جريدة الرياض - 8/19/2026 4:00:57 AM - GMT (+3 )
وقّع صاحب السمو الأمير فيصل بن فرحان بن عبدالله وزير الخارجية، ومعالي وزير الخارجية والتعاون الدولي بجمهورية السودان محيي الدين سالم أحمد إبراهيم، في مقر وزارة الخارجية بالرياض في السابع عشر من أغسطس 2026، «وثيقة إنشاء مجلس التنسيق السعودي - السوداني». بدت في صورة الحدث وثيقةً بين وزيرين، وحملت في معناها عهد عمل بين دولتين جمعهما البحر والتاريخ، وتتهيأ علاقتهما اليوم لبيت مؤسسي تتلاقى فيه الجهات، وتنتظم فيه المصالح، وتتحول فيه النيات الحسنة إلى مبادرات ومشروعات ومستهدفات واضحة.
وجاء إنشاء المجلس ثمرة مسار بدأ في الثامن والعشرين من مارس 2025، إثر استقبال صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان الفريق الأول ركن عبدالفتاح البرهان، بقصر الصفا في مكة المكرمة، حيث توافق الجانبان على إنشاء مجلس يُعنى بتعزيز العلاقات الثنائية في شتى المجالات. واكتسب ذلك التوافق بهذا التوقيع اسمه المؤسسي ووثيقته، بعد اجتماع لجنة المتابعة والتشاور السياسي بين البلدين، الذي تناول العلاقات الثنائية وسبل تنميتها، ومستجدات الإقليم، ووجهات النظر حيالها.
تحمل الوثيقة قيمة تتجاوز ترتيب اللقاءات الرسمية؛ فهي تمنح العلاقة ذاكرة إدارية تحفظ ما يُتفق عليه، ويدًا تنفيذية تصل الرؤية بالمشروع، ومائدة واحدة تجلس إليها الجهات الحكومية والاقتصادية والثقافية المعنية. وفي ظرف يطلب فيه السودان السلام والتعافي وإعادة الإعمار، وتزداد فيه أهمية البحر الأحمر لأمن المنطقة واقتصاد العالم، يغدو المجلس وعاءً للمصلحة المشتركة وسندًا لاستقرار تتعاضد في حراسته العاطفة والبرامج والمواعيد والمسؤوليات.
وفي استطلاع لـ«الرياض»، قرأ سبعة من الكتاب والإعلاميين السودانيين الوثيقة من زوايا سياسية واقتصادية وإنسانية وثقافية وأمنية، واتفقوا على أن قيمة المجلس ستظهر في انتظام اجتماعاته، ووضوح أولوياته، وقدرته على تحويل القرب التاريخي بين الشعبين إلى أثر يراه الناس في معاشهم، وتراه الدول في أمن البحر الأحمر واستقرار الإقليم.
المجلس سند للاستقرار وبوابةٌ للإعمار
قال الكاتب والصحافي الصادق جادالمولى إن العلاقات السعودية السودانية أقدم من أوراقها الرسمية؛ كتبها الحجيج والتجار وطلاب العلم، وحملتها موانئ البحر الأحمر من ضفة إلى ضفة، حتى صار القرب بين الشعبين خبرة يومية أوسع من العبارة البروتوكولية. وتجيء وثيقة الإنشاء لتمنح ذلك الرصيد موضعًا ثابتًا في بنية الدولتين، فيبقى العمل محفوظًا مع تعاقب الأشخاص، وتنتقل الفكرة من مجلس اللقاء إلى مجلس القرار والمتابعة.
وأضاف أن المملكة ظلت تنظر إلى استقرار السودان بوصفه جزءًا من أمن محيطها العربي والبحري، وقد قرنت موقفها بالمحافظة على سيادته ووحدة أراضيه وتماسك مؤسساته الوطنية، وحملت عبر منبر جدة مسؤولية جمع الأطراف على كلمة تخفف الدم وتحمي المدنيين. ويمنح المجلس هذا الموقف ذراعًا أوسع، تجمع السياسة بالاقتصاد والإغاثة بالإعمار، وتصل واجب الساعة بحق المستقبل.
