جريدة الرياض - 9/4/2026 4:11:23 AM - GMT (+3 )
تجددت المواجهات بين الولايات المتحدة وإيران بعد شهر من الهدوء العسكري بالتزامن مع تصعيد واشنطن ضغوطها الاقتصادية على طهران، إذ توعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالرد بقوة على الهجمات الإيرانية التي استهدفت مواقع أميركية في الشرق الأوسط، فيما كشفت واشنطن عن إجراءات جديدة تهدف إلى عزل الاقتصاد الإيراني وقطع شرايين الدعم المالي عنه.
وقال ترمب إن الولايات المتحدة سترد على الهجمات الإيرانية الأخيرة، مؤكدا أن الرد سيكون قويا، في وقت أعلنت فيه القوات الأميركية للمرة الأولى منذ أواخر يوليو تنفيذ ضربة استهدفت منصتي إطلاق صواريخ إيرانيتين في جزيرة لارك الواقعة في مضيق هرمز الاستراتيجي.
وردت إيران بشن هجمات بصواريخ وطائرات مسيرة استهدفت مواقع أميركية.
وأدى تجدد التصعيد إلى ارتفاع أسعار النفط، متجاوزا سعر برميل برنت حاجز 90 دولارا، وسط مخاوف من اتساع المواجهة وتأثيرها في حركة الملاحة وإمدادات الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز.
وتصاعدت المخاوف على حركة الملاحة في المضيق بعدما أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إصابة سفينة بثلاثة مقذوفات غير محددة أثناء عبورها المنطقة، ما أدى إلى اندلاع حريق على متنها دون تسجيل إصابات بشرية أو أضرار بيئية.
وقالت الهيئة إن الحادث وقع على مسافة 17 ميلا بحريا شرق مدينة خصب العمانية، في حين دعت الأمم المتحدة إلى أقصى درجات ضبط النفس واستئناف الحوار بين الطرفين.
وأوضحت الولايات المتحدة أن ضرباتها على جزيرة لارك استهدفت منع إيران من نشر مزيد من الألغام البحرية في المضيق، بعد أيام من إعلان واشنطن تطهيره من الألغام، وقال المتحدث باسم القيادة المركزية الأميركية تيم هوكينز إن قوات الحرس الثوري رصدت وهي تستعد لإطلاق صواريخ محملة بألغام بحرية باتجاه مضيق هرمز.
وأفادت وسائل إعلام إيرانية بمقتل ثلاثة أشخاص وإصابة سبعة آخرين جراء الضربات، بينما نفت القيادة المركزية الأميركية ما أعلنته إيران عن اشتعال ناقلة نفط بعد اصطدامها بلغمين بحريين، مؤكدة عدم اصطدام أي سفينة بألغام في المضيق.
ويأتي التصعيد مع دخول الحرب شهرها السابع منذ بدء الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير، وبعد فترة من الهدوء العسكري استمرت نحو شهر، في وقت تراجعت فيه فرص التوصل إلى تسوية نهائية رغم الجهود الدبلوماسية التي قادتها دول عدة بينها باكستان وقطر.
وكان وقف لإطلاق النار قد أنهى العمليات العسكرية في أبريل، كما جرى توقيع مذكرة تفاهم في يونيو تمهيدا لإرساء سلام نهائي، إلا أن المحادثات تعثرت لاحقا، لتنتقل واشنطن إلى ممارسة ضغوط اقتصادية واسعة على طهران.
وكشف وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت عن خطة لتشديد الخناق الاقتصادي على إيران، متوعدا بقطع شرايين الدعم المالي عنها وفرض عقوبات ثانوية على الدول والجهات التي تواصل التعامل معها، بما في ذلك الجهات التي تسهل عمليات غسل الأموال أو تساعد طهران في الوصول إلى النظام المالي العالمي.
وقال بيسنت إن واشنطن تستهدف قطع كل شريان اقتصادي يبقي النظام الإيراني قائما، مؤكدا أن الجهات التي ترفض الانضمام إلى العقوبات الأميركية ستشارك إيران عزلتها، في وقت تعمل فيه الإدارة الأميركية على حشد دول أخرى لوقف تعاملاتها الاقتصادية مع طهران.
وتشمل الإجراءات الجديدة قطاعات الأصول الرقمية والتكنولوجيا والذهب والطيران والشحن البحري، فيما أكد بيسنت أن العقوبات يمكن أن تطال أي جهة تتعامل مع إيران، مشيرا إلى أن البنوك الصينية ليست مستثناة من الإجراءات الأميركية.
