جريدة الرياض - 9/13/2026 1:55:24 PM - GMT (+3 )
أعاد الهجوم الحوثي الأخير على منطقة جازان تسليط الضوء على مستوى التهديد الذي تمثله ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران، خصوصا مع تزايد الهجمات على المواقع المدنية والمنشآت الحيوية واتساع النشاط العسكري للميليشيا على الساحل الغربي لليمن.
وأدى مقذوف أطلقته الميليشيا إلى إصابة شخصين وإلحاق أضرار بمسجد وعدد من المباني والمركبات في محافظة الطوال، يضاف هذا الحادث إلى سلسلة هجمات استهدفت خلال السنوات الماضية مدنا سعودية ومنشآت للطاقة ومطارات ومرافق مدنية.
وتثير إصابة المسجد جانبا آخر يتعلق بسلوك الميليشيا وخطابها الديني. فالحوثيون يعتمدون منذ سنوات خطابا أيديولوجيا مكثفا في مناطق سيطرتهم، ويستخدمونه في التعبئة السياسية والعسكرية والتجنيد، وفي المقابل، سجلت منظمات دولية وتقارير حقوقية انتهاكات واسعة ارتكبتها الميليشيا بحق المدنيين والمنشآت المدنية.
وتتمتع دور العبادة بحماية واضحة بموجب القانون الدولي الإنساني، كما يجرم القانون الدولي تعمد استهداف المنشآت الدينية متى كانت منشآت مدنية ولا تستخدم لأغراض عسكرية، وينطبق المبدأ ذاته على المنازل والمدارس والمستشفيات وسائر الأعيان المدنية.
ويأتي الهجوم على جازان في وقت تشهد فيه المنطقة تصعيدا متزايدا تشارك فيه جماعات مسلحة مرتبطة بإيران في أكثر من ساحة، وتمنح هذه التطورات أهمية إضافية للتحذيرات الأمريكية والدولية من توسع استخدام طهران للجماعات المسلحة في إدارة صراعاتها الإقليمية.
الكونغرس يحذر من توسع الخطر الحوثي
أصبحت قضية الحوثيين خلال الفترة الأخيرة حاضرة بصورة أوضح داخل الكونغرس الأمريكي، وعقدت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب مطلع سبتمبر جلسة خصصتها لبحث التهديد الحوثي وتأثيره في المصالح الأمريكية وأمن البحر الأحمر.
ركزت المناقشات على قدرات الميليشيا الصاروخية والجوية، والهجمات على السفن، والدعم الإيراني، إضافة إلى تأثير سيطرة الحوثيين على مناطق ساحلية استراتيجية في اليمن.
وحذر النائب الجمهوري روني جاكسون من خطورة التهديد الحوثي على حركة التجارة في البحر الأحمر وعلى المصالح الأمريكية، ودعا إلى تطوير سياسات أكثر فاعلية لردع الميليشيا وحماية الملاحة.
كما وصف عضو الكونغرس أبراهام حمادة الحوثيين بأنهم امتداد مسلح لإيران، وحذر بعد التطورات العسكرية على الساحل الغربي من تأثير تقدمهم على أمن المنطقة وحركة الملاحة في باب المندب.
وتعكس هذه المواقف تحولا في التعامل مع الملف، فالنقاش لم يعد محصورا في الأزمة اليمنية ومسار التسوية السياسية، وأصبح التركيز يشمل أمن البحر الأحمر، وتجارة الطاقة، وحماية السفن، وقدرة إيران على استخدام الحوثيين في أي مواجهة إقليمية.
وسبق لعدد من أعضاء مجلس الشيوخ أن حذروا من احتمال تعرض مضيقي هرمز وباب المندب للاضطراب في وقت واحد، وينظر المشرعون الأمريكيون إلى هذا السيناريو باعتباره تهديدا مباشرا لإمدادات الطاقة وحركة التجارة الدولية.
الدعم الإيراني غيّر قدرات الميليشيا
تجمع أغلب الدراسات الغربية على أن الدعم الإيراني أدى دورا رئيسيا في تطوير القدرات العسكرية للحوثيين، وتشمل المساعدات الإيرانية تقنيات الصواريخ والطائرات المسيرة والتدريب والمعلومات والخبرات العسكرية، وأسهمت هذه القدرات في تمكين الميليشيا من تنفيذ هجمات بعيدة المدى واستهداف سفن ومنشآت تقع خارج الأراضي اليمنية.
وأشارت تقارير صحفية دولية حديثة إلى دور خبراء ومستشارين إيرانيين في دعم العمليات الحوثية وتطوير قدراتها العسكرية، كما تحدثت تقارير سابقة عن نقل معدات وخبرات مرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيرة إلى مناطق خاضعة لسيطرة الميليشيا.
ويرى مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي أن إيران تمثل الداعم الخارجي الأهم للحوثيين، وأن المساعدة الإيرانية ساعدتهم على الانتقال من حركة مسلحة محلية إلى قوة تمتلك وسائل للتأثير في أمن البحر الأحمر ودول المنطقة.
باب المندب في صدارة التحذيرات
تزداد أهمية الخطر الحوثي مع سيطرة الميليشيا على مواقع استراتيجية على الساحل الغربي لليمن، حيث يعد باب المندب من أهم ممرات التجارة والطاقة في العالم، وتعبره سفن تربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط.
وتشير مراكز دراسات دولية إلى أن أي اضطراب طويل في هذا الممر يرفع تكاليف الشحن والتأمين ويجبر بعض السفن على استخدام طرق أطول حول رأس الرجاء الصالح.
