صفقة واشنطن النفطية مع فنزويلا تحت المجهر
جريدة الرياض -

علنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إبرام صفقة نفطية ضخمة مع فنزويلا تمنح الولايات المتحدة حصة مسيطرة في مشروع يستند إلى نحو 65 مليار برميل من احتياطيات النفط المؤكدة في البلاد بما يعادل نحو 20 في المئة من الاحتياطيات الفنزويلية، في خطوة تصفها واشنطن بأنها تهدف إلى إعادة بناء قطاع الطاقة الفنزويلي وتعزيز المصالح الأميركية في واحدة من أكبر الدول امتلاكاً للنفط في العالم. وقال ترمب إن الولايات المتحدة حصلت على حصة أغلبية مسيطرة في هذه الاحتياطيات من خلال شراكة مع القطاع الخاص، واصفاً الصفقة خلال فعالية في البيت الأبيض بأنها ربما أعظم اتفاق أُبرم على الإطلاق، مشيراً إلى اعتزام واشنطن استخدام النفط الفنزويلي للمساعدة في إعادة ملء مخزون الطوارئ الأميركي. وتأتي الصفقة في وقت تسعى فيه واشنطن إلى تعزيز حضورها في قطاع الطاقة الفنزويلي واستثمار قدرات الشركات الأميركية في إعادة تشغيل صناعة نفطية عانت خلال السنوات الماضية من تراجع كبير في الإنتاج والبنية التحتية والاستثمارات. وبحسب تحليل نشره معهد كاتو الأميركي فإن الصفقة تثير تساؤلات واسعة بشأن حجم الدور الذي أصبحت الحكومة الأميركية تلعبه مباشرة في قطاع النفط الفنزويلي، وطبيعة الشراكة مع الشركات الخاصة والضمانات القانونية والسياسية التي تحيط بها. ويرى المحلل السياسي والاقتصادي إيان فاسكيز، نائب رئيس قسم الدراسات الدولية في معهد كاتو، أن الصفقة تفتقر إلى قدر كبير من الشفافية، إذ جرت المفاوضات بصورة سرية ولم تخضع الاتفاقية لعملية تنافسية واضحة، كما لم تُنشر تفاصيل العقد أو اتفاق المساهمين بصورة كاملة، وهو ما يجعل من الصعب تحديد الالتزامات الفعلية التي ستتحملها الولايات المتحدة أو شركاؤها. ويضيف فاسكيز أن الصفقة توسع دور الحكومة الأميركية في قطاع النفط من خلال منحها حصة كبيرة وربما أغلبية في مشروع نفطي مشترك ضخم، مشيراً إلى أن المشروع قد يصبح من أكبر الشركات العالمية من حيث الاحتياطيات المؤكدة إذا جرى احتساب كامل الموارد التي يستند إليها. ويرى محللون أن حجم الصفقة وطبيعة الملكية الأميركية يجعلانها مختلفة عن الاستثمارات التقليدية التي تنفذها الشركات الخاصة، إذ إن أي نزاع مستقبلي بشأن العقود لن يكون مجرد خلاف تجاري بين شركة وحكومة، بل قد يتحول إلى نزاع مباشر بين دولتين. وتحذر الكاتبة الأميركية ألكسندرا ستينسون في تحليل نشرته مجلة ناشونال إنتريست من أن واشنطن تخوض مجازفة كبيرة بقبول امتيازات تمتد قرناً من الزمن في وقت لا تزال فيه المرحلة الانتقالية السياسية في فنزويلا غير محسومة. وترى ستينسون أن اختيار الملكية المباشرة بدلاً من الاكتفاء بتخفيف العقوبات أو تقديم ضمانات للقروض أو دعم الاستثمارات الخاصة يضع الولايات المتحدة أمام مخاطر سياسية وقانونية طويلة الأمد. وتقول إن امتلاك حصة في قطاع النفط قد يمنح واشنطن موقعاً قوياً على المدى القصير، لكنه لا يستطيع وحده توفير البيئة الاستثمارية المستقرة التي تحتاجها صناعة النفط على المدى الطويل، إذ ستظل الشرعية السياسية واستقلال القضاء وموثوقية العقود وحقوق الملكية عوامل حاسمة في مستقبل القطاع. وتبرز هنا قضية أساسية تتعلق بمستقبل النظام السياسي في فنزويلا، وما إذا كانت حكومة منتخبة في