السعودية وفرنسا.. قرن من العلاقات وشراكة إستراتيجية تمتد من السياسة إلى الاقتصاد والثقافة
جريدة الرياض -

تتسم العلاقات بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الفرنسية بالتطور المستمر، واتساع مجالات التعاون في عدد من القطاعات الحيوية، إلى جانب تقارب وجهات النظر حيال العديد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

وتكتسب العلاقات السعودية - الفرنسية أهمية خاصة في ظل امتدادها التاريخي وما شهدته من تطور متدرج نحو شراكة إستراتيجية، بالتزامن مع تسارع المتغيرات الإقليمية والدولية التي تفرض مزيداً من التشاور وتنسيق المواقف بين المملكة والدول الصديقة، وفي مقدمتها فرنسا.

وتتسع آفاق التعاون بين البلدين لتشمل مجالات الطاقة، والصناعة والتعدين، والزراعة، والصحة والرعاية الصحية، والتكنولوجيا الحيوية، والاتصالات وتقنية المعلومات، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات الكمية، والفضاء، والمدن الذكية والمستدامة، والسياحة والثقافة، إلى جانب مجالات استثمارية وتجارية أخرى.

وتعود بدايات العلاقات بين المملكة وفرنسا إلى نحو 100 عام، حين أرسلت فرنسا عام 1926 قنصلاً مكلفاً بالأعمال الفرنسية لدى المملكة، قبل أن تنشئ بعثة دبلوماسية في جدة عام 1932، لتتواصل بعد ذلك خطوات تطوير العلاقات بين البلدين في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والتنموية.

ودخلت العلاقات مرحلة جديدة عقب زيارة الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود - رحمه الله - إلى فرنسا عام 1967 ولقائه الرئيس الفرنسي شارل ديغول، إذ أسهمت الزيارة في توسيع مجالات التعاون بين البلدين وتعزيز العلاقات بما يخدم مصالحهما المشتركة.

وشهد تاريخ العلاقات السعودية - الفرنسية تبادل الزيارات بين قيادتي البلدين وكبار المسؤولين، بما أسهم في توثيق العلاقات وتطويرها وتعزيز التنسيق في الملفات ذات الاهتمام المشترك.

وفي عام 1986، افتتح خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود - حفظه الله - حينما كان أميراً لمنطقة الرياض، والرئيس الفرنسي آنذاك جاك شيراك، معرض «المملكة بين الأمس واليوم» في باريس، الذي أتاح للزوار التعرف على تاريخ المملكة وتقاليدها وقيمها الدينية والحضارية ومسيرة نموها ومنجزاتها الحديثة.

كما زار خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود - حفظه الله - الجمهورية الفرنسية عام 1997، ووقع مع عمدة باريس جان تيبري ميثاق تعاون وصداقة بين مدينتي الرياض وباريس.

وفي إطار استمرار مسار العلاقات بين البلدين، جاءت زيارة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء - حفظه الله - إلى فرنسا عام 2018، لتدفع العلاقات الثنائية إلى مرحلة جديدة، بما يتواءم مع البرامج المشتركة والمشروعات التنموية.

وشهدت الزيارة توقيع 19 بروتوكول اتفاق بين شركات سعودية وفرنسية بقيمة إجمالية تزيد على 18 مليار دولار، وشملت قطاعات صناعية من بينها البتروكيماويات ومعالجة المياه، إضافة إلى السياحة والثقافة والصحة والزراعة.

وفي ديسمبر 2021، استقبل صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء - حفظه الله - الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وعقد الجانبان جلسة مباحثات رسمية استعرضا خلالها العلاقات التاريخية والإستراتيجية بين المملكة وفرنسا في مختلف المجالات.

وأكد الجانبان خلال اللقاء أهمية تعزيز العمل المشترك والدفع بالعلاقات الثنائية نحو مزيد من التعاون المبني على الثقة والمصالح المشتركة، بما يعزز الشراكة الإستراتيجية بين البلدين.

وشهدت الزيارة توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في المجالات الثقافية والسياحية والتقنية الرقمية والفضاء، إلى جانب اتفاقية إنشاء المركز الثقافي الفرنسي «فيلا الحجر» في محافظة العلا، وإقامة منشأة لإنتاج هياكل الطائرات في مجال الصناعات العسكرية، وصيانة محركات الطائرات.

كما حققت زيارتا سمو ولي العهد إلى الجمهورية الفرنسية في يوليو 2022 ويونيو 2023 نتائج أسهمت في توسيع نطاق التعاون وتنمية العلاقات الثنائية.

وبناءً على توجيه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود - حفظه الله -، وبدعوة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، التقى سمو ولي العهد خلال زيارته إلى فرنسا في يوليو 2022 الرئيس الفرنسي، حيث عقد الجانبان جلسة مباحثات رسمية تناولت العلاقات التاريخية والإستراتيجية بين البلدين وسبل تطويرها في مختلف المجالات، إلى جانب تبادل وجهات النظر حول الأوضاع الإقليمية والدولية.

وشملت المباحثات سبل تعميق الشراكة الاستثمارية من خلال رفع وتيرة التعاون الاقتصادي والاستثماري، وتعزيز التعاون في مجالات الطاقة المتجددة، ومن بينها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين النظيف.

كما تناولت الالتزام بمبادئ الاتفاقية الإطارية للتغير المناخي واتفاق باريس، وضرورة تطوير وتنفيذ الاتفاقيات المناخية بالتركيز على الانبعاثات وليس على المصادر.

وبحث الجانبان جوانب الشراكة الإستراتيجية وسبل تطويرها، وأهمية استقرار أسواق الطاقة العالمية، وضمان استقرار الإمدادات الغذائية من القمح والحبوب لجميع دول العالم، والحفاظ على وفرة المعروض واستقرار الأسعار.

وأكدت المباحثات أهمية التقييم المستمر للتهديدات المشتركة لمصالح البلدين وأمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط، إلى جانب تعزيز التعاون والشراكة في المجالات الدفاعية.

وتناولت كذلك تطوير التعاون والتنسيق في الملفات ذات الاهتمام المشترك، ومن بينها مكافحة الإرهاب وتمويله، ومكافحة الجرائم بمختلف أشكالها، وتبادل الخبرات والتدريب.

كما تطرقت إلى أهمية حل النزاعات الدولية بالطرق الدبلوماسية والسلمية، والالتزام بميثاق الأمم المتحدة ومبادئ حسن الجوار، واحترام وحدة وسيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

وفي يونيو 2023، التقى سمو ولي العهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، كما ترأس سموه وفد المملكة المشارك في قمة «من أجل ميثاق مالي عالمي جديد» التي عقدت في باريس، وشارك في حفل استقبال المملكة الرسمي لترشح الرياض لاستضافة «إكسبو 2030».

نقلة نوعية نحو شراكة إستراتيجية مستدامة

شهدت العلاقات السعودية - الفرنسية نقلة جديدة مع الإعلان عن خارطة طريق الشراكة الإستراتيجية خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى المملكة في ديسمبر 2024.

واستقبل صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، في الديوان الملكي بقصر اليمامة في الرياض، الرئيس الفرنسي، حيث عقدا لقاءً موسعاً وآخر ثنائياً.

وشهد سمو ولي العهد والرئيس الفرنسي توقيع مذكرة تفاهم لتشكيل مجلس الشراكة الإستراتيجية، برئاسة مشتركة من سمو ولي العهد والرئيس الفرنسي.

ويمثل المجلس إطاراً مؤسسياً شاملاً لتطوير العلاقات الثنائية وتعزيز التعاون في القطاعات الإستراتيجية، بما يسهم في تعميق العلاقات السعودية - الفرنسية والانتقال بها إلى شراكة أكثر تنظيماً واستدامة.

