هجرة الأطباء من مصر.. أزمة تتجاوز تدني الأجور
سكاي نيوز عربية -

كان يتوقع فياض حينها أن تكون تلك اللحظة بداية حلم طويل، بعد سنوات من الدراسة والسهر والامتحانات، لينطلق أخصائي المسالك البولية الشاب إلى حياته المهنية.

لكن الحلم لم يصمد طويلا أمام واقع مختلف تماما، نوبات عمل طويلة وشاقة تمتد من الثامنة صباحا حتى الثالثة فجرا، مكافأة لا تكفي أبسط احتياجات الحياة، وأقسام استقبال تتكرر فيها الاعتداءات على الأطباء.

وعاما بعد عام، بدأ فياض يدرك أن القسم الذي رفع يده ليؤديه لا يقابله أجر لائق ولا حماية كافية، ولا تدريب كاف، ليتحول سؤاله من "كيف أطور نفسي هنا؟"، إلى "هل ما زال هنا ما يستحق البقاء؟".

الإجابة جاءت بعد 5 سنوات فقط من العمل في إحدى المستشفيات الحكومية المصرية: الهجرة إلى الخارج، إلا أن قصة فياض ليست استثناء، بل هي نموذج مصغر لأزمة أكبر.

الأزمة بالأرقام

من بين كل طبيبين مصريين مقيدين بنقابة الأطباء، هناك واحد على الأقل إما هاجر للعمل خارج البلاد، أو ترك المهنة نهائيا.

وهذا الرقم وحده كفيل بأن يفتح ملفا شائكا لطالما تعامل معه المسؤولون كظاهرة عالمية لا تستدعي القلق، بينما يراه الأطباء أنفسهم أزمة وجود تهدد مستقبل المنظومة الصحية بأكملها.

فبحسب تقديرات متداولة داخل الأوساط الطبية، يبلغ عدد الأطباء المقيدين في نقابة الأطباء المصرية نحو 350 ألفا، إلا أن أكثر من نصف هذا العدد بين مهاجر للخارج أو ترك من المهنة كليا.

ولو بقي هؤلاء جميعا داخل مصر، لكانت نسبة الأطباء لكل ألف مواطن قد قفزت إلى مستويات عالمية، وهو ما يكشف أن جوهر الأزمة ليس نقصا في أعداد الخريجين، بل عجزا في قدرة المنظومة على الاحتفاظ بمن تُخرجهم.

2800 جنيه شهريا

يبدأ مشوار الطبيب المصري من نقطة لا تشبه بداية أي مهنة أخرى، سنوات دراسة طويلة، تليها سنة "الامتياز" التي يفترض أن تكون بوابة الاحتراف، لكنها تتحول عمليا إلى اختبار قاس تكشف عنه نصوص القانون، فبحسب المادة الثالثة من القانون رقم 18 لسنة 2023، "تصرف لطبيب الامتياز مكافأة شهرية بقيمة مقطوعة تبلغ 2800 جنيه (نحو 55 دولار)، قابلة للزيادة بقرار من رئيس مجلس الوزراء بعد العرض على وزير التعليم العالي وشيخ الأزهر.

هذا المبلغ لم يتغير عمليا منذ صدور القانون، رغم ارتفاع الأسعار وزيادة الحد الأدنى للأجور، والمفارقة أن هذا النص جاء ليعدل حكما سابقا كان أكثر إنصافا، فالمادة الثالثة (مكرر) من القانون رقم 153 لسنة 2019، المعدل لبعض أحكام القانون رقم 415 لسنة 1954 بشأن مزاولة مهنة الطب، كانت قد نصت على أن يمنح طبيب الامتياز مكافأة تعادل 80 بالمئة من إجمالي ما يتقاضاه الطبيب المقيم، ومع ارتفاع راتب الطبيب المقيم حاليا إلى ما يقارب 7 آلاف جنيه، فإن تطبيق تلك النسبة كان من شأنه رفع مكافأة الامتياز إلى ما يقارب 5600 جنيه شهريا، أي أكثر من ضعف ما يتقاضاه اليوم، إلا أن القانون الأحدث جمد المكافأة عند رقم مقطوع، مما دفع نقابة الأطباء لمطالبات متكررة بربطها من جديد بنسبة من راتب الطبيب المقيم.

