3 سنوات تحت الركام.. عائلات غزة تنتظر دفن أحبائها
سكاي نيوز عربية -

يقول يوسف لموقع "سكاي نيوز عربية": " السنوات الثلاث الماضية حملت انتظارا ثقيلا، كنت أمر كل يوم من أمام المكان، لا أملك سوى الأمل بأن يأتي اليوم الذي يمكن فيه إخراج أحبابي من تحت الركام، منهم زوجتي وأطفالي الأربعة الموجودون حاليا تحت الأنقاض".

في 25 أكتوبر 2023، كان شارع اليرموك وسط مدينة غزة على موعد مع واحدة من أعنف الضربات التي شهدتها المدينة في الأيام الأولى للحرب، إذ استهدفت الغارات عمارة التاج 3 والمربع السكني المحيط بها، حيث كان المبنى يؤوي سكانه إلى جانب عائلات نزحت من مناطق أخرى بحثا عن مكان أكثر أمنا.

في ذلك اليوم، تحولت العمارة إلى كتلة من الركام، وبقي عدد من الضحايا تحتها، بعدما تعذر الوصول إليهم وسط حجم الدمار ونقص الإمكانات.

وتشير توثيقات لاحقة إلى مقتل أكثر من 100 شخص في الضربة ومحيطها، بينهم عشرات النساء والأطفال.

ومن بين 37 شخصا فُقدوا في تلك المأساة، انتُشلت رفات 24، بينما لا يزال 13 آخرون تحت الأنقاض.

وبعد نحو 3 أعوام، لم تعد عائلاتهم تنتظر خبرا عن مصيرهم، بل تنتظر شيئا أكثر بساطة وألما: العثور على رفاتهم ودفنها.

"إحنا من باب إكرامهم.. لازم نطلعهم من هنا وندفنهم".

واليوم، مع بدء أعمال البحث، تبدو تلك اللحظة أقرب من أي وقت مضى، لكن بالنسبة ليوسف، لا يتعلق الأمر بعملية انتشال فحسب؛ إنها محاولة لاستعادة حق عائلته في الوداع.

خرج حيا من تحت الركام.. وخسر عائلته

قصة عميد حنون تأخذ المأساة إلى وجه آخر، هو أحد الناجين من تحت أنقاض المكان. خرج حيا من بين الركام، لكنه وجد نفسه أمام خسارة امتدت إلى معظم أفراد عائلته.

يقول عميد لموقع "سكاي نيوز عربية": "عدد الضحايا من عائلتي وصل إلى نحو 25 إلى 30 شخصاً، وفقدت من أسرتي المباشرة نحو ستة، بينهم والدي وإخوتي وأخواتي ، وانا خرجت من تحت الركام.. ربنا كتب لنا عمر جديد".

لكن النجاة لم تكن نهاية المأساة، فبعد أكثر من ألف يوم، لا يزال عميد يحمل وجع عائلته، ويرى في بقاء رفات الضحايا تحت الركام حسرة لا تنتهي.

ويضيف عميد: "فقدنا بيوتنا وفقدنا أهلنا، إلا إنهم ما اندفنوا وإكرام الميت دفنه، وهذه حسرة في قلوبنا".

ويصف تلك اللحظة بأنها من أصعب ما يمكن أن يمر به من فقد عائلته، حتى بعد أن تبدأ عمليات انتشال الجثامين، قائلا: "هذه لحظة صعبة جدا… أوجاع صعبة كثير، ما بيحكي فيها إلا اللي جربها".

بعد ألف يوم.. البحث يبدأ مجددا

بعد سنوات من الانتظار، بدأت أعمال البحث والانتشال في موقع عمارة التاج، بمشاركة فرق الدفاع المدني وبمعدات وفرتها اللجنة المصرية.

ويقول محمد منصور، المتحدث الإعلامي باسم اللجنة المصرية لموقع "سكاي نيوز عربية": "ن العمل يستهدف انتشال رفات نحو 110 ضحايا في عمارة التاج 3، مشيراً إلى أن الفرق تمكنت حتى الآن من انتشال أربعة رفات، معظمها لأطفال"، لكن المهمة لا تشبه عمليات البحث التقليدية.