وفي الشأن السياسي، قادت المملكة وفرنسا جهوداً دولية لدعم القضية الفلسطينية وتنفيذ حل الدولتين، وتجلى ذلك في رئاستهما المشتركة للمؤتمر الدولي بشأن التسوية السلمية للقضية الفلسطينية وتنفيذ حل الدولتين، الذي عقد في نيويورك في سبتمبر 2025.

واستهدف المؤتمر وضع مسار واضح يفضي إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وصدر عنه «إعلان نيويورك»، الذي أسهم في الدفع بالجهود الدبلوماسية المتعلقة بالاعتراف بدولة فلسطين، ليبلغ عدد الدول المعترفة بها 159 دولة حتى الآن.

ويعمل البلدان على الإسهام في تحقيق الأمن والاستقرار والسلام إقليمياً ودولياً، كما يبذلان جهوداً دبلوماسية تتعلق بأمن وحرية الملاحة البحرية.

وتنظر فرنسا إلى شراكتها مع المملكة بوصفها شراكة وثيقة، في ظل الدور الذي تؤديه المملكة في دعم أمن واستقرار المنطقة.

ويحرص البلدان على تعزيز التعاون والتنسيق في المجالات الدفاعية، بما يخدم المصالح المشتركة ويدعم الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.

كما يعملان على رفع مستوى التعاون الأمني في مجالات مكافحة الجرائم بمختلف أشكالها، ومكافحة الإرهاب والتطرف وتمويلهما، إلى جانب الأمن السيبراني.

وفي مجال الطاقة، يثمّن الجانب الفرنسي دور المملكة في دعم توازن أسواق النفط العالمية واستقرارها، وتعزيز موثوقية الإمدادات بصفتها مصدراً رئيساً للنفط الخام.

كما يثمّن الجهود والمبادرات التي تبذلها المملكة لضمان استمرار ومرونة سلاسل الإمداد، بما يسهم في الحد من تقلبات الأسواق وتعزيز أمن الطاقة العالمي.

وفي الشأن البيئي، يحظى دور المملكة في العمل المناخي باهتمام الجانب الفرنسي، ومن ذلك إطلاق «مبادرة السعودية الخضراء» على المستوى الوطني و«مبادرة الشرق الأوسط الأخضر» على المستويين الإقليمي والعالمي.

وتؤكد المملكة وفرنسا التزامهما بدعم الحلول المرتبطة بالحصول على المياه النظيفة والإدارة المستدامة للمياه.

وجسدت «قمة المياه الواحدة»، التي عقدت في الرياض في 3 ديسمبر 2024، برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وبمشاركة رئيس جمهورية كازاخستان ورئيس البنك الدولي، أحد أوجه التعاون السعودي - الفرنسي في قضايا المياه.

وتناولت القمة دعم أجندة التعاون الدولي لإدارة المياه، وإيجاد حلول لأهداف التنمية المستدامة المرتبطة بالمياه والأمن الغذائي والطاقة، وحشد الجهود الدولية تجاه قضايا المياه وتحسين كفاءة الحوكمة، في وقت أطلقت فيه المملكة منظمة عالمية للمياه.

كما أعرب الجانبان عن دعمهما لتحالف صناديق الثروة السيادية «الكوكب الواحد»، تماشياً مع التزامهما بدعم خفض الانبعاثات عالمياً وإدراج اعتبارات المناخ في الاستثمارات.

وانعقدت القمة السنوية السابعة لمديري صناديق الثروة السيادية «الكوكب الواحد» في 3 ديسمبر 2024 بمدينة الرياض، باستضافة صندوق الاستثمارات العامة.

وأسهمت شبكة الثروة السيادية «الكوكب الواحد»، منذ تأسيسها عام 2017، في دعم الجهود الرامية إلى إدماج اعتبارات تغير المناخ في إدارة الأصول على مستوى العالم.