ورأى جادالمولى أن أعظم ما تمنحه المؤسسة للعلاقات هو صيانتها من فتور المناسبات وتبدل الأولويات؛ فالمحبة تحفظ الود، والمؤسسة تحفظ معه المصالح والعهود. والسودان اليوم أحوج إلى شريك يعرف قدر الدولة فيه، ويعينها على استرداد عافيتها من داخل مؤسساتها، والمملكة تملك من ثقلها السياسي وخبرتها التنموية ومكانتها الدولية ما يجعل إسهامها بابًا واسعًا للاستقرار. ومن هنا تبدو الوثيقة كتابة جديدة لعلاقة قديمة، حبرها الثقة، وامتحانها ما يخرج من قاعات المجلس إلى أرض البلدين.
من الوثيقة إلى المخرجات
وقال الصحافي خالد الضبياني إن الصياغة الرسمية حملت مفتاح نجاح المجلس في ثلاث كلمات هي «مبادرات ومشاريع ومستهدفات واضحة»، فهذه العبارة تضع العمل أمام ميزان يمكن أن يُقرأ ويُراجع ويُقاس. ويرى أن العلاقات الثنائية تملك رصيدًا وافرًا من الاتفاقات واللجان، وأن المجلس الجديد يستطيع جمع ذلك الرصيد في خريطة واحدة، تحدد الأولويات، والجهة المسؤولة، والمدة، والأثر المنتظر.
ودعا الضبياني إلى لجنة تنفيذية دائمة، وأمانة فنية رشيقة، وبرنامج سنوي معلن، وتقارير دورية ترصد المنجز والعائق والخطوة التالية. كما اقترح نافذة مشتركة تخدم المستثمرين والباحثين والطلاب وأصحاب المصالح، حتى يصبح المجلس عنوانًا معروفًا لكل ملف عالق، ويتحول التنسيق من مراسلات متفرقة إلى مسار مختصر واضح.
وأكد أن الجمهور يمنح ثقته للمؤسسات التي يرى ثمرتها، ولهذا ينبغي أن تبدأ أعمال المجلس بملفات قابلة للإنجاز في آجال قريبة، مع بناء المسارات الكبرى على مهل ودقة. ويمكن لنجاح عدد محدود من المشروعات الأولى أن يصنع الثقة اللازمة لما بعدها، وأن يبعث رسالة إلى القطاع الخاص والمجتمع الدولي مؤداها أن الشراكة السعودية السودانية دخلت طور التنفيذ، وأن لكل قرار صاحبًا وموعدًا وحصيلة.
اقتصاد التعافي
ورأى الإعلامي المتخصص في مجالات الاقتصاد الدكتور برير عبدالغني أن المجلس جاء في لحظة يحتاج فيها السودان إلى إعادة وصل موارده بالتمويل والأسواق والخبرة، فيما تبحث الاقتصادات الحديثة عن شراكات موثوقة في الغذاء والتعدين والطاقة والخدمات اللوجستية. ويملك السودان أرضًا ومياهًا وثروة حيوانية ومعدنية وموقعًا بحريًا، وتملك المملكة خبرة استثمارية وصناعية وأسواقًا وقدرة على بناء المشروعات الكبرى؛ ومن اجتماع هذه العناصر يمكن أن يولد اقتصاد منفعة متبادلة طويل الأجل.
وأوضح أن إعادة الإعمار أوسع من تشييد ما هدمته الحرب؛ فهي إعادة تشغيل للإنتاج، وترميم لسلاسل الإمداد، واستعادة للثقة في البيئة الاقتصادية. ومن ثم يستطيع المجلس أن يؤسس مسارًا اقتصاديًا يضم الحكومتين والقطاع الخاص والمؤسسات التمويلية، ويضع قائمة مشروعات ذات أولوية في الزراعة والصناعات الغذائية والثروة الحيوانية والتعدين والنقل والموانئ والطاقة والبنية الأساسية.
وأضاف عبدالغني أن رأس المال يطلب وضوح القانون، واستقرار الإجراء، وضمان الحقوق، وسرعة الفصل في المعاملات. ولهذا تسبق المشروعاتَ الناجحةُ حزمةٌ من الترتيبات تشمل حماية الاستثمار، وتيسير التحويلات، وتوحيد المواصفات، وتبادل المعلومات، وإعداد دراسات جدوى قابلة للتمويل. فإذا أحسن المجلس بناء هذه الأرضية، صار الإعمار نشاطًا منتجًا يخلق الوظائف ويزيد التجارة، وصارت الشراكة موردًا دائمًا للبلدين عوضًا عن أن تبقى استجابة مرتبطة بسنوات الحرب.
