سكاي نيوز عربية - 9/10/2026 1:19:38 PM - GMT (+3 )
واقع أليم يهدد أمن البلاد الدوائي، ويضع المريض اللبناني والصيدلي معا في مهب أزمة ممتدة تتجاوز الخسائر المالية لتصل إلى حدود الخطر الصحي الشامل.
نقيب الصيادلة يدق ناقوس الخطر: القطاع يتجه نحو الزوال
في تصريح خاص لـموقع "سكاي نيوز عربية"، أطلق نقيب صيادلة لبنان، عبد الرحمن مرقباوي، صرخة تحذيرية رفيعة المستوى، مؤكدا أن ما يشهده القطاع هو "وضع اقتصادي مزري يدفعه نحو انهيار تام وشامل إذا لم يتم التدخل الفوري".
وربط مرقباوي جذور الأزمة الأولى بسياسات رفع الدعم السابقة، موضحا: "عند بداية الأزمة الاقتصادية، استمرت الدولة لفترة في دعم قطاع الدواء. ورغم أن الصيادلة خسرت أموالها المحتجزة في البنوك، كان لديهم مخزونهم المتبقي. غير أن الدولة أجبرتهم على بيع هذا المخزون بالكامل على السعر المدعوم. وبعد رفع الدعم، انخفضت قيمة مخزون أصغر صيدلية من 70 ألف و100 ألف دولار ليصبح ما بين 5 آلاف و10 آلاف دولار فقط كحد أقصى. هذه الخسارة الكبيرة، يضاف إليها خسارة رؤوس الأموال في البنوك، أجبرت الصيدلي على المحاولة والبدء من جديد، لكننا اصطدمنا بتبديل الوكلاء لشروط التعامل ومطالبتهم بالدفع الفوري المباشر بدلا.من التسهيلات السابقة".
وأضاف مرقباوي محذرا من انكماش السوق وانخفاض المدخول: "انخفض حجم سوق الدواء ليصبح يمثل تقريبا 40 بالمئة إلى 45 بالمئة فقط مقارنة بـ 2019، كما أن أسعار الأدوية بعد رفع الدعم أصبحت أرخص بكثير مما كانت عليه، مما قلل مجددا من مدخول الصيدلي".
وأضاف: "ورغم محاولات الصمود والحرب والتضخم المستمر، وصل الوضع في عام 2026 إلى مرحلة غير قابلة للتحمل إطلاقا. هناك أكثر من 700 صيدلية مهددة بالإغلاق، وتتركز هذه الحالات في أطراف المناطق والمحافظات بعيداً عن المدن الرئيسية".
وشدد النقيب على رفضه لسياسات تحويل المريض إلى سلعة "نقف سدا منيعا ضد ما يسمى بـالصيدليات السلسلة، ليبقى الصيدلي المستقل هو الضامن للتعامل بحس إنساني لا تجاري. نملك اليوم نحو 3600 صيدلية، وهو أكثر من ضعف حاجة البلد الفعلية المقدرة بـ1200 صيدلية، بسبب غياب التخطيط وفائض الخريجين. وإغلاق هذه الصيدليات سيوجه المرضى قسرا نحو الأدوية المهربة والمغشوشة وهو ما نرفضه تماما".
شهادات من البقاع والجنوب: بين الجفاف المالي وخط النار
على الأرض، لا تبدو الصورة أقل قسوة. ففي البقاع، يشرح صاحب "صيدلية في قضاء البقاع الغربي شرق لبنان " لـ"سكاي نيوز عربية" خريطة المعاناة اليومية التي يكابدها الصيدلي في الأطراف فيقول: "المبيعات لدينا لم تعد تتجاوز الربع مقارنة بالسابق، والأهالي لم يعودوا يملكون القدرة المالية؛ تغير سلوك المريض ولم يعد يشتري سوى الضروري جدا، بل لجأ لشراء الأدوية المهربة السورية والتركية من 'بياعين الشنطة' وقل عدد زبائننا لما دون 10 بالمئة. مخزوننا نزل لأقل من الربع، والتكاليف التشغيلية تأكل كل شيء، فالإيجارات تتراوح من 150 إلى أكثر من 500 دولار للباب الواحد، والمداخيل لا تكفي للتعاقد مع موظفين. الغلاء حولنا خرافي وهامش الربع لا يكفي لقمة العيش، وإذا بقي الوضع على حاله فحتما ستغلق معظم الصيدليات أبوابها".
أما في جنوب لبنان، فتتضاعف المأساة بين الضغط الاقتصادي والمخاطر الميدانية العسكرية.
وتحدثت صاحبة صيدلية في بلدة إبل السقي المواجهة لبلدة الخيام لـ"سكاي نيوز عربية" عن ظروف التوريد المعقدة تحت القصف وقالت : "موقعنا حساس جدا على الطريق العام، واضطررنا للإغلاق مرتين سابقا بسبب انقطاع حركة السير وتدهور الأوضاع الأمنية. سلاسل التوريد أصبحت شبه معدومة؛ فاستثناء مستودع 'نوفل' الذي لم يقطعنا طوال فترة الحرب ويصلنا أو يلتقينا على الطريق، وشركتي 'مرساكو' و'أوبتيمال'، لا تصلنا باقي شركات التوزيع إطلاقا، ونضطر لإرسال سائق خاص على نفقتنا من بيروت لجلب الأدوية. نحن نعمل تحت خوف دائم من أي تصعيد يفرض الإغلاق الشامل".
شركات التوزيع والمرضى: حلقة مفرغة من العجز
هذا الاختناق الصيدلاني انعكس مباشرة على أطراف المعادلة الأخرى؛ إذ كشفت إحدى شركات توزيع الأدوية لـ "سكاي نيوز عربية" عن أزمة التردي اللوجستي والمالي التي تجتاح السلسلة بأكملها:"لاحظنا تراجعا كبيرا في كميات الطلب من الصيدليات لأن قدرتها الشرائية لم تعد كما كانت. الصيدليات باتت تطلب بكميات صغيرة وعلى دفعات، والبيع الآجل أصبح فرضا علينا، مما يراكم الأموال العالقة في السوق ويضغط على الموزع. مع ارتفاع كلف النقل والتخزين، أصبحت بعض الأدوية غير جدوى اقتصاديا، وهو ما يهدد السلسلة بأكملها".
وعلى الضفة الأخرى، يتلقى المواطن اللبناني الضربة الأقسى، حيث يعبر أحد المرضى في بيرور لـ"موقع "سكاي نيوز عربية" عن عجز الأهالي أمام الغلاء والتسرب الدوائي:."أسعار الأدوية صارت عبئا كبيراجدا؛ أحيانا أشتري نصف الكمية التي وصفها الطبيب وأؤجل الباقي لنهاية الشهر. أطوف على أكثر من صيدلية لأجد السعر الأنسب أو لأجد الدواء متوفرا أصلا. إقفال الصيدليات المجاورة يعني حرماناً مباشراً لنا من العلاج، وسيكون كارثياً على كبار السن ومرضى الأمراض المزمنة".
هكذا تتجمع في السماء الصيدلانية اللبنانية غيوم سوداء؛ بين فوضى تجار الشنطة والتهريب، وجمود التشريعات، وضغوط المصاريف التشغيلية. وتظل الاستغاثات المرفوعة حبرا على ورق ما لم تتدخل وزارة الصحة والجهات المعنية بخطة إنقاذ عاجلة تُعدل الجعالة، وتضبط الحدود، وتحمي ما تبقى من أمن صحي للبلاد قبل الفوات النهائي للأوان.
إقرأ المزيد


