سكاي نيوز عربية - 8/6/2026 2:33:43 AM - GMT (+3 )
هذا التداخل بين التفاوض والتصعيد فتح الباب أمام قراءتين مختلفتين قدّمهما عضو البرلمان اللبناني السابق وهبي قاطيشا، والكاتب والباحث السياسي علي سبيتي، خلال حديثهما إلى «رادار» على سكاي نيوز عربية. وبينما اعتبر قاطيشا أن سلاح حزب الله هو السبب المركزي الذي يمنع التوصل إلى تسوية، رأى سبيتي أن إسرائيل لا تحتاج أصلا إلى ذريعة لمواصلة عملياتها، وأن الدولة اللبنانية، رغم ما تحظى به من شرعية ودعم، لا تزال عاجزة عن اتخاذ إجراءات فعلية.
روما أمام تعارض الشروط
و خلال حديثه قرأ قاطيشا التصعيد الإسرائيلي بوصفه مؤشرا إلى أن المفاوضات في روما "ليست على ما يرام"، معتبرا أن الضربات قد تعكس وصول المحادثات إلى شبه طريق مسدود أو استمرار الخلاف بشأن الشروط المطروحة.
وأوضح أن الجانب اللبناني يريد انسحابا إسرائيليا أو إنشاء منطقة نموذجية ثانية داخل ما وصفه بالخط الأصفر، في حين يرفض الجانب الإسرائيلي أي نموذج من هذا النوع ما دام حزب الله يحتفظ بسلاحه داخل لبنان. وفي موازاة هذا التعارض السياسي، يبقى الميدان خاضعا لحركة الجيش الإسرائيلي ومقاتلي حزب الله في القطاعات الغربية والشرقية والوسطى.
ولم يبدِ قاطيشا تفاؤلا بإمكان أن تقود المفاوضات إلى نتيجة حاسمة في المدى القريب، معتبرا أنها قد تستمر لتثبيت المنطقة النموذجية القائمة، أو انتظار تطورات ميدانية وسياسية أخرى، بما فيها مسار التفاوض بين إيران والولايات المتحدة في الخليج. وبرأيه، قد تنتج المحادثات "أدوية مسكنة" للجبهة الجنوبية، لكنها لن تعالج أصل المشكلة.
السلاح أصل الإشكال
وضع قاطيشا سلاح حزب الله في مركز الأزمة، مؤكدا أنه لا يمكن معالجة النتائج قبل معالجة الأسباب. ومن وجهة نظره، فإن استمرار السلاح يحول دون الوصول إلى حل في جنوب لبنان، ويضعف قدرة الدولة على التفاوض بشأن الاحتلال والانسحاب وإعادة الإعمار.
وقال إن الدولة حاولت على مدى أكثر من عام ونصف التوصل إلى تسوية بالتراضي لتسليم السلاح، معتبرا أن رئيس مجلس النواب نبيه بري ما زال يراهن على إمكان إقناع الحزب بالتخلي عنه. لكنه رأى أن حجم المآسي في الجنوب والانهيار الاقتصادي والسياسي وتضرر علاقات لبنان الدولية يفرضان على الدولة حسم موقفها.
وبحسب قاطيشا، ينبغي أن يكون الخيار واضحا: إما تسليم السلاح إلى الدولة لتتولى هي معالجة الملف مع إسرائيل، وإما أن يتحمل الرافضون لذلك مسؤولية المسار القائم. كما اعتبر أن حزب الله يقدّم، عبر استمرار السلاح والذرائع الميدانية، خدمة لإسرائيل، خصوصاً في مرحلة تسبق انتخاباتها، إذ إن التصعيد قد يعزز شعبية حكامها.
ورأى أن إسرائيل أعلنت استعدادها للانسحاب إلى الحدود الدولية ضمن اتفاق الإطار، ولكن بشرط غياب سلاح حزب الله، معتبرا أن الحزب يريد الاحتفاظ بالسلاح ولو كان ذلك على حساب الأرض. وشدد على أن اللبنانيين يرفضون الاحتلال، لكن معالجة الاحتلال، وفق قراءته، تبدأ بحل مسألة السلاح.
إسرائيل لا تنتظر ذريعة
في المقابل، رفض سبيتي اختزال التصعيد الإسرائيلي في ذريعة يقدمها حزب الله، متسائلا عما إذا كانت إسرائيل تحتاج أساسا إلى مبرر. وأكد أنها لم تتوقف منذ إعلان وقف العمليات الحربية عن التدمير والتهجير والقصف، مشيراً إلى استخدامها كميات كبيرة من المتفجرات واستهدافها الأنفاق والمنشآت والشبكات في الجنوب.
واعتبر أن حادث انفجار لغم بدورية إسرائيلية قد يكون عرضيا، ولا يشكل ذريعة مكتملة، لأن إسرائيل تمسك بعناصر القوة وتحظى بغطاء أميركي واسع، وتعمل وفق ما تراه مناسباً داخل المنطقة الصفراء وخارجها.
وبرأيه، تعيق إسرائيل التفاهم الذي رعته واشنطن، فيما لم تحقق جولتا مفاوضات روما نتيجة حتى الآن، لأن كل طرف يعمل وفق أجندة مختلفة، بينما يدفع الجنوبيون ولبنان ثمن هذا التباعد.
حزب الله يراهن على المسار الأميركي الإيراني
رأى سبيتي أن حزب الله لا يملك في المرحلة الحالية نية هجومية نابعة من قدرته على الصمود في مواجهة إسرائيل، بل يراهن بصورة أساسية على التفاهم الأميركي الإيراني. أما المسار اللبناني الإسرائيلي، فلا يراهن عليه ولا يتبناه ولا يحبذه.
وفي الوقت نفسه، أقر بأن الحزب لن يتخلى بسهولة عن الأنفاق والشبكات والاتصالات والترسانة العسكرية والإمكانات التي راكمها. وأكد أن هذه القدرات لم تُبنَ بعيداً عن أنظار الدولة، بل تشكلت في ظلها وبفضل امتيازات أمنية وعسكرية وