موقع سي ان ان بالعربية - 9/14/2026 1:00:17 PM - GMT (+3 )
تحليل بقلم جون ليو من CNN
(CNN) -- في عطلة نهاية الأسبوع الماضي، وبينما كان العالم يساوره القلق إزاء احتمال أن يقضي الذكاء الاصطناعي غير المقيّد على البشرية، طرح زعيما الولايات المتحدة والصين رؤيتيهما لهذه التقنية التي ستحدد ملامح العصر.
لقد جاءا من طرفي النقيض تقريباً.
متجاهلاً دعوات علماء الذكاء الاصطناعي والمديرين التنفيذيين من شركات "أنثروبيك" و"أوبن إيه آي" و"غوغل" لإبطاء عملية التطوير، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن الأهم هو الحفاظ على ريادة الولايات المتحدة في مواجهة الصين في سباق القوى العظمى المتصاعد في مجال الذكاء الاصطناعي.
وقال الرئيس الأمريكي السبت: "نحن نتفوق على الصين في مجال الذكاء الاصطناعي... وبصراحة، أريد أن يظل الوضع كذلك؛ لأن من يكسب في مجال الذكاء الاصطناعي هو من سيفوز".
دعا الزعيم الصيني شي جينبينغ، الأحد، بدوره إلى تعزيز التعاون الدولي. وقال في كلمة ألقاها في الهند أمام قادة دول "الجنوب العالمي" إن على الدول "تشجيع المصادر المفتوحة والانفتاح والتعاون وتبادل المعرفة"، مجدداً في الوقت ذاته مقترحه بإبرام اتفاقية عالمية لحوكمة الذكاء الاصطناعي، وإن كان لم يورد تفاصيل حول الشكل الذي قد يبدو عليه هذا الإطار.
ويُبرز التباين بين رسالتي ترامب وشي غياب التوافق وفجوة الثقة العميقة بين القوتين العظميين في سباقٍ محفوفٍ بمخاطر عالية للهيمنة على مجال الذكاء الاصطناعي.
ويبدو أن الولايات المتحدة تعمد بشكل متزايد إلى توظيف هيمنتها على هذا القطاع كسلاح، إذ تنظر إليه باعتباره أصلاً استراتيجياً ينبغي حمايته وتصديره إلى الدول الحليفة، في حين تطرح الصين- التي تتأخر في هذا السباق- نموذجاً أكثر انفتاحاً.
وسيكون الذكاء الاصطناعي حاضرًا بقوة في القمة المرتقبة بشدة بين ترامب وشي في واشنطن بعد أسبوعين. ففي اجتماعهما الذي عُقد في بكين خلال شهر مايو/أيار، ناقش الطرفان وضع ضوابط تنظيمية للذكاء الاصطناعي لكن دون تحقيق نتائج ملموسة تُذكر، كما أعلنت وزارة التجارة الصينية الأسبوع الماضي أن الزعيمين اتفقا على إطلاق حوار حكومي مشترك حول هذا الملف. ومع ذلك، ونظراً للمنافسة الجيوسياسية الأوسع نطاقاً بين البلدين، فإن توقعات الخبراء بشأن التوصل إلى أي اختراق جوهري تظل منخفضة.
ما مدى خطورة التهديد الذي تشكله الصين؟لطالما تخلف الذكاء الاصطناعي الصيني عن منافسيه الأمريكيين لسنوات. ويعود ذلك جزئياً إلى ضوابط التكنولوجيا الأمريكية التي تحد من وصول الشركات الصينية إلى معالجات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، والتي تُعدّ ضرورية لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي المتزايدة التعقيد.
لكن في العام الماضي، فاجأت شركة "ديب سيك" (DeepSeek) الصينية الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي القطاع العالمي بنموذجٍ اقترب أداؤه من أداء الأنظمة الأمريكية الرائدة، وذلك باستخدام موارد حوسبة -بحسب زعمها- أقل بكثير.
ومنذ ذلك الحين، تسارعت وتيرة تطوير مختبرات الذكاء الاصطناعي الصينية، إذ كشفت شركات Alibaba وZ.AI وMinimax ومؤخراً Moonshot عن نماذج مماثلة قادرة على تحدي هيمنة الشركات الأمريكية الرائدة مثل Anthropic وOpenAI.