وفي جانب التعاون النيابي والقضائي، عمل البلدان على تطوير آليات التنسيق بما يسهم في التصدي للجرائم ذات البعد الدولي والعابرة للحدود.

وشمل التعاون تبادل المعلومات والأدلة، وتفعيل المساعدة القانونية المتبادلة، والتنسيق في إجراءات التحقيق القضائي والقضايا ذات الصلة، وملاحقة المطلوبين دولياً، واسترداد الأموال والأصول المتحصلة من الجريمة، وفقاً للأنظمة الوطنية والاتفاقيات الدولية النافذة ومبدأ المعاملة بالمثل.

ويأتي هذا التعاون ضمن الاختصاصات التي تضطلع بها نيابة التعاون الدولي في النيابة العامة، من خلال التواصل والتنسيق مع الجهات القضائية النظيرة، والتعامل مع طلبات المساعدة القانونية المتبادلة والإنابات القضائية، ومتابعة المسائل المرتبطة بالقضايا والجرائم العابرة للحدود.

ويسهم ذلك في تعزيز سرعة وفاعلية الإجراءات، وتبادل الخبرات والممارسات ذات الصلة، ودعم الجهود المشتركة لمكافحة الجريمة.

تعاون اقتصادي واستثماري متنامٍ

في الجانب الاقتصادي والتجاري، يعمل البلدان على توسيع التعاون والاستثمار في مجالات الطاقة المتجددة والكهرباء وكفاءة الطاقة والابتكار وتقنيات إزالة الكربون.

وتشمل مجالات التعاون توليد الكهرباء من المصادر المتجددة، ومن بينها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتطوير مشروعاتها، إلى جانب النقل والتوزيع والتخزين وأتمتة الشبكات، والتقاط الكربون واستخدامه وتخزينه، والهيدروجين والكهرباء منخفضة الانبعاثات، إضافة إلى البترول وإمداداته والبتروكيماويات والاستخدامات السلمية للطاقة النووية.

وأثمرت جهود التعاون بين المملكة وفرنسا بلوغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 11.5 مليار دولار في عام 2025.

ويعمل الجانبان على تعزيز العلاقات الاقتصادية والاستثمارية وتنمية التبادل التجاري من خلال انتظام اجتماعات مجلس الأعمال السعودي - الفرنسي، وتكثيف تبادل الزيارات بين الوفود التجارية والاستثمارية، وتشجيع المشروعات المشتركة، وتنظيم الفعاليات التجارية والاستثمارية لبحث الفرص في القطاعات الإستراتيجية.

وتربط البلدين مشروعات مشتركة في مجال النفط الخام والغاز ومشتقاتهما والصناعات البتروكيماوية.

وفي عام 2019، أطلقت أرامكو السعودية و«توتال» مشروعاً مشتركاً بالمناصفة لبيع الوقود بالتجزئة داخل المملكة، من خلال الاستحواذ على شركة التسهيلات للتسويق التي تشغل حالياً 170 محطة وقود.

وتم حتى الآن تطوير وتأهيل أكثر من 55 محطة وقود تحت العلامتين التجاريتين لأرامكو السعودية و«توتال»، بهدف تعزيز حضورهما في قطاع البيع بالتجزئة في المملكة، إلى جانب وجود ما يقارب 25 محطة وقود تحت التطوير والإنشاء حالياً.

كما توجد شراكة بين أرامكو السعودية و«توتال» الفرنسية في مشروع مصفاة «ساتورب» بمدينة الجبيل الصناعية، التي تبلغ طاقتها التكريرية 460 ألف برميل يومياً.

وتمتلك أرامكو السعودية 62.5 في المئة من أسهم الشركة، فيما تمتلك «توتال» الفرنسية 37.5 في المئة.

وتعمل الشركتان على تطوير مشروع «أميرال»، الذي يستهدف إضافة مجمع متكامل للبتروكيماويات في مصفاة «ساتورب» بالجبيل، بتكلفة تبلغ 11 مليار دولار.

