، استعاد المسؤول الأممي رحلة النزوح التي قطعها نحو 700 ألف شخص خلال أقل من عام، وسط انتهاكات ومخاطر واجهت الفارين من المدينة والمخيمات المحيطة بها.
6 ساعات تتحول إلى 3 أيام
تكشف رحلة سكاو نفسها لماذا أصبح إيصال الطعام إلى المحتاجين بالغ الصعوبة والكلفة. فالطريق بين الأبيض والفاشر، الذي كان يستغرق نحو ست ساعات بالسيارة قبل الحرب، احتاج إلى ثلاثة أيام.
واضطر الوفد إلى السفر من الخرطوم عبر أديس أبابا ونجامينا وأدري، ثم قطع رحلة برية استمرت نحو ثلاثين ساعة عبر جبل مرة للوصول إلى الفاشر، بسبب تعذر العبور المباشر بين خطوط القتال.
ولا يمثل ذلك مجرد تعقيد لوجستي؛ فإطالة مسار القافلة أو الوفد ترفع تكلفة كل طن من الغذاء، وتستهلك جزءاً أكبر من التمويل في النقل، وتؤخر وصول المساعدات إلى أشخاص قد لا يملكون مخزوناً يكفي أياماً.
ويتمكن البرنامج من إدخال الغذاء إلى دارفور عبر الكاميرون وتشاد، وإلى كردفان من بورتسودان والخرطوم، لكنه يواجه هجمات على القوافل وصعوبة الحصول على التصاريح وانعدام الضمانات الأمنية وتعطل الطرق.
ودعا سكاو إلى السماح بعبور المساعدات مباشرة بين خطوط القتال، وتوفير حماية أفضل للقوافل والعاملين الإنسانيين، وتوسيع خدمات النقل الجوي إلى الأبيض ودارفور. فغياب الطرق الآمنة يجعل وصول الغذاء أبطأ وأغلى وأقل انتظاماً.
الاختيار بين جائع وجائع
في الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان، تضاعف عدد السكان تقريباً بفعل النزوح، وتحولت المدينة إلى ملاذ للقادمين من مناطق مختلفة في كردفان. وتضم 8 مخيمات، إلى جانب أعداد كبيرة من النازحين المقيمين مع الأسر والمجتمعات المضيفة.
وشاهد سكاو نساء وصلن إلى المدينة بعد السير خمسة أيام، إثر تدمير قراهن ومنازلهن. لكن نقص التمويل أجبر البرنامج على إعطاء الأولوية للنازحين الجدد ووقف أو تقليص المساعدة عن أسر نزحت قبل ثلاثة أعوام.
ولا يعني طول فترة النزوح أن تلك الأسر أصبحت قادرة على إعالة نفسها؛ فكثير منها لا يستطيع العودة إلى مناطقه أو الحصول على عمل. لكن العجز المالي يفرض على العاملين في الإغاثة الاختيار بين أشخاص تتقارب مستويات حاجتهم إلى الغذاء.
وتحذر المنظمة من أن خسارة المساحة التشغيلية الحالية ستكون سهلة، بينما ستتطلب استعادتها لاحقاً وقتاً وموارد أكبر، حتى إذا عاد التمويل بعد إغلاق المواقع وتعطيل شبكات التوزيع.
الجفاف يهدد الحصاد الأخير
يتزامن انهيار التمويل مع موسم زراعي يواجه تهديداً بالغاً. وقال سكاو إن الجفاف كان القلق الأول الذي عبّر عنه السكان في دارفور، وإن المنطقة لم تشهد ظروفاً مماثلة منذ عام 1984، وفق إفادات المجتمعات التي التقاها.
ويهدد ضعف الأمطار المحاصيل والمراعي والثروة الحيوانية، ما قد يحرم السكان من الغذاء ومصدر الدخل في آن واحد. فبيع الماشية أو نفوقها وفشل المحاصيل يعنيان انهيار الأدوات الأخيرة التي تستخدمها الأسر لمقاومة الجوع.
