جريدة الرياض - 8/14/2026 1:36:29 AM - GMT (+3 )
نحو استراتيجية شاملة لمكافحة الإرهاب العالمي الحديث
الإرهاب في السياق الجيوسياسي
في إطار التحليل الاستراتيجي المعاصر، لم يعد الإرهاب حركة ثورية، بل أداةً من أدوات الصراع بين القوى الكبرى والوكلاء الإقليميين. والواقع أن التنظيمات المتطرفة لا تنشأ في فراغ، بل تنمو في بيئات تتوافر فيها عوامل استراتيجية محددة (دول فاشلة أو منهارة، صراعات إقليمية بالوكالة، صراعات على النفوذ والموارد، وفجوات في السيادة) وهنا تتقاطع المصالح المتنافسة فوق أرضية هشّة تتحوّل بسهولة إلى حاضنة للتطرف والعنف المنظّم.
الإرهاب كورقة في يد القوى الإقليمية
يكشف البحث في تاريخ الإرهاب الحديث أن كثيراً من التنظيمات المتطرفة لم تكن لتنمو لولا الرعاية غير المباشرة من بعض القوى الإقليمية التي وجدت فيها أداةً لتحقيق أجنداتها الجيوسياسية.
حيث تحوّل دعم الفصائل المسلحة إلى نموذج استُنسخ في عدة ساحات، حيث عملت أجهزة استخبارات على تسليح وتمويل وتسليح تنظيمات متطرفة لاستخدامها كورقة ضغط في صراعات النفوذ. وهذا الاستخدام الاستراتيجي يطرح إشكاليات قانونية وأخلاقية عميقة، إذ يصعب في كثير من الأحيان التمييز بين المقاومة المشروعة والإرهاب، خاصة حين تتدخّل حسابات المصالح في تصنيف الحركات. وتُعدّ مسألة تصنيف حزب الله أو جبهة النصرة أو الحشد الشعبي أو الحوثي أمثلة حيّة على هذا التسييس الخطير للظاهرة.
الإرهاب ضمن المنافسة بين القوى الكبرى
أعادت أحداث الحادي عشر من سبتمبر رسم خريطة التحالفات الدولية، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة في الحرب على الإرهاب. وقد أدّى صعود الصين وعودة روسيا القوية إلى المسرح الدولي إلى تعقيد المعادلة، حيث باتت كل من موسكو وبكين تنظران إلى الحرب على الإرهاب بوصفها غطاءً أمريكياً للتوسع، وتعملان على بناء تحالفَين موازيَين هذا التقاطع يحوّل الإستراتيجية الدولية لمكافحة الإرهاب ذاتها إلى ساحة صراع بين القوى الكبرى.
الاقتصاد السياسي للإرهاب
ثمة بُعد استراتيجي بالغ الأهمية يتمثّل في الاقتصاد السياسي للإرهاب، إذ تُقدَّر عائدات التنظيمات المتطرفة بمليارات الدولارات سنوياً، مستمدة من مصادر متنوّعة تشمل تهريب النفط ، والفديات مقابل الرهائن ، والاتجار بالمخدرات والبشر، وصولاً إلى العملات المشفرة والتمويل الخيري الذي يتسلل عبر شبكات. ويُعدّ ملف غسل الأموال وتمويل الإرهاب من أكثر الملفات تعقيداً في العلاقات الدولية، إذ تتورط فيه مؤسسات مالية في دول معروفة باستقرارها، وتستغل التنظيمات الفجوات القانونية لإخفاء مصادر تمويلها. وقد دفع هذا التعقيد الدول الغربية إلى تشديد الرقابة على المنظومة المالية.
مخاطر الإرهاب في الشرق الأوسط
يظلّ الشرق الأوسط البؤرة الأخطر للإرهاب العالمي، نظراً لتركّز عوامل الهشاشة في بعض المناطق الجيوسياسية. وتتجلى مخاطر الإرهاب في الشرق الأوسط في عدة مستويات متداخلة:
على مستوى الدول الفاشلة: تعاني من انهيار شبه كامل في مؤسسات الدولة، مما أوجد فراغات سيادية ضخمة استغلّتها التنظيمات المتطرفة لإقامة بنى تحتية عسكرية ومالية وإعلامية. وقد أثبتت تجارب السنوات الأخيرة أن استعادة السيطرة على هذه المناطق أصعب بكثير من خسارتها.
على مستوى الطائفية والصراعات المذهبية: شكّلت مسرحاً لتصاعد التوترات المذهبية بين السنة والشيعة، حيث وظّف بعض الفاعلين الإقليميين هذا الانقسام لتوسيع نفوذهم، مما وفّر بيئة خصبة لاستقطاب المقاتلين الأجانب وتنظيمهم في فصائل متطرفة.
على مستوى التنظيمات الناشطة: يتواجد في الشرق الأوسط أخطر التنظيمات الإرهابية في العالم، وقدرتها على التكيّف والامتداد الإقليمي والدولي تجعل منها تهديداً يتجاوز حدود المنطقة.
على مستوى المقاتلين الأجانب: شكّلت المنطقة نقطة جذب لعشرات الآلاف من المقاتلين الأجانب القادمين من أكثر من دولة، وهو ما شكّل تحدياً أمنياً غير مسبوق للدول المصدّرة والمستقبلة على حدّ سواء.
على مستوى الحدود: تتّسم حدود الشرق الأوسط بالمناطق الجبلية والصحراوية الشاسعة التي يصعب مراقبتها، مما يجعلها ممرات لتهريب الأسلحة والمقاتلين والمخدرات.
على مستوى الاقتصاد الموازي: ازدهرت في مناطق النزاعات اقتصادات حرب موازية تعتمد على التهريب والابتزاز ، مما أوجد طبقة منتفعة من استمرار الفوضى تغذّي الإرهاب وتموّل بقاءه.
على مستوى البنية التحتية المدنية: تتعرّض البنى التحتية الحيوية (سدود، محطات كهرباء، منشآت نفطية، موانئ) لهجمات إرهابية متكررة، مع ما يترتب على ذلك من كوارث إنسانية واقتصادية.
على المستوى الإقليمي: يتسبّب الإرهاب في تعميق الأزمات بين دول المنطقة، ويُستخدم ذريعة لتدخلات إقليمية ودولية تُعقّد المشهد أكثر.
الأبعاد المستقبلية والتحديات الاستراتيجية
يتّسم المشهد الاستراتيجي المستقبلي للإرهاب بتحوّلات جذرية، أبرزها:
أولاً، التوسّع الأفريقي حيث تتّجه بؤر الإرهاب من الشرق الأوسط إلى الساحل والقرن الأفريقي في ظل تدخلات دول أو ضعف بعض الدول وانسحاب القوى الغربية.
ثانيا، سباق الذكاء الاصطناعي: تتسابق الدول على توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في الرصد والتنبؤ بالهجمات، بينما تسعى التنظيمات إلى استغلالها في تطوير أساليبها.
ثالثا، إعادة التموضع : ربما تصبح بعض الدول الهشة ملاذاً جديداً لتنظيمات ارهابية، وهو ما يُهدّد الأمن الإقليمي والدولي.
رابعا، تسييس ملف الإرهاب: يستمر استخدام الملف كورقة في الصراعات السياسية الداخلية والدولية، مما يُضعف الجهود الدولية المشتركة.
نحو إستراتيجية شاملة ومستدامة
إن مكافحة الإرهاب الفعّالة تستلزم مقاربة شاملة تجمع بين الأبعاد العسكرية والاستخباراتية والوقائية والتنموية، مع التركيز على معالجة الجذور السياسية والاقتصادية والفكرية للظاهرة، وتشديد الرقابة الدولية على أسواق السلاح غير المشروعة. فالمعركة الحقيقية ليست فقط ضد التنظيمات الإرهابية، بل ضد الأفكار التي تغذّيها، وضد الظروف التي تجعل من الشباب فريسة سهلة لخطاب الكراهية. ويبقى التحدي الأكبر في بناء منظومة دولية أكثر عدلاً وتوازناً، تُجرّد الإرهاب من قدرته على التموضع في فجوات النظام الدولي، وتُعيد تعريف التضامن العالمي على أسس أكثر إنصافاً من الاستقطاب والمحاور ولنتذكر سد الثغرات تجاه الإرهاب سيوفر علينا تكاليف محاربته.
استخدام السلاح في الإرهاب الحديث
يُعدّ تطوّر الترسانة التي يستخدمها الإرهابيون أحد أخطر مظاهر تحوّل الظاهرة في العقود الأخيرة. فقد انتقل الإرهاب من عمليات فردية محدودة إلى استخدام أسلحة متطوّرة ومعقّدة، تتنوع بين أسلحة تقليدية وأسلحة غير تقليدية وتقنيات ناشئة.
الأسلحة النارية الخفيفة والثقيلة: لا تزال البنادق الهجومية والرشاشات والقناصات والـ آر بي جي والقذائف الصاروخية من أكثر الأسلحة استخداماً في العمليات الإرهابية، نظراً لسهولة تهريبها وتوافرها في أسواق السلاح السوداء التي ازدهرت في مناطق النزاعات. وقد وفّرت الحروب الإرهابية الحديثة ترسانات ضخمة سرّبت إلى شبكات التهريب الدولية.
المتفجرات التقليدية والعبوات الناسفة (IED):
تُعدّ العبوات الناسفة المصنّعة يدوياً السلاح الأكثر فتكاً في الهجمات الإرهابية، لما توفّره من قدرة على التسبب في خسائر بشرية ومادية ضخمة بتكلفة زهيدة. وقد طوّر التنظيمات المتطرفة تقنيات تصنيع متقدمة، بما في ذلك العبوات المزدوجة والمتفجرات الموجهة عبر الهواتف المحمولة.
الأسلحة الكيميائية والبيولوجية: شكّل استخدام غاز السارين في هجوم مترو طوكيو عام 1995، واستخدام الكلور والخردل في هجمات داعش، نقطة تحوّل مرعبة في تاريخ الإرهاب. وتُعدّ مخاطر امتلاك التنظيمات الإرهابية لأسلحة دمار شامل من أكبر المخاوف التي تشغل المجتمع الدولي، خاصة في ظل سهولة تصنيع بعض المركّبات الكيميائية.
الأسلحة البيولوجية والجرثومية: تتزايد المخاوف من احتمال استخدام الإرهابيين لفيروسات أو بكتيريا مسببة للأوبئة (كالأنثراكس أو الجدري أو فيروسات مُهندَسة وراثياً)، وهو ما يُشكّل تهديداً مباشرا للبشرية.
الطائرات المسيّرة (الدرونز): مثّل ظهور الطائرات المسيّرة الصغيرة قفزة نوعية في ترسانة الإرهابيين، حيث باتت تُستخدم في الاستطلاع وتصوير العمليات وتنفيذ ضربات مباشرة ضد أهداف عسكرية ومدنية، وقدرتها على الاخفاء من الرادارات تجعلها أداة مقلقة بشكل متزايد ومن الأمثلة على ذلك استخدام الحشد في العراق هجمات بطائرات مسيرة تجاه السعودية.
الأسلحة السيبرانية: مع تزايد رقمنة الحياة، أصبحت الهجمات السيبرانية تُشكّل بُعداً جديداً من أبعاد الإرهاب، إذ يمكن شنّ هجمات لتعطيل البنى التحتية الحيوية (كالكهرباء والمياه والمواصلات والمصارف)، أو سرقة بيانات حسّاسة، أو تدمير أنظمة الدفاع.
خطورة الأسلحة النووية والإشعاعية:
تُعدّ أخطر السيناريوهات على الإطلاق، حيث تشير تقارير استخباراتية إلى أن تنظيمات ربما تستغل لعمل هجمات محدوده بدعم من دول.
أسلحة الاغتيال الصامتة: تشمل السموم والأسلحة البيضاء المتخصصة وأدوات الإخفاء، وتُستخدم بشكل خاص في الاغتيالات السياسية والاستهدافات النوعية.
الأسلحة الذكية والمُهندَسة: تتّجه بعض المخاوف إلى أن تطوّر الذكاء الاصطناعي قد يُتيح قريباً تصميم أسلحة مستقلة ذاتياً (سلاح ذاتي التشغيل)، وهو ما يفتح باباً جديداً من السباق التكنولوجي بين التنظيمات الإرهابية وأجهزة الأمن.
سوق السلاح السوداء الدولية: تظلّ هذه الاسواق العمود الفقري لتمويل الإرهاب وتسليحه، إذ تتدفق ملايين قطع السلاح سنوياً عبر شبكات تهريب عابرة للحدود، غالباً من مخلفات الحروب في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
إقرأ المزيد