ووقعت عقود الهندسة والتوريد والإنشاء في يونيو 2023، كما جرى برعاية وزارة الطاقة في أبريل 2026 توقيع اتفاقية استثمارية بين وزارة الاستثمار وشركة «ساتورب» لتقديم الحوافز المطلوبة لمشروع «أميرال».

وتشمل فرص التعاون المستقبلية بين المملكة وفرنسا تبادل التجارب والخبرات في تطبيقات الاقتصاد الدائري للكربون، وتقنيات حجز الكربون وتخزينه وإعادة استخدامه «CCUS»، خصوصاً في القطاعات التي يصعب خفض انبعاثاتها، مثل النقل الجوي والبحري والإسمنت والبتروكيماويات.

كما تشمل تعزيز مشاركة الشركات من الجانبين في تنفيذ مشروعات قطاع الكهرباء والطاقة المتجددة في البلدين، بما في ذلك التوليد والنقل والتوزيع وأتمتة الشبكات وأمن الشبكة الكهربائية ومرونتها، ومشروعات الطاقة المتجددة وربطها بالشبكة وتقنيات تخزين الطاقة.

ويمتد التعاون إلى مجالات البحث والتطوير ودراسات النظام الكهربائي وتخزين الطاقة، بما في ذلك أثر دخول الطاقة المتجددة والربط الكهربائي مع الدول وتجارة الكهرباء، إلى جانب التدريب وبناء القدرات، وزيادة مشاركة الشركات الفرنسية في مشروعات الطاقة المتجددة المستقبلية.

وتشارك شركتا «توتال للطاقة» و«إي دي إف» الفرنسية في تطوير عدد من مشروعات الطاقة المتجددة ضمن البرنامج الوطني للطاقة المتجددة.

وتشمل مشروعات «إي دي إف» محطة طاقة الرياح في دومة الجندل بسعة 400 ميجاواط، ومشروع الطاقة الشمسية في مدينة جدة بسعة 300 ميجاواط، ومشروع «الحناكية» للطاقة الشمسية بسعة إجمالية تبلغ 1100 ميجاواط، ومشروع «الحناكية 2» بسعة 400 ميجاواط، ومشروع «المصع» للطاقة الشمسية بسعة 1000 ميجاواط، إضافة إلى ترسية مشروع «صامطة» للطاقة الشمسية بسعة 600 ميجاواط على تحالف يضم الشركة.

أما مشروعات «توتال» للطاقة فتشمل مشروع «وادي الدواسر» لإنتاج 112 ميجاواط من الطاقة الشمسية، ومشروع «رابغ 2» للطاقة الشمسية بسعة 300 ميجاواط، وترسية مشروع «السفن» للطاقة الشمسية بسعة 400 ميجاواط على تحالف يضم الشركة.

ويواصل البلدان بحث فرص التعاون في منظومة قطاع الطاقة بما يخدم التوجهات والخطط المستقبلية لكليهما، من خلال استخدام الموارد المحلية، وتبادل الخبرات، وتطوير المشروعات المشتركة، وتعزيز واستدامة سلاسل إمداد قطاع الطاقة لتلبية الطلب المحلي والتصدير إلى الأسواق العالمية.

وتعد فرنسا من الدول ذات الحضور الاستثماري الكبير في المملكة، إذ يبلغ عدد الشركات الفرنسية العاملة في السوق السعودية 650 شركة، من بينها 39 شركة اتخذت من المملكة مقراً إقليمياً لها.

وشهد منتدى الاستثمار السعودي - الفرنسي، الذي عقد في ديسمبر 2024 تحت شعار «رؤية السعودية 2030 وخطة فرنسا 2030»، اجتماعات طاولة مستديرة تناولت جودة الحياة والبنية التحتية والترفيه والتحول الاقتصادي والتقنية.

كما شهد المنتدى توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بين مؤسسات من القطاعين الحكومي والخاص في البلدين.

ويتعاون الجانبان في دعم المشروعات والشركات المرتبطة بتحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030، وتعزيز تمويل الصادرات الفرنسية والمشروعات المشتركة.

وفي ديسمبر 2024، وقّع صندوق الاستثمارات العامة والبنك الاستثماري الوطني الفرنسي مذكرة تفاهم تستهدف تعزيز التعاون وتقديم خدمات دعم تمويل بقيمة تصل إلى 10 مليارات دولار لمدة خمس سنوات.

كما وقّع برنامج الربط الجوي السعودي اتفاقية تعاون مع مجموعة «Air France-KLM» لإطلاق رحلات مباشرة بين مطار شارل ديغول في باريس والرياض ابتداءً من صيف 2025.

تعاون تنموي وإنساني

في المجال التنموي، وقّع الصندوق السعودي للتنمية والوكالة الفرنسية للتنمية في أبريل 2018 مذكرة تفاهم تضمنت تخصيص 460 مليون ريال سعودي، بما يعادل نحو 100 مليون يورو، لتمويل مشروعات تنموية في أفريقيا ومنطقة الساحل.

وتشمل الشراكة بين الطرفين تقييم المشروعات والبحث ودراسة الفرص الحيوية ومدى ملاءمتها للتمويل المشترك، إلى جانب تبادل الخبرات الفنية والتقارير والأبحاث والمعرفة في الموضوعات ذات الاهتمام المشترك، بما يسهم في تحقيق الأهداف التنموية للجانبين.

وأسهم التعاون مؤخراً في تمويل مشروع خط الكهرباء بين نواكشوط والنعمة، ومشروع إنشاء وتجهيز معاهد متخصصة في مجالات حيوية في الجمهورية الإسلامية الموريتانية.

وفي إطار الشراكة السعودية - الفرنسية لدعم العمل الإنساني في لبنان، بلغ إجمالي المساعدات الإنسانية والتنموية 32.253.827 مليون دولار أمريكي، وشملت سبعة مشروعات في مجالات الصحة والأمن الغذائي والزراعي والتغذية.

ونفذت هذه المشروعات من خلال مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، بالتعاون مع وزارة الخارجية الفرنسية والوكالة الفرنسية للتنمية «AFD».

كما بلغ إجمالي المنح الدراسية السعودية المقدمة للطلاب والطالبات الفرنسيين 12.906.667 مليون دولار أمريكي، ضمن 17 مشروعاً تتيح لهم الدراسة في مؤسسات التعليم العالي داخل المملكة، ورعايتهم والإسهام في إعداد متخصصين في مختلف المجالات.

العُلا والثقافة والسياحة

في الجانب الثقافي والسياحي، عززت المملكة تعاونها مع فرنسا من خلال تأسيس اللجنة الوزارية السعودية - الفرنسية عام 2018، للإشراف على التطوير الشامل ومسيرة التحول في محافظة العُلا، والعمل على تحويلها إلى وجهة سياحية وثقافية عالمية.

وعملت اللجنة على حماية التراث وتطويره وصون المواقع الأثرية والتاريخية في العُلا، وتمكين التبادل الفني بين البلدين، وجذب الاستثمارات الفرنسية والعالمية إلى المحافظة، إضافة إلى التطوير البشري وبناء القدرات.

وشملت مجالات التعاون الثقافي تطوير منتجع شرعان المنحوت داخل الصخور، الذي صممه المعماري الفرنسي جان نوفيل، وتنفيذ مشروع ترام العُلا الصديق للبيئة بالتعاون مع شركة «ألستوم» الفرنسية.

كما شمل التعاون افتتاح مؤسسة «فيلا الحجر»، بوصفها أول مركز ثقافي سعودي - فرنسي مشترك في العُلا، لتكون منصة للإبداع والفنون البصرية والتبادل الفني.

وامتد التعاون إلى تدريس اللغة الفرنسية لأبناء وبنات المحافظة لتأهيلهم للعمل في قطاعي الضيافة والسياحة، إلى جانب بناء القدرات الوطنية في مجال علم الآثار.