فالركام ضخم، والمعدات المتاحة محدودة، كما تواجه الفرق نقصا في الوقود وقطع الغيار والمعدات الثقيلة اللازمة للتعامل مع الكتل الخرسانية.

ويقول منصور إن" اللجنة تعمل بما هو متاح من معدات لإزالة الركام والوصول إلى الضحايا، فيما تبقى الحاجة إلى آليات ومعدات أثقل إحدى أكبر العقبات أمام تسريع العمل".

العثور على الرفات لا يكفي.. كيف تُعرف هوية أصحابها؟

الوصول إلى الرفات ليس نهاية المهمة، ففي كثير من الحالات، تكون الجثامين قد تحللت أو تضررت بشدة، ما يجعل التعرف على أصحابها مهمة أخرى لا تقل صعوبة عن انتشالهم.

عبدالله المجلاوي، مدير الإعلام والعلاقات العامة في الدفاع المدني بغزة، يقول لموقع "سكاي نيوز عربية": "الفرق تضطر في أحيان كثيرة إلى الاعتماد على الملابس والمتعلقات الشخصية في محاولة التعرف إلى الضحايا، في ظل عدم توفر أجهزة فحص الحمض النووي".

ويستعيد واقعة انتشال أربعة رفات، حين تمكنت امرأة من التعرف إلى ابنها من خلال ملابسه، وقال: "بالأمس انتشلنا أربعة جثث.. كانت هناك امرأة عرفت ابنها من خلال ملابسه".

ويقول المجلاوي إن فرق الدفاع المدني تعمل منذ أيام في موقع التاج، لكنها تواجه نقصا حادا في المعدات ووسائل الحماية الشخصية، وتضطر في بعض المواقع إلى العمل بأيدي أفرادها للوصول إلى الرفات.

التاج جزء من مأساة أكبر

ما يجري في التاج ليس حالة منفردة، ففي أنحاء مختلفة من قطاع غزة، لا تزال فرق الدفاع المدني تبحث بين أنقاض المباني المدمرة عن جثامين ورفات أشخاص فقدوا منذ بداية الحرب.

وتشير تقديرات فلسطينية حديثة إلى أن أكثر من 8 آلاف شخص لا يزالون مدفونين تحت الركام في غزة، فيما تتفاوت التقديرات الأخرى بحسب آلية احتساب المفقودين والضحايا الذين لم يتم توثيقهم بعد. وفي أغسطس الماضي، أعلنت فرق البحث انتشال رفات 112 شخصا من عائلتين من تحت أنقاض أحد المواقع في مدينة غزة بعد عمليات حفر استمرت عشرات الساعات.

وفي سبتمبر، انتشلت فرق الدفاع المدني 55 جثمانا ورفاتا من تحت أنقاض مبنى في حي الزيتون، في واحدة من عمليات الانتشال التي أعادت ملف المفقودين إلى الواجهة.

وتكشف هذه العمليات حجم المهمة المتبقية، في ظل تقديرات الأمم المتحدة بوجود نحو 61 مليون طن من الركام في قطاع غزة، وهي كمية هائلة تجعل إزالة الأنقاض والوصول إلى الرفات عملية طويلة ومعقدة.

حين يصبح الدفن نهاية للانتظار
في التاج، لا تبحث العائلات عن شيء يمكن أن يعيد الزمن إلى الوراء، فيوسف لا ينتظر عودة زوجته وأطفاله، وعميد لا ينتظر عودة والده وإخوته.

ما ينتظرانه هو ما حُرم منه أحباؤهما طوال ثلاثة أعوام ، دفنٌ يضع حدا للغياب، وقبر يحمل اسما، ومكان يمكن أن تقف عنده العائلة لتقول أخيرا: هنا يرقد من فقدناه بسلام.



إقرأ المزيد