المستقبل ستقبل بالاتفاق الذي أُبرم خلال المرحلة الانتقالية الحالية. وتشير ستينسون إلى أن تفاصيل اتفاق المساهمين الأساسي لا تزال غير متاحة للعامة بصورة كاملة، وهو ما يجعل تقييم طبيعة الالتزامات المالية والسياسية المترتبة على الصفقة أمراً صعباً. وتقول واشنطن إن الحصة الأميركية جاءت من دون تكلفة على دافع الضرائب الأميركي لأنها لم تدفع ثمناً مقدماً للحصول عليها، لكن غياب التفاصيل يترك تساؤلات بشأن احتمال وجود التزامات مالية مستقبلية أو مخاطر سياسية قد تتحملها الحكومة الأميركية لاحقاً. وتزداد حساسية هذه المسألة في ضوء الطبيعة القانونية للموارد النفطية في فنزويلا، إذ يعتبر الدستور الفنزويلي احتياطيات الهيدروكربونات من الأصول العامة غير القابلة للتصرف، وهو ما يفتح الباب أمام جدل قانوني حول طبيعة الامتيازات التي يمكن منحها للحكومات الأجنبية ومدى قدرة الحكومات الانتقالية على إبرام اتفاقات طويلة الأجل. كما يشير فاسكيز إلى أن المادة 150 من الدستور الفنزويلي تنص على ضرورة موافقة الجمعية الوطنية على بعض العقود المبرمة مع الحكومات الأجنبية، وهو إجراء لم يتم وفق المعطيات المتاحة للصفقة الحالية. ويحذر المحلل من أن أي حكومة ديمقراطية مستقبلية قد تعيد النظر في الاتفاق أو تطعن في بعض بنوده، خصوصاً إذا تحول الرأي العام الفنزويلي ضد ما قد ينظر إليه باعتباره تدخلاً أميركياً في الموارد الوطنية. وتتضاعف هذه المخاطر بسبب هوية بعض الشركاء المحتملين في المشروع، إذ تشير تقارير إلى أن الشريك الخاص الذي اختارته واشنطن يرتبط برجل الأعمال الفنزويلي أليخاندرو بيتانكورت الذي كان محور تحقيقات تتعلق بالفساد وغسل الأموال في عدد من الدول من دون صدور إدانة قضائية بحقه في هذه القضايا. وفي عام 2018 قالت منظمة ترانسبارينسيا فنزويلا لمكافحة الفساد إن إحدى شركات بيتانكورت بالغت في فواتيرها للحكومة الفنزويلية بنحو 2,9 مليار دولار مقابل بناء أو تعديل محطات لتوليد الطاقة، وهو ما زاد من الجدل حول اختيار الشركاء المح المحتملين. ويرى فاسكيز أن الصفقة لا تثير تساؤلات اقتصادية وقانونية فحسب، بل تحمل تداعيات سياسية أيضاً لأنها جرت من دون مشاركة المعارضة الفنزويلية التي تعد طرفاً رئيسياً في مستقبل البلاد السياسي. ويحذر من أن تهميش المعارضة قد يؤدي إلى فقدان واشنطن جزءاً من التعاطف الذي كانت تحظى به لدى قطاعات من المجتمع الفنزويلي، كما قد يدفع أي حكومة مستقبلية إلى إعادة تقييم الاتفاق. وتذهب مجلة ذي إيكونوميست إلى أن هذا الوضع قد يخلق حافزاً مشتركاً لدى أطراف مختلفة للحفاظ على الترتيبات الحالية ومنع انتقال سياسي قد يؤدي إلى مراجعة الاتفاقات النفطية طويلة الأجل. ولا تتوقف المخاوف عند الداخل الفنزويلي، إذ تحذر ستينسون من أن الصفقة قد تؤدي بصورة غير مقصودة إلى إعادة إدخال الصين وروسيا إلى المعادلة الفنزويلية إذا شعرت حكومة مستقبلية بأن الامتيازات الأميركية فُرضت عليها خلال مرحلة انتقالية. وترى أن أي حكومة جديدة قد تسعى إلى موازنة النفوذ الأميركي عبر تعزيز علاقاتها مع بكين أو موسكو، وهو ما قد يحول المنافسة على الموارد والطاقة إلى عامل جديد لعدم الاستقرار في المنطقة. وفي المقابل تتجه شركات طاقة دولية إلى الاستثمار في فنزويلا من خلال ترتيبات مختلفة لا تقوم على الملكية المباشرة للحكومة