وتعد الصين الشريان المالي الأهم لإيران، إذ تستورد النسبة الأكبر من النفط الإيراني، غير أن العقوبات والحصار البحري أديا إلى تراجع صادرات النفط عبر مضيق هرمز من نحو مليوني برميل يوميا قبل الحرب إلى نحو 400 ألف برميل يوميا بحلول منتصف أغسطس وفقا لبيانات شركة كبلر المتخصصة في تتبع حركة الملاحة البحرية.
وتتعامل واشنطن بحذر مع الصين في ملف العقوبات، إذ فرضت حتى الآن عقوبات على مصافي تكرير صينية مستقلة تتعامل مع النفط الإيراني، لكنها تجنبت استهداف أكبر البنوك الصينية التي تمول تلك التجارة، وسط مخاوف من تصعيد الخلاف مع بكين.
وتواجه طهران هذه الضغوط بتأكيد قدرتها على الصمود، إذ أعلن وزير الاقتصاد الإيراني علي مدني زاده امتلاك بلاده خطة تمتد لعامين للتعامل مع العقوبات الجديدة، بينما اعتبر نائب وزير الخارجية كاظم غريب آبادي أن التصعيد الاقتصادي الأميركي يعكس فشل واشنطن في تحقيق أهدافها بالقوة العسكرية.
ويرى خبراء أن الإجراءات الجديدة قد تلحق أضرارا كبيرة بالاقتصاد الإيراني، إلا أن قدرتها على دفع النظام إلى تقديم تنازلات لا تزال موضع شك، في ظل امتلاك طهران خبرة طويلة في التعامل مع العقوبات وتطوير شبكات مالية وتجارية للالتفاف عليها.
وتزامنت الضغوط الاقتصادية مع استمرار الحصار البحري الأميركي الذي أثر في وصول إمدادات الوقود إلى إيران التي تعاني نقصا في الإنتاج المحلي، بينما أدى استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز إلى الإضرار بحركة التجارة العالمية ورفع أسعار النفط نتيجة المخاوف من نقص الإمدادات.
وفي الداخل الإيراني، تزداد الضغوط المعيشية على السكان بعد سنوات من التضخم المرتفع، إذ يخشى محللون أن تؤدي العقوبات الجديدة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية، في وقت شهدت فيه البلاد خلال ديسمبر ويناير احتجاجات واسعة على خلفية تدهور الظروف المعيشية.
وقال الباحث في مجموعة الأزمات الدولية علي واعظ إن واشنطن تسعى إلى فرض أقصى درجات الضغط الاقتصادي باستخدام أدوات متعددة، مشيرا إلى أن إيران واجهت مثل هذه الضغوط في السابق، فيما أكد أن الولايات المتحدة قادرة على إلحاق أضرار كبيرة بالاقتصاد الإيراني، لكن طهران تعتقد أنها قادرة على استيعابها والرد عليها بوسائل عسكرية.
وفي الجانب الدبلوماسي، استمرت التحركات الرامية إلى إنهاء النزاع، إذ زار قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير إيران أمس وأجرى لقاءات مع الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان ورئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي، في إطار مساعي إسلام آباد لدفع الطرفين نحو استئناف الحوار.
وجاءت الزيارة بعد اتصال بين ترمب والمشير منير، فيما لعبت باكستان دورا رئيسيا في الوساطة التي أسهمت في التوصل إلى وقف لإطلاق النار في أبريل قبل أن ينهار لاحقا، بينما من المقرر أن يزور وزير الخارجية العماني إيران في إطار جهود مسقط وطهران لتنظيم حركة المرور عبر مضيق هرمز.
وأكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن حل النزاع يكمن في احترام الولايات المتحدة التزاماتها والتقيد بما جرى توقيعه في مذكرة التفاهم، معتبرا أن الالتزام بهذه التعهدات يمكن أن يمهد لعودة الأمور إلى مسارها الطبيعي.
ومع استمرار تبادل الضربات والتهديدات، تؤكد واشنطن أن خيار التصعيد العسكري لا يزال قائما بالتوازي مع تشديد العقوبات الاقتصادية، بينما تراهن طهران على قدرتها على الصمود والرد، ليبقى مضيق هرمز والملف النووي والعقوبات محاور رئيسية في المواجهة بين البلدين.
إقرأ المزيد