ومع ذلك، وبالتوازي مع التطورات التي شهدتها النماذج الصينية، تصاعدت حدة الاتهامات الأمريكية بـ "الغش"؛ إذ زعمت واشنطن- وكذلك شركتا OpenAI وAnthropic- أن الشركات الصينية سرقت ملكية فكرية أمريكية من خلال تدريب نماذجها على مخرجات النماذج الأمريكية الرائدة، وهي عملية تُعرف في هذا المجال باسم "التقطير".
والأسبوع الماضي، زعمت وكالات فيدرالية أمريكية، بما في ذلك مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، ووكالة الأمن القومي، ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، أن شركات صينية متخصصة في الذكاء الاصطناعي تمارس سرقةً "على نطاق صناعي" من نظيراتها الأمريكية.
وفي تقرير مطوّل صدر الأسبوع الماضي، فصّلت شركة Anthropic أيضاً محاولاتٍ قامت بها "جهات خبيثة" -بما في ذلك جهات يُزعم ارتباطها بالحكومة الصينية- لإساءة استخدام أنظمتها بهدف تطوير أسلحة وممارسة المراقبة على أقليات مثل الإيغور في منطقة شينجيانغ.
وذكر التقرير مثالاً كشفت فيه شركة Anthropic عن معلومات حساسة تتعلق بمحاولات مراقبة صينية؛ إذ أُعيد توجيه استعلامات من مستخدم- يُعتقد أن له صلة بالجيش الصيني- كانت موجهة في الأصل إلى نموذج "كيمي" (Kimi) التابع لشركة "مونشوت" (Moonshot) نحو نموذج "كلود" (Claude)، مما كشف عن محاولة سرية لشركة "مونشوت" لتحويل طلبات المستخدمين إلى "كلود". وأضاف التقرير أن شركات صينية أخرى، مثل "ديب سيك" (DeepSeek)، مارست أيضاً هذا النوع من الإجراءات.
ورفضت بكين هذه الادعاءات، بينما التزمت مختبرات الذكاء الاصطناعي الصينية الصمت في الغالب. وامتنعت شركة “مونشوت” عن التعليق على التقرير الذي وصل لشبكة CNN الأسبوع الماضي، في حين لم تستجب شركة "ديب سيك" لطلب التعليق.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية، غوو جياكون، الاثنين: "إن ترويج روايات مختلفة تنطوي على تهديدات، وانتهاج المواجهة والمنافسة الخبيثة، لن يؤدي إلا إلى عرقلة الجهود الرامية إلى حوكمة الذكاء الاصطناعي عالمياً، ولن يخدم مصالح أي طرف".
وأضاف: "ينبغي لجميع الأطراف العمل معاً لتعزيز ذكاء اصطناعي يتسم بالانفتاح والشمولية وسهولة الوصول، ويعود بالنفع على البشرية".
ما الذي تقترحه الصين؟تماماً كما يتزايد شعور الولايات المتحدة بالتهديد جراء النماذج الصينية سريعة التطور، تشعر بكين أيضاً بالقلق إزاء القدرات السيبرانية للأنظمة التي طورتها شركات أمريكية؛ وهي قدرات تجلت بوضوح هذا الصيف عندما خرجت أنظمة من شركتي "أوبن إيه آي" (OpenAI) و"أنثروبيك" (Anthropic) عن السيطرة وشنت هجمات اختراق غير مصرح بها ضد أنظمة أخرى.
وتنظر بكين أيضاً إلى مخاطر سلامة الذكاء الاصطناعي من منظور مختلف، يتجاوز المفهوم الأمريكي للمخاطر الوجودية، مثل خروج أنظمة الذكاء الاصطناعي عن السيطرة. فإلى جانب إعطاء الأولوية للسيطرة السياسية والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، ترى بكين في الولايات المتحدة تهديداً يعيق تطويرها الذاتي لهذه التكنولوجيا.
وفي مقال نُشر، الأحد، سلط وزير أمن الدولة، تشن يي شين، الضوء على مخاطر "الممارسات الهيمنية"، في إشارة مبطنة إلى الولايات المتحدة وانتقاد لإجراءاتها المتمثلة في "وضع قوائم للكيانات، وفرض قيود تكنولوجية، واحتكار معايير الصناعة، وإنشاء منظومات مغلقة المصدر"؛ وذلك تحت ذريعة حماية الأمن القومي.
وكتب الوزير الصيني قائلاً: "تؤدي هذه الإجراءات إلى تفتيت صناعة الذكاء الاصطناعي العالمية وسلاسل التوريد، مما يفاقم الخلل في التوازن التنموي داخل هذه الصناعة على مستوى العالم".