وحذر معهد "تشاتام هاوس" من التداعيات المحتملة لأي تصعيد متزامن في هرمز وباب المندب، ويكتسب هذا الاحتمال أهمية خاصة في ظل قدرة إيران على التأثير في مضيق هرمز، وقدرة الحوثيين على تهديد السفن في البحر الأحمر.
كما تناول "المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية" أثر الهجمات الحوثية السابقة في حركة السفن، مشيرا إلى الانخفاض الكبير الذي شهدته حركة المرور في البحر الأحمر وقناة السويس خلال مراحل التصعيد.
وتحتاج الميليشيا إلى قدرات صاروخية ومسيرات واستطلاع ومواقع إطلاق قريبة حتى ترفع مستوى المخاطر أمام السفن التجارية، ولا يشترط تحقيق سيطرة عسكرية كاملة على المضيق حتى تتأثر الملاحة.
ولهذا تحظى السيطرة على الجزر والموانئ والمناطق الساحلية بأهمية عسكرية كبيرة، فكل تقدم في هذه المناطق يمنح الحوثيين خيارات أوسع للمراقبة والاستهداف والضغط على حركة السفن.
الحوثيون ضمن استراتيجية إيران الإقليمية
تتعامل عدة مراكز دراسات أمريكية مع الحوثيين ضمن شبكة أوسع من الجماعات المسلحة التي دعمتها إيران في المنطقة.
وخلال العقود الماضية، اعتمدت طهران على جماعات مسلحة في لبنان والعراق واليمن وساحات أخرى لتحقيق أهداف أمنية وسياسية من دون الدخول دائما في مواجهة مباشرة.
وتوفر الساحة اليمنية لإيران ميزة جغرافية مهمة، فمن خلالها يمكن التأثير في جنوب البحر الأحمر وباب المندب والطرق البحرية المتصلة بقناة السويس.
كما يمنح استمرار القدرات الحوثية إيران وسيلة إضافية للضغط خلال الأزمات الإقليمية، ويمكن استخدام هذه القدرات ضد أهداف داخل دول المنطقة أو ضد السفن وحركة التجارة.
وأشار "معهد واشنطن" إلى أن التطورات الحوثية الأخيرة تمنح إيران مساحة إضافية للتحرك في المنطقة، خصوصا عندما ترتفع حدة المواجهة بينها وبين الولايات المتحدة أو حلفائها.
كما وصف "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" الحوثيين بأنهم من أكثر شركاء إيران المسلحين قدرة على الاستمرار، مستندا إلى قدراتهم الصاروخية وشبكاتهم العسكرية وسيطرتهم الواسعة داخل اليمن.
استهداف المدنيين جزء من سجل مستمر
الهجوم على جازان يأتي ضمن سجل طويل من الهجمات الحوثية واستهداف الأعراف المدنية، فقد تعرضت مدن ومطارات ومنشآت نفطية ومناطق سكنية خلال الأعوام الماضية لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة والمقذوفات، وأدت بعض الهجمات إلى سقوط ضحايا من المدنيين وإلحاق أضرار بمنشآت مدنية واقتصادية.
ويضع استمرار هذه الهجمات مسؤولية إضافية على المجتمع الدولي في التعامل مع مصادر السلاح والتقنيات المستخدمة فيها، خصوصا في ظل الأدلة المتكررة على حصول الحوثيين على دعم وخبرات إيرانية.
كما أن استمرار استهداف المناطق المدنية يضعف الخطاب الذي تحاول الميليشيا تقديمه عن دوافعها الدينية والسياسية، فالمعيار الأساسي في تقييم أي جماعة مسلحة يبقى مرتبطا بسلوكها واحترامها للمدنيين والقانون الدولي.
تهديد إقليمي ودولي
توضح مجمل التحذيرات والدراسات الدولية أن خطر الحوثيين أصبح متعدد المستويات، فعلى المستوى اليمني، يعرقل استمرار القوة العسكرية الحوثية جهود الوصول إلى تسوية سياسية مستقرة، ويمنح الميليشيا القدرة على فرض واقع بالقوة.
أما على المستوى الإقليمي، فتسمح قدرات الحوثيين لإيران بامتلاك أداة عسكرية قريبة من البحر الأحمر وباب المندب، وعلى المستوى الدولي، تتصل القضية مباشرة بأمن الملاحة وإمدادات الطاقة وحركة التجارة بين آسيا وأوروبا.
لهذه الأسباب، تتعامل السعودية مع الهجمات الحوثية باعتبارها تهديدا مباشرا لأمنها وسيادتها وسلامة مواطنيها والمقيمين على أراضيها، وأكدت المملكة حقها في اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية أراضيها ومنشآتها ومصالحها الحيوية.
وتشير التطورات الميدانية، إلى جانب تحذيرات الكونغرس ومراكز الدراسات الدولية، إلى أن استمرار القدرات العسكرية الحوثية يمنح إيران مساحة أكبر للتأثير في أمن المنطقة.
وتزداد خطورة هذا الوضع عندما تتزامن الهجمات على الأراضي السعودية مع تحركات عسكرية قرب باب المندب وتهديد السفن في البحر الأحمر.
ويضع ذلك المجتمع الدولي أمام ملف يتجاوز حدود الحرب اليمنية، فالقضية ترتبط بأمن دول المنطقة، وحماية المدنيين، واستقرار أسواق الطاقة، وسلامة أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
إقرأ المزيد


