طلاب غزة.. أحلام الدراسة تتلاشى
جريدة الرياض -

لا يزال عشرات الطلاب الفلسطينيين، الحاصلين على منح دراسية في إيطاليا، ينتظرون إجلاءهم من قطاع غزة في ظل الحصار الإسرائيلي والعراقيل الإدارية؛ مما يهدد بحرمان كثير منهم من فرص متابعة دراستهم الجامعية.

ورغم تمكن أكثر من 200 طالب من الالتحاق بمؤسسات تعليمية إيطالية عبر مشروع "الممر الجامعي" الذي أطلقته الحكومة في روما عام 2025، لا يزال نحو 50 طالباً من غزة ينتظرون الموافقة على مغادرة القطاع الذي دمرت الحرب غالبية مؤسسات التعليم العالي فيه.

وقال أحد الطلاب العالقين في غزة إنه يعيش فترة انتظار طويلة وحالة من عدم اليقين بشأن موعد السفر، وسط خشية حقيقية من فقدان فرصة تعليمية حصل عليها بعد جهد كبير.

وبحسب وزارة الخارجية الإيطالية، انتقل 246 طالباً من الحاصلين على منح دراسية من غزة إلى إيطاليا وسان مارينو بين سبتمبر 2025 ويونيو 2026 ضمن برنامج مخصص للطلاب الفلسطينيين؛ إلا أن عمليات الإجلاء توقفت منذ الأول من يونيو، وفقاً لـ "آنا جادا ألتوماري" (مؤسسة جمعية تساعد الطلاب المقبولين)، والتي عزت التأخير إلى تضارب القواعد وغياب الشفافية في إدارة البرنامج.

وقالت ألتوماري إن الحكومة الإيطالية قادرة على حل المشكلة بسرعة، داعية إلى تسريع الإجراءات. وفي المقابل، لم ترد وزارتا الخارجية والتعليم العالي الإيطاليتان على أسئلة وكالة "فرانس برس" بشأن أسباب تأخر عمليات الإجلاء، كما لم تعلق الخارجية الإسرائيلية.

فرصة وسط الحرب

وفي الوقت الذي ينتظر فيه طلاب في غزة إجلاءهم، يحاول آخرون وصلوا بالفعل إلى إيطاليا بدء حياة أكاديمية جديدة؛ ومن بينهم "ندى أبو ندى" و"محمد عرفات"، اللذان بدآ دراسة الاقتصاد في جامعة "سابينزا" في روما في نوفمبر 2025 بعد حصولهما على شهادة الثانوية العامة في القطاع بمعدلات تجاوزت 99 %.وقالت أبو ندى إنها لم تتمكن من الالتحاق بالجامعة في غزة بسبب اندلاع الحرب وأن خططها الدراسية تبخرت، مشيرة إلى أن معظم الجامعات هناك قد دُمرت. أما عرفات، الذي كان يدرس إدارة الأعمال في جامعة الأزهر بـغزة قبل أن تجبره الحرب على التوقف، فقال إن الطلاب كانوا يركزون فقط على "البقاء على قيد الحياة".وأوضح عرفات أنه وزميلته أُبلاغا من القنصلية الإيطالية في القدس بإجلائهما قبل يوم واحد فقط من موعد السفر، مضيفاً أنه لم يخبر أحداً حتى اليوم الأخير؛ لأنه لم يكن متأكداً من نجاح العملية ولم يكن لديه الوقت الكافي لتوديع عائلته وأصدقائه.

عراقيل بلا تفسير

ويؤكد الطلاب العالقون في غزة أنهم يواجهون عراقيل إدارية في ظل معايير غير واضحة للإجلاء، مشددين على أنهم استوفوا الشروط ذاتها التي طلبت ممن سبقوهم. ويتساءل طالب حاصل على منحة منذ أكتوبر 2025 لدراسة هندسة الحاسوب عما إذا كانت نتيجة اختبار اللغة الإيطالية قد أسهمت في تأخير إجلائه.

وأشار الطالب إلى أنه حاول تعلم اللغة الإيطالية رغم الظروف القاسية من انقطاع للإنترنت وخوف وضغوط الحياة اليومية تحت القصف. وفي يوليو، دعت وزارة الجامعات والبحث العلمي الإيطالية إلى مزيد من المرونة في تطبيق شرط اللغة على الطلاب القادمين من مناطق النزاع، إلا أن ذلك لم يُسهم حتى الآن في حل أزمة المنتظرين في غزة.

وأضاف الطالب أن زملاء له يطمحون لمتابعة دراستهم في تركيا، هولندا، ألمانيا، وبلجيكا يواجهون بدورهِم تأخيرات مماثلة دون تفسيرات واضحة.

من جهتها، أفادت طالبة أخرى بأنها قُبلت في برنامج ماجستير بإيطاليا في يونيو 2025 دون منحة دراسية، إلا أن القنصلية الإيطالية أبلغتها لاحقاً بأن الطلاب غير الحاصلين على منح مالية لن تشملهم عمليات الإجلاء. واستنكرت ألتوماري استبعاد هذه الفئة، مؤكدة أن بعضهم لديهم كفلاء إيطاليون يتكفلون بمصاريفهم.

خيارات قاسية

وإلى جانب العقبات الإدارية، يواجه الطلاب خيارات شخصية صعبة تتعلق بالانفصال عن أسرهم، ولا سيما عدم قدرة الأمهات على مغادرة غزة مع أطفالهن. وقالت ألتوماري إنه من غير المقبول إجبار امرأة على الاختيار بين مواصلة تعليمها أو ترك طفلها خلفها في القطاع.

فيما يعبر طالب هندسة الحاسوب عن إحباط شديد يشاركه فيه المئات من نظرائه، قائلاً: "نحن لسنا مجرد ملفات أو أرقام؛ كل ما نطلبه هو الحصول على الفرصة التي استحقينَاها بألم، وألا تتلاشى أحلامنا بينما ننتظر المجهول".

عنف المستوطنين يضع الجيش الإسرائيلي أمام مأزق

لأكثر من أسبوع، عجز الجيش الإسرائيلي عن إجلاء مجموعة صغيرة من المستوطنين الذين تحصنوا فوق صخور في الضفة الغربية المحتلة؛ ما أثار شكوكاً متزايدة بشأن وجود إرادة حقيقية لوقف تصاعد عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين.

وكان عدد من المستوطنين في بلدة "قصرة" قرب نابلس قد بدأوا بمحاصرة فلسطينيين داخل منازلهم، ما أدى إلى منع وصول الإمدادات الأساسية للمنطقة وأثار إدانات دولية ومحلية واسعة.

ورغم إرسال الجيش الإسرائيلي قوات إلى الموقع أكثر من مرة، وتأكيد الولايات المتحدة أنها طلبت من الحكومة الإسرائيلية التدخل (نظراً لأن أحد المحاصرين يحمل الجنسية الأمريكية)، اقتصرت إجراءات الجيش على توقيف إسرائيلي واحد وتفكيك بعض الخيام، دون إجبار المستوطنين على المغادرة.وما زاد الطين بلة، ظهور صور لجنود وصلوا إلى الموقع وهم يصليّون جنباً إلى جنب مع المستوطنين، قبل أن يعلن الجيش عزمَه اتخاذ إجراءات تأديبية بحقهم. وعاد المستوطنون على متن مركبات رباعية الدفع إلى الموقع، حيث أظهرت مقاطع مصورة مصافحتهم للجنود وتبادل الحديث معهم.

مأزق أمام الجيش

وأوضح "نمرود نوفيك" (المستشار البارز والمبعوث الخاص السابق لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق شيمون بيريز) أن دعم الحكومة للمستوطنين المتطرفين يضع الجيش في موقف مستعصٍ.

ولفت نوفيك إلى أن النتيجة هي "حالة من الشلل"، باستثناء حالات نادرة ترتبط بفداحة الجرم أو بضغط أمريكي مباشر.

يُذكر أن المستوطنات في الضفة الغربية -التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967- تُعد غير قانونية بموجب القانون الدولي. ويقيم في الضفة نحو 3 ملايين فلسطيني، مقابل زهاء نصف مليون مستوطن (دون احتساب أكثر من 200 ألف مستوطن في القدس الشرقية المحتلة).

عنف شبه يومي وتداخل أيديولوجي

يتعرض الفلسطينيون في الضفة الغربية لهجمات مستمرة من المستوطنين منذ سنوات دون تبعات قانونية تذكر، وقد تصاعدت حدة هذه الاعتداءات لتصبح شبه يومية منذ اندلاع الحرب في غزة.

وقال "نداف وايمان" (القناص السابق ورئيس منظمة "كسر الصمت"): "إن بنية الاحتلال تجعل من الصعب على الجنود إنفاذ القانون بحق المستوطنين، بينما تسهل اتخاذ إجراءات قمعية بحق الفلسطينيين". وأضاف أن القواعد التعاملية مع المستوطنين شبه معدومة كونهم يحملون الجنسية الإسرائيلية.

وأشار وايمان إلى أن هذا التردد يعود أيضاً إلى تزايد "التداخل الأيديولوجي" بين المستوطنين والضباط؛ حيث يتخرج الكثير منهم من أكاديميات عسكرية تمهيدية متطرفة، مثل أكاديمية "بني دافيد" في مستوطنة "إيلي" (التي تخرج منها قائد الجيش في الضفة الغربية الميجور جنرال آفي بلوث).

كما زادت حدة هذا التداخل بعد أحداث 7 أكتوبر 2023؛ إذ جند الجيش آلاف المستوطنين في "وحدات الدفاع الإقليمي" لتأمين مستوطناتهم. وبحسب منظمة "يش دين" الحقوقية، تم تسليح نحو 7 آلاف مستوطن وضمهم لهذه الوحدات، والذين يحتفظون بأسلحتهم بصفة دائمة؛ مما يسهم في تصاعد أعمال العنف تحت غطاء زي عسكري.

مسؤولية متنازعة

من جانبه، أعلن الجيش الإسرائيلي أن "الشرطة" هي الجهة الرئيسية المسؤولة عن معالجة انتهاكات المواطنين الإسرائيليين في الضفة، وأن دور الجنود يقتصر على احتجاز المشتبه بهم لحين وصول الشرطة.

وعقب أحداث بلدة "قصرة"، دعا وزير الدفاع الإسرائيلي "يسرائيل كاتس" إلى نقل ملف حفظ النظام بالكامل إلى الشرطة، مؤكداً أن ملاحقة المستوطنين العنيفين ليست من مهام الجيش.

في المقابل، يشكك مراقبون في وجود أي إرادة سياسية لكبح جماح المستوطنين، وحذر "نوفيك" من أن غض الطرف عن هذا العنف المتصاعد قد يفجر مواجهة دامية واسعة النطاق في المنطقة.



إقرأ المزيد