كما تزيد اضطرابات الملاحة في باب المندب ومضيق هرمز كلفة الواردات والنقل عبر البحر الأحمر، بينما تعطل الحرب الأسواق والتجارة الداخلية. وهكذا تتجمع آثار القتال والجفاف والاضطرابات الإقليمية ونقص التمويل في أزمة واحدة.
مخزون الإغاثة ينفد
وفي موازاة أزمة الغذاء، أطلقت المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة إيمي بوب تحذيراً لا يقل خطورة، قائلة إن المنظومة الإنسانية في السودان قد تنهار خلال أسابيع.
وبحسب المنظمة الدولية للهجرة، قد ينفد مخزون مواد الإيواء ومستلزمات المياه والصرف الصحي والنظافة والاحتياجات المنزلية بنهاية سبتمبر، بينما لا تكفي الموارد التشغيلية المتاحة إلا حتى ديسمبر.
ولا يتعلق التحذير بمخازن منظمة واحدة؛ فالمنظمة تدير خط إمداد مشتركاً تعتمد عليه أكثر من مئة جهة إنسانية لتوصيل المواد إلى النازحين والمتضررين.
ومنذ يوليو 2023، ساعد هذا الخط نحو 2.84 مليون شخص. لكن عدد المستفيدين السنوي تراجع من قرابة مليون في 2024 إلى 804 آلاف في 2025، ثم إلى نحو 330 ألفاً فقط خلال العام الجاري، في وقت تستمر فيه موجات النزوح.
وتحتاج المنظمة إلى 15 مليون دولار للمحافظة على الحد الأدنى من عملياتها والوصول إلى نحو 305 آلاف شخص، و27 مليوناً لاستعادة مستوى الاستجابة المسجل في 2025 والوصول إلى 570 ألفاً، بينما يتطلب دعم مليون شخص توفير 42 مليون دولار.
وتقدر المنظمة عدد النازحين داخل السودان بنحو 8.6 مليون شخص، يقيم قرابة 70 بالمئة منهم مع مجتمعات مضيفة أو في تجمعات غير رسمية تفتقر إلى الخدمات. وإذا نفدت مواد الإيواء والصرف الصحي بالتزامن مع الأمطار والأوبئة، فقد تتحول أزمة المخزون سريعاً إلى زيادة في الأمراض والوفيات.
أسابيع تفصل الملايين عن الأسوأ
تتقاطع تحذيرات المنظمتين عند نتيجة واحدة: منظومة الإغاثة لا تواجه عجزاً في التوسع فحسب، بل أصبحت مهددة بفقدان ما تبقى من قدرتها الحالية.
فبرنامج الأغذية العالمي يقدم نصف حصة لما يقارب مليون شخص في طويلة، ويقلص مساعداته للنازحين القدامى في الأبيض لإعطاء الأولوية للواصلين حديثاً. وفي الوقت نفسه، تستعد المنظمة الدولية للهجرة لنفاد مخزون تعتمد عليه أكثر من مئة جهة إنسانية.
التمويل العاجل قادر على منع الانهيار القريب، لكنه لن ينهي الأزمة ما دامت الحرب مستمرة، والقوافل معرضة للهجوم، والعبور بين الجبهات معطلاً، والأسواق والزراعة والبنية الأساسية تتعرض للتدمير.
وبعدما شاهد الجوع والدمار مباشرة، اختصر كارل سكاو المطلوب في مسارين متلازمين: تحرك سياسي جاد لإنهاء الحرب، وتمويل فوري يمنع سحب الطعام من ملايين الأشخاص الذين لم يعد لديهم أي بديل. فالوقت هنا لا يُقاس بالشهور، بل بأسابيع قد تفصل بين بقاء استجابة إنسانية محدودة وانهيارها بالكامل.
إقرأ المزيد