الإنسان أول الثمار
وقالت الإعلامية مشاعر تاج السر إن الوثائق الكبرى تبلغ معناها الكامل في حياة الناس؛ في طالب يجد فرصة علم، ومريض يصل إلى علاج، وأسرة تختصر مشقة إجراء، ومهني يجد طريقًا إلى التدريب والعمل. وترى أن العلاقات بين السعودية والسودان تملك وجهًا إنسانيًا عميقًا صنعته أعوام الإقامة والحج والتعليم والعمل والمصاهرة، وأن المجلس مدعو إلى حمل هذا الوجه داخل لجانه وبرامجه.
واقترحت أن يتضمن المسار الاجتماعي ملفات التعليم والمنح والتدريب المهني والصحة والخدمات القنصلية ورعاية الجالية، إلى جانب برامج تستجيب لآثار الحرب في النساء والأطفال والعائدين إلى مدنهم. ويمكن للمؤسسات السعودية ذات الخبرة في العمل الإنساني والتحول الرقمي أن تسهم في تصميم خدمات تصل إلى مستحقيها بكرامة وسرعة، وفي تدريب الكوادر السودانية على إدارتها واستدامتها.
وأضافت مشاعر تاج السر أن المواطن يقرأ نجاح المجالس في معاملة صارت أيسر، وفرصة صارت أقرب، وحق صار أوضح. ولهذا تمنح المشروعات الإنسانية المبكرة المجلس صوتًا في البيوت، وتربط السياسة بسببها الأرفع، وهو حفظ الإنسان. فالعلاقة التي تسكن وجدان الشعبين تستحق برامج تمس حياتهما، وتستحق أن يشعر السوداني أن الاستقرار الذي تتحدث عنه العواصم قد وصل إلى بابه.
ثقافة تحرس المعنى
وقالت الكاتبة والإعلامية اعتدال أحمد الهادي إن التاريخ المشترك بين البلدين صنعته الحكومات والرحلات والمرويات والكتب وأصوات السودانيين الذين عاشوا في المملكة وأسهموا في مدارسها وجامعاتها وصحافتها وميادين عملها، وصنعته في السودان ذاكرة الحرمين ومكانة المملكة في القلب العربي والإسلامي. وهذه الثروة المعنوية جديرة بمسار ثقافي وإعلامي داخل المجلس، يحفظها ويجدد صورها للأجيال.
ودعت إلى برنامج للتبادل الثقافي والإعلامي، وأرشيف مشترك يوثق محطات العلاقة، وشراكات بين الصحف والجامعات ودور النشر، ومواسم للفنون والكتاب والتراث، مع عناية خاصة بتدريب الشباب ومشاركة المرأة. فالاتفاقات تشتد جذورها بقدر ما يعرف الناس قصتها ويرون وجوههم في ثمارها، والإعلام المهني قادر على حماية المجلس من الأخبار المضللة والتوقعات المتعجلة، وشرح ما أنجزه بلغة دقيقة.
ورأت اعتدال أن الثقافة تؤدي وظيفة سياسية هادئة؛ فهي توسع مساحة المعرفة بين الشعبين، وتمنح الخلاف العابر حجمه الصحيح، وتبقي الجسور مفتوحة أمام المجتمع. والمجلس الذي يعتني بصورة العلاقة قدر عنايته بأرقامها سيكسب وجدانًا يحرس منجزه، لأن المصالح تعقد الشراكات، والثقافة تمنحها العمر والمعنى.
إعمار القدرة
وأكدت الإعلامية الدكتورة عبير زين أن التعافي يبدأ من الإنسان القادر على إدارة مؤسساته، وأن أي مشروع لإعمار السودان يحتاج إلى مسار موازٍ يبني المعرفة والمهارة والنظام. وترى أن التجربة السعودية في التحول المؤسسي والرقمي، وتنمية القدرات، وتطوير الخدمات، تتيح مجالًا واسعًا لشراكات تنقل الخبرة عبر التدريب والعمل المشترك، مع مراعاة احتياجات السودان وأولوياته الوطنية.