وقللت افتتاحية نُشرت خلال عطلة نهاية الأسبوع في صحيفة "غلوبال تايمز" الشعبية المدعومة من الدولة، من شأن المقال الذي نشره مؤخراً داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة .Anthropic
وجاء في المقال الافتتاحي: "يبدو هذا للوهلة الأولى ’بياناً عقلانياً‘ يركز على أمن الذكاء الاصطناعي العالمي، غير أن القراءة المتأنية تكشف عن أجندته الخفية؛ إذ يزخر المقال ببنود احتواء تستهدف الصين، ويُعد في جوهره سيناريو حرب باردة مطبّقاً على قطاع الذكاء الاصطناعي".
هل يشعر الناس في الصين بالقلق إزاء الذكاء الاصطناعي؟في حين أعلن مسؤولون تنفيذيون وباحثون بارزون في الولايات المتحدة صراحةً عن مخاوفهم بشأن مخاطر هذه التكنولوجيا، فإن إثارة مخاوف مماثلة في الصين، حيث يفرض الحزب الشيوعي الحاكم رقابة صارمة على وسائل الإعلام ويراقب السكان، يُعد أمراً أكثر صعوبة بكثير وينطوي على مخاطر أكبر بكثير.
ويعمل قطاع التكنولوجيا في الصين أيضاً ضمن بيئة تنظيمية تُدار بأسلوب "من الأعلى إلى الأسفل" بشكل أكبر بكثير، حيث تضع الحكومة قواعد شاملة تحكم ما يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي إنتاجه وكيفية نشره. فعلى سبيل المثال، تُحدد معايير السلامة الوطنية الصينية الخاصة بالذكاء الاصطناعي متطلباتٍ تشمل بيانات التدريب، والخصوصية، والأمن، والمحتوى المحظور.
وهناك أيضاً تفاؤل عام أكبر بشأن الذكاء الاصطناعي في الصين؛ فقد أظهر استطلاع أجرته شركة "إيدلمان" (Edelman) لعام 2025 أن 72% من المشاركين في الصين صرّحوا بثقتهم في الذكاء الاصطناعي، مقارنة بـ 32% فقط في الولايات المتحدة.
ورغم أن مختبرات الذكاء الاصطناعي الصينية قد قلصت الفجوة مع نظيراتها الأمريكية بسرعة، إلا أنها لا تزال متأخرة عن الأنظمة الأمريكية الأكثر تطوراً. وقد يقلل هذا من حافز الشركات والباحثين الصينيين لتقييد تطوير ونشر أنظمة الذكاء الاصطناعي -التي تزداد قدراتها باستمرار- بشكل طوعي، وذلك في ظل سعيهم للحاق بالركب.
هل يمكن للقوتين التوافق بشأن الذكاء الاصطناعي؟يبدو أن هناك أسباباً قليلة تدعو للتفاؤل؛ فعلى الرغم من الهدنة التجارية التي تم التوصل إليها بين البلدين في أكتوبر من العام الماضي، إلا أن التوترات استمرت في التصاعد.
وتتمثل العقبة الرئيسية في الثقة؛ إذ تخشى واشنطن أن يتيح التعاون للصين الوصول إلى تكنولوجيا تعزز قوتها العسكرية والاقتصادية، في حين ترى بكين في "الأمن القومي" ذريعةً أمريكيةً لكبح الصعود التكنولوجي للصين.
وحدد منشور نُشر الشهر الماضي على حساب "يويوانتانتيان" (Yuyuantantian) -وهو حساب على وسائل التواصل الاجتماعي تابع لهيئة البث الصينية الرسمية (CCTV)- شروط الحوار الأمريكي الصيني بشأن الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أنه يتعين على واشنطن ضمان التزام شركاتها العاملة في هذا المجال بأي قواعد ولوائح يتم الاتفاق عليها، وذلك كشرط مسبق لإجراء أي مفاوضات.
وجاء في البيان: "لا بد من التمييز بوضوح بين التهديدات الحقيقية للسلامة ومجرد المنافسة التكنولوجية؛ فالسؤال الجوهري ليس ’هل ينبغي فرض التنظيمات‘، بل من الذي يجب أن يحدد حدود السلامة لهذه النماذج المتطورة الرائدة".
إقرأ المزيد