ويمثل التعاون السياحي إحدى أولويات الشراكة الإستراتيجية بين المملكة وفرنسا، وانتقل هذا المجال في يونيو 2026 إلى مستوى تنفيذي من خلال توقيع برنامج عمل مشترك.

ويستهدف البرنامج تنمية الموارد البشرية والتدريب السياحي، وجذب الاستثمار، وتعزيز السياحة المستدامة وتنافسية الوجهات، وتبادل الخبرات، والاستفادة من التقنيات الرقمية والبيانات والذكاء الاصطناعي المرتبط بالسياحة.

تعاون رياضي ممتد

وفي المجال الرياضي، انطلق التعاون الثنائي بين حكومتي البلدين في الرياضة ورعاية الشباب بتوقيع مذكرة تفاهم في باريس عام 1987.

كما صدر إعلان نوايا عام 2018 بين وزارة الرياضة ووزارة الرياضة الفرنسية، وفي عام 2020 امتد التعاون بين معهد إعداد القادة والمعهد الوطني الفرنسي للرياضة والخبرة والأداء بهدف تعزيز التعاون الرياضي.

وتضمنت آلية التعاون في المسودة المحدثة للشراكة الإستراتيجية بين المملكة وفرنسا «خارطة الطريق للعقد القادم» مجالات تبادل الاستثمارات الرياضية، وتنظيم الأحداث الرياضية، وتبادل الخبرات في الطب الرياضي والتدريب، ونشر الرياضة الترفيهية.

وشهدت دورة الألعاب الأولمبية الصيفية الثالثة والثلاثون التي استضافتها باريس في أغسطس 2024 حضوراً رياضياً سعودياً بمشاركة اللجنة الأولمبية والبارالمبية السعودية، عبر 10 لاعبين ولاعبات في منافسات قفز الحواجز والتايكوندو وألعاب القوى والسباحة.

مكانة قيادية وآفاق إستراتيجية واعدة

وتأتي «زيارة الدولة» التي يجريها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء - حفظه الله - إلى الجمهورية الفرنسية، تلبية لدعوة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في امتداد لمسار العلاقات المتنامية بين البلدين.

وتعكس الزيارة مستوى العلاقات بين الرياض وباريس، ومكانة المملكة السياسية والاقتصادية، ودورها الإقليمي والدولي في الملفات المرتبطة بأمن واستقرار المنطقة والعالم.

كما تجسد حرص قيادتي البلدين على تطوير العلاقات الثنائية، وتعزيز الشراكة الإستراتيجية الشاملة، والاستفادة من الإمكانات السياسية والاقتصادية المتاحة لخدمة المصالح المشتركة.

وتأتي الزيارة كذلك في إطار توجه المملكة نحو تعزيز شراكاتها الإستراتيجية مع القوى الدولية المؤثرة، والمحافظة على علاقات متوازنة معها بما يخدم مصالحها الوطنية ويعزز دورها في منطقة الشرق الأوسط وعلى المستوى الدولي.

ويتطلع البلدان إلى أن تسهم الزيارة في تعزيز الاستفادة من الفرص التي تتيحها رؤية السعودية 2030 وخطة فرنسا 2030، وتطوير الشراكة الاقتصادية في مجالات الاستثمار المشترك والصناعة والطاقة والثقافة والتراث والسياحة والتعليم والتقنية والفضاء والدفاع والأمن وغيرها من المجالات.

وتستند العلاقات السعودية - الفرنسية إلى تاريخ ممتد من التعاون والتشاور والعمل المشترك، فيما يفتح اتساع الشراكات السياسية والاقتصادية والثقافية والتقنية أمام البلدين مجالات إضافية لتعزيز التعاون خلال المرحلة المقبلة، بما يخدم مصالحهما المشتركة ويدعم الأمن والاستقرار والتنمية على المستويين الإقليمي والدولي.



إقرأ المزيد