جريدة الرياض - 8/21/2026 3:26:27 AM - GMT (+3 )
توازن عدد السكان مستقبلاً مع متطلبات الجيوش
خريطة الانكماش في المشهد العالمي
تشير التوقعات إلى أرقام صادمة بحلول عام 2050، أن القارات الرئيسية ستشهد انهياراً حاداً في الفئات العمرية التي تشكل العمود الفقري للتجنيد العسكري.لم يعد انخفاض معدلات الخصوبة ظاهرة غربية فحسب، بل انتقلت إلى آسيا، ثم ستصل تدريجياً إلى بقية العالم. والمعدلات تتحدث بوضوح؛ فالبلدان التي كانت تخطط في إدارة المخاطر لجيوشها بالاعتماد على توفير موارد بشرية تجد نفسها أمام معضلة في أعداد التجنيد المطلوبة بما يتناسب مع متطلبات العمليات العسكرية.
انكماش حوض التجنيد
يرى محللون مستقبلاً أن المرشحين الفعليين للخدمة العسكرية آخذون في التضاؤل. هذا ليس بسبب عدم كفاية السكان، بل بسبب عوامل مجتمعة منها: ارتفاع معدلات السمنة والأمراض المزمنة بين الشباب، والرغبة بالتوسع في التعليم الجامعي وسوق العمل الذي ربما يؤجل الرغبة في الالتحاق بالخدمة العسكرية.
ارتفاع التكاليف البشرية للتجنيد
كل مجند جديد أصبح أكثر كلفة مالية في ثلاثة أمور منها: أجور أعلى لجذب المجندين، وتدريب أطول لأنظمة أسلحة أكثر تعقيداً، وتكاليف أكبر للحفاظ على الخبرة المكتسبة. هذا يعني أن هناك متغيرات ستتضح معالمها حين تتوافر لدى المجند الخبرة العسكرية الكافية لفترة طويلة، والنظام يسمح له بالتقاعد، فتصبح الرغبة قوية في العمل لدى الشركات المدنية وهو في سن العطاء.
معضلة ضغوط الإنفاق
هناك معركة صامتة على الموارد المالية العامة بين ما يسمى Guns vs. Canes المدافع مقابل العصي. فالدول الأوروبية مثلاً تجد نفسها مجبرة على زيادة الإنفاق على المعاشات التقاعدية والرعاية الصحية لكبار السن العسكريين، وهو إنفاق آخذ في التوسع مع كل جيل جديد من المتقاعدين.
معضلة التحويل من الكثافة البشرية إلى الكثافة التكنولوجية
من الإجابات البديهية عند كل أزمة موارد بشرية أن يتم التخطيط لاستبدال البشر بالآلات أو الاستغناء أو التقليص، ولكن في المجال العسكري، بدأت دراسات الاستبدال تأخذ أشكالاً ملموسة. الفكرة الأساسية هي أن الذكاء الاصطناعي والروبوتات يمكن أن تعيد تعريف الوحدة العسكرية؛ فبدلاً من آلاف الجنود، الروبوتات ستصبح قادرة على إنتاج كميات ضخمة من الأنظمة غير المأهولة (UAVs، USVs، UGVs) بأسعار منخفضة، جيل كامل من الطائرات المسيرة التي يمكن أن تحل محل كتيبة دبابات.
إن الدول التي تمتلك القدرة الصناعية على إنتاج أعداد كبيرة من المنصات غير المأهولة الجيدة بما يكفي قد تكتسب ميزة استراتيجية حقيقية على الدول التي تركز على إنتاج أنظمة فردية عالية الجودة مستقبلاً.
ما يمكن للآلات أن تحل محله في الجيوش
التقنيات العسكرية الحديثة تستهدف أربع وظائف رئيسية:
المهام الخطرة: هذه هي الوظائف التي يمكن للروبوتات أن تحل محلها دون تردد؛ الدوريات الحدودية، إزالة الألغام، الاستطلاع في البيئات المعادية، نقل اللوجستيات. تحويل هذه الوظائف إلى أنظمة ذاتية يحرر البشر من مخاطر يمكن تجنبها، ويتيح توجيههم نحو المهام التي تتطلب الحكم البشري.