واقترحت الدكتورة عبير شبكة تعاون تجمع الجامعات ومراكز البحوث ومؤسسات التدريب والإعلام في البلدين، وتقدم برامج في الإدارة العامة، والاقتصاد، والهندسة، والصحة، والتقنية، والإعلام، وحوكمة المشروعات. كما دعت إلى منح ومسارات تدريبية للشباب والنساء، ومشروعات بحثية تعالج قضايا إعادة الإعمار والأمن الغذائي والمياه والهجرة الداخلية والصحة النفسية بعد الحرب.
وأضافت أن المعرفة هي الاستثمار الأبعد أثرًا؛ فالمبنى يحتاج إلى من يديره، والنظام الرقمي يحتاج إلى عقل يصممه ويحميه، والمؤسسة تحتاج إلى ثقافة عمل تبقيها حية. وإذا جعل المجلس بناء القدرات جزءًا أصيلًا من مشروعاته، فسوف يترك وراءه كوادر قادرة على توسيع ما بدأه، ويمنح الشراكة أثرًا يتجدد في كل مؤسسة وخدمة ومدينة.
أمن الضفتين
وقال الإعلامي عمر عبدالرحيم المونة إن السعودية والسودان يتقاسمان ضفتي بحر صار أمنه من صميم أمن الطاقة والتجارة والموانئ وسلاسل الإمداد، وإن استقرار السودان يمنح الساحل الغربي للبحر الأحمر قوة دولة قادرة على حماية أرضها ومياهها ومؤسساتها. ومن هذه الزاوية يحمل المجلس قيمة استراتيجية تتصل بالبلدين وتمتد آثارها إلى الإقليم والاقتصاد الدولي.
وأوضح المونة أن المجلس يستطيع إنشاء مسار منتظم لتبادل التقديرات حول أمن الملاحة والموانئ، ومكافحة التهريب والجريمة المنظمة، وحماية البنية الساحلية، وربط التنمية بالأمن في الولايات المطلة على البحر. كما يتيح تنسيق المواقف في المحافل الإقليمية والدولية، حتى يتحدث البلدان من معرفة مشتركة بالمصالح والأخطار والتحولات المحيطة بالقرن الأفريقي والبحر الأحمر.
ورأى أن الثبات السعودي في دعم سيادة السودان ووحدة أراضيه ومؤسساته الوطنية يمنح المجلس أساسًا سياسيًا واضحًا، ويضع الشراكة في خدمة الدولة السودانية واستقرارها. فالبحر الآمن يبدأ من ضفاف مستقرة، والاستثمار يحتاج إلى دولة قادرة، والتجارة تسلك طرقها بثقة حيث يحضر القانون. ومن هنا يجتمع الأمن والاقتصاد في غاية واحدة، هي أن يصبح البحر الأحمر مجال تعاون ونماء، وأن يجد السودان في عمقه العربي سندًا يحفظ قراره ويفتح له طريق التعافي.
من جانبه، عدَّ المحلل الاقتصادي حاتم حسن أحمد توقيع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، ونظيره السوداني محيي الدين سالم أحمد إبراهيم، وثيقة إنشاء مجلس التنسيق السعودي–السوداني، خطوةً تنقل علاقات البلدين إلى أفق جديد، عبر إطار مؤسسي يجمع الجهات المعنية للعمل على مبادرات ومشروعات ذات مستهدفات واضحة، بما يعزز التعاون والتكامل ويحقق تطلعات القيادتين والشعبين الشقيقين.
وأوضح أن العلاقات بين البلدين تستند إلى عمق تاريخي ومصالح استراتيجية تمتد إلى الاستثمار والزراعة والثروة الحيوانية والأمن الغذائي وأمن البحر الأحمر، مشيرًا إلى أن المجلس يهيئ لترجمة هذه المصالح إلى نتائج ملموسة، ويدعم الحضور الاقتصادي السعودي في السودان، ويسهم في تطوير الاقتصاد والبنية التحتية وترسيخ الاستقرار الإقليمي.
إقرأ المزيد