أما طلاب كليات الطب في الجامعات الخاصة والأهلية فلا يحصلون أصلا على أي مكافأة خلال سنة الامتياز، بل يدفعون رسوما نظير تدريبهم.

هذه الفجوة بين النص القانوني والتطبيق الفعلي أحد أبرز الأسباب التي يذكرها الأطباء أنفسهم، حين يشرحون لماذا تتحول فكرة السفر من خيار إلى ضرورة.

5 أبواب للهجرة

يحدد عضو مجلس نقابة الأطباء المصرية الدكتور إبراهيم الزيات في تصريحات لـ"سكاي نيوز عربية"، 5 محاور رئيسية تفسر أزمة الهجرة، بحيث تتجاوز مسألة الراتب وحدها، وهي:

تفاوت الأجور: فجوة مالية كبيرة بين أطباء منظومة التأمين الصحي الشامل ونظرائهم في المنظومة التقليدية، رغم تطابق طبيعة العمل.

التهديد الأمني: ضعف الحماية داخل المستشفيات، وتكرار الاعتداءات البدنية على الأطباء في أقسام الاستقبال، مقابل عقوبات لا تتجاوز الغرامات المالية البسيطة، على عكس القوانين الرادعة المطبقة في دول أخرى.

تراجع التدريب: غياب منظومة واضحة للتعليم الطبي المستمر، وسط توسع في أعداد الخريجين دون بنية تحتية كافية لاستيعابهم.

الملاحقة القضائية: تجريم الأخطاء والمضاعفات الطبية وحبس الأطباء بدلا من الاكتفاء بالتعويض المدني، وهو ما يدفع كثيرين لتجنب التعامل مع الحالات عالية الخطورة خوفا من المساءلة الجنائية.

التعنت الإداري: نقص الأدوية والأجهزة، وقرارات تعسفية بمنع الإجازات أو رفض الاستقالات، بدلا من معالجة جذور المشكلة.

اختار الهجرة والبقاء

ليس كل من فكر في الهجرة نفذ الفكرة، فقد كانت خيارا مطروحا بقوة في بداية مشوار استشارية طب الأطفال.

الدكتورة شيماء طلال، مثل كثير من زملائها، لكن الزمن غيّر المعادلة: عيادة خاصة، اسم مهني، علاقة راسخة مع المرضى، ومسؤوليات أسرية جعلت القرار أعقد من مجرد مقارنة بين راتبين.

ترى طلال أن دوافع هجرة الأطباء لا تتوقف عند حدود المال، بل تمتد إلى البحث عن بيئة عمل أكثر تنظيما، وساعات عمل مقبولة، وتقدير مهني حقيقي، وفرص واضحة للتخصص والبحث العلمي.

لكنها في المقابل تحذر من الصورة المثالية التي يراها كثيرون عن الخارج، طبيب يبدأ من الصفر، لغة جديدة، امتحانات معادلة، وضغط لإثبات الذات في مجتمع جديد، مقابل ثمن شخصي يدفعه بعيدا عن الأسرة والوطن.

تختصر الطبيبة شيماء تجربتها في سؤال واحد: "أين أستطيع أن أبني الحياة التي أريد أن أعيشها؟".

على الجانب الآخر، يقدم الدكتور ماجد فياض استشاري المسالك البولية، شهادة مختلفة، مؤكدا في تصريحات لـ"سكاي نيوز عربية" أن هجرته كانت بسبب تدني الأجور، إضافة إلى أسباب أخرى عامة على رأسها غياب حدود واضحة للأدوار المهنية لكل طبيب بحسب خبرته واستمرار الاعتداءات على المنشآت الصحية، والمحاكمة الجنائية للأطباء عن أخطاء طبية بدلا من وجود قضاء طبي متخصص.

ويستعيد فياض تجربته كطبيب مبتدئ في مصر، حين كان يعمل ساعات متواصلة من الثامنة صباحا حتى الثالثة فجرا، في ظل فرص تدريب محدودة دفعته للبحث عن بدائل خارج الحدود.

ورغم ذلك، يؤكد أن غالبية الأطباء المصريين بالخارج "يتمنون العودة لو تحسنت الظروف".



إقرأ المزيد