الأميركية. وتعمل شركات مثل شيفرون وإيني الإيطالية وشركات أخرى على إبرام اتفاقيات بموجب قانون المحروقات المعدل في فنزويلا بما يوفر بحسب التحليلات المتداولة إطاراً مختلفاً لتوزيع المخاطر وحماية الاستثمارات طويلة الأجل. ووقعت شيفرون وإيني اتفاقيات تتضمن شروطاً مالية وتجارية وقانونية محسنة لحماية الاستثمارات، وهو نموذج يرى محللون أنه قد يوفر لواشنطن فوائد اقتصادية واستراتيجية من دون تحمل مخاطر الملكية الحكومية المباشرة. فإذا دخلت شركة خاصة في نزاع مع الحكومة الفنزويلية مستقبلاً فإن أمامها خيارات قانونية وتجارية متعددة تشمل اللجوء إلى القضاء أو إعادة التفاوض أو الانسحاب من المشروع، بينما قد تكون الخيارات المتاحة للحكومة الأميركية أكثر تعقيداً إذا كانت طرفاً مالكاً للأصول نفسها. وتؤكد ستينسون أن أمن الطاقة لا يتحقق بالضرورة من خلال امتلاك الحكومة للأصول النفطية، وإنما من خلال تنويع مصادر الإمدادات وتقليل قدرة أي منتج أو حكومة على استخدام الطاقة وسيلة للضغط السياسي. وترى أن الاستثمار الخاص والاتفاقيات التجارية يمكن أن تحققا جزءاً كبيراً من هذه الأهداف مع مخاطر أقل من الملكية الفيدرالية المباشرة. وتبرز في هذا السياق مسألة الاستقلال الاستراتيجي الأميركي، إذ تسعى واشنطن إلى ضمان الوصول إلى النفط الفنزويلي ومنع القوى المنافسة مثل الصين وروسيا من تعزيز وجودها في قطاع الطاقة الفنزويلي. غير أن المحللين يرون أن هذه الأهداف الثلاثة، وهي ضمان الوصول إلى النفط واستبعاد المنافسين وامتلاك جزء من القطاع، ليست هدفا واحدا بل أهداف مختلفة ينبغي تقييم كل منها على حدة وتحديد ما إذا كانت الملكية الحكومية هي الوسيلة الأفضل لتحقيقها. وتحذر ستينسون من أن الامتيازات التي تمتد مئة عام قد تبدو ضمانة للنفوذ الأميركي، لكنها قد تتحول مع مرور الوقت إلى مصدر للتوتر إذا تغيرت موازين القوى السياسية داخل فنزويلا. وترى أن المؤسسات السياسية القادرة على توفير اليقين القانوني والاستثماري هي العامل الأهم لضمان استمرار أي اتفاق طويل الأجل، وليس مجرد امتلاك حصة في مشروع نفطي. وتخلص إلى أن واشنطن إذا أصرت على الاحتفاظ بحصة ملكية في القطاع النفطي الفنزويلي فعليها توضيح ما الذي توفره هذه الملكية ولا يمكن تحقيقه من خلال وسائل أخرى، مع إجراء مراجعات دورية وعلنية للجدوى الاستراتيجية منها ووضع شروط واضحة لإمكانية التخارج منها مستقبلاً. وفي المحصلة تضع الصفقة الأميركية فنزويلا أمام مرحلة جديدة من التنافس على مواردها النفطية، وتضع واشنطن في الوقت ذاته أمام اختبار صعب يتعلق بكيفية الجمع بين المصالح الاقتصادية والأمن القومي من جهة، ومتطلبات الشرعية السياسية وسيادة الدولة الفنزويلية من جهة أخرى. ومع استمرار المرحلة الانتقالية في فنزويلا ستظل مستقبلية الاتفاق وقدرتها على الصمود أمام أي تغيير سياسي محل اختبار حقيقي، إذ إن قيمة أي صفقة نفطية طويلة الأجل لا تتحدد بحجم الاحتياطيات التي تستند إليها فحسب، وإنما بمدى قدرتها على الصمود أمام تغير الحكومات والمؤسسات والقوانين والرأي العام. ومن هنا فإن الرهان الأميركي لا يتعلق فقط بالحصول على حصة ضخمة من النفط الفنزويلي، وإنما بقدرة واشنطن على تحويل هذه الصفقة إلى استثمار مستدام لا يتحول في المستقبل إلى نقطة خلاف جديدة مع حكومة فنزويلية منتخبة.



إقرأ المزيد