المهام المعرفية الروتينية: تحليل الصور الاستخباراتية، ورصد البيانات، وصيانة السجلات، والتخطيط اللوجستي الأساسي، كلها مجالات يبدأ فيها الذكاء الاصطناعي في تجاوز قدرة البشر في السرعة والدقة. لا يعني هذا استبدال القادة، بل تخفيف العبء عنهم تمهيداً لتوليهم المهام الأكثر تخطيطاً.
مفهوم «OODA Loop» (Observe-Orient-Decide-Act). الذكاء الاصطناعي يمكن القادة من تلقي خيارات محسنة في الوقت الفعلي. فالجيش الألماني يسعى بصراحة لتمكين أنظمة ذكاء اصطناعي لدعم القرار البشري دون أن تحل محله.
المنصات القتالية غير المأهولة: هذا هو الأكثر إثارة للجدل والأكثر تأثيراً. في عام 2024، أعلنت الولايات المتحدة أن طائرة F-16 يقودها الذكاء الاصطناعي خاضت طلعة جوية متساوية تقريباً ضد F-16 يقودها طيار بشري خبير. هذا يفتح الباب أمام أنظمة يمكن نشرها بأعداد ضخمة ودون قلق من الخسائر البشرية.
حدود الاستبدال الآلي
ثمة تحفظات جوهرية يجب عدم التغاضي عنها. الذكاء الاصطناعي، رغم تقدمه، لا يزال يعاني نقاط ضعف منهجية:
الاستجابة للمواقف غير المتوقعة: AI مصمم للتعلم من البيانات المتاحة، لكنه يفتقر إلى المرونة في مواجهة سيناريوهات لم يدرب عليها.
المسؤولية والأخلاق: من يتحمل المسؤولية حين يقتل نظام ذاتي مدنياً خطأً؟
الاعتماد على البنية التحتية: الأنظمة الذاتية تحتاج اتصالات متينة، وأمناً سيبرانياً قوياً، وبنية تحتية لوجستية معقدة. هذه الأنظمة تصبح عديمة الفائدة حين تعطل أو تدمر أو تخترق.
التكلفة الأولية: تطوير ونشر أنظمة ذاتية متقدمة لا يزال مكلفاً للغاية، ربما أكثر تكلفة من التدريب البشري على المدى القصير.
فكرة توسيع قاعدة التجنيد
بدلاً من الاعتماد على الفئة التقليدية (18-34 سنة، ذكور)، يمكن توسيع القاعدة لتشمل:
النساء: في مجتمعات لا تزال الخدمة العسكرية حكراً على الذكور، يمثل دمج النساء مضاعفة فعلية لحوض التجنيد في أمور قيادية وتعليمية واستراتيجية.
غير المواطنين: ألمانيا تناقش فتح التجنيد لمواطني الاتحاد الأوروبي. هذه خطوة حساسة سياسياً، لكنها قد تصبح ضرورة.
رفع سن التجنيد: اليابان رفعت الحد الأقصى للتطوع إلى 32 عاماً. الحلول الراهنة تتجاهل أن الشخص في الثلاثينيات قد يكون أكثر نضجاً وأقل طلباً للبدائل المهنية.
الاحتفاظ والإبقاء: الاحتفاظ بالعناصر المحترفة وأصحاب الخبرة يزيد من توسيع شواغر وظيفية جديدة باستمرار للاعتماد على ذوي الخبرات لمدة طويلة جداً.
الصين والاعتماد على التكنولوجيا المتقدمة
هذا هو المسار الذي تتبناه بكين باستراتيجية الاستخبارات العالية. الفكرة الأساسية هي استبدال الكثافة البشرية بكثافة تكنولوجية. مراكز القتال غير المأهولة (CCAVs)، أسراب المسيرات (drone swarms)، أنظمة الحرب الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي في الدعم القتالي، كلها أدوات تقلل الحاجة لجنود على خط المواجهة.
سيناريو التكيف التقني (التحول الأوسع)
تتكيف الاقتصادات المتقدمة عبر استثمارات ضخمة في الأتمتة والذكاء الاصطناعي. الجيوش تتحول إلى قوات ذكية تعتمد على أنظمة ذاتية التشغيل مع أعداد صغيرة من البشر كمراقبين ومتخذي قرار. في هذا السيناريو، تنجح الدول ذات القاعدة الصناعية والتكنولوجية القوية (الولايات المتحدة، الصين، اليابان في بعض المجالات) للحفاظ على تفوقها العسكري رغم انكماش شعوبها.
سيناريو إعادة التوزيع الجيوسياسي (التحول المؤسسي)
تنهار قدرة الدول المتقدمة على التجنيد العسكري لدرجة تجبرها على الاعتماد المتبادل عسكرياً. مثال: تبرم صفقات تجنيد مشتركة، وفيلق أوروبي موحد يولد من رحم الناتو. في هذا السيناريو، قد تتراجع الهيمنة لصالح تحالفات أكثر توزّعاً. الدول التي تمتلك جيوشاً صغيرة لكنها متكاملة مع حلفاء أقوياء قد تنجح بينما الدول التي ترفض التعاون تبقى وحيدة.
سيناريو الهيمنة (العودة إلى الأساس)
رغم كل التحولات التقنية، يبقى التفوق التكنولوجي ليس بديلاً مطلقاً على الأرض؛ حيث تسعى دول ذات فوائض سكانية أو فوائض التسليح للسيطرة على المورد أو المناطق الحساسة. في هذا السيناريو، قد تنجح دول مثل الهند أو نيجيريا أو إندونيسيا في بناء جيوش قوية بفعل الكتلة البشرية المتوفرة.
سيناريو الصراع غير المتماثل (نهاية الحرب التقليدية)
تستمر التحولات التقنية في تحويل طبيعة الصراع بعيداً عن الحروب البرية الضخمة. المسيرات والذكاء الاصطناعي والحرب السيبرانية تجعل الحروب باهظة الثمن. الدول التي تمتلك الكتلة البشرية لكن تفتقر للتقنية تجد نفسها في مواجهة خصوم يمكنهم الهجوم دون تعريض جندي واحد للخطر.
نحو عقد اجتماعي جديد للدفاع
المعضلة ليست مجرد مشكلة طاقة بشرية عسكرية بل انعكاس لتغييرات اجتماعية عميقة. المجتمعات التي شهدت تراجعاً في معدلات الخصوبة هي المجتمعات ذاتها التي انتقلت من القيم المجتمعية إلى قيم الراحة الشخصية.
ما يتطلبه الأمر ليس فقط إصلاح الأنظمة العسكرية، بل إعادة العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن حول مسألة الدفاع. هذا العقد الجديد يجب أن يتضمن:
مكاسب حقيقية للخدمة العسكرية تدريب مهني قابل للتحويل.
تحولاً ثقافياً يعيد تعريف الخدمة العسكرية.
استثماراً استباقياً في التقنيات البديلة قبل فوات الأوان حتى لا يتم البدء مرة أخرى من الصفر.
في نهاية المطاف، السؤال ليس: هل يمكن تعويض البشر بالآلات؟ بل ما نوع القوة العسكرية التي تحتاجها قوات تتقدم في العمر، وكيف نبنيها قبل أن يفرض علينا واقع التغيير؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد توازن القوى العالمي لعقود قادمة. ومع التأخر في المعرفة، سيصبح المستقبل مليئاً بالمعاضل.
وأخيراً، تبقى هذه الاستراتيجية القائمة على التكنولوجيا العالية بدلاً من البشر رهينة اختبار مدى صمود هذه الأنظمة الذاتية أمام الحروب الإلكترونية والإعاقة الشبكية في المعارك.
ستجد الدول العظمى نفسها في المستقبل مجبرة في النهاية على اختيار الكفاءات الهرمية من المجتمع لتحمل تبعات الصراعات طويلة الأمد.
إقرأ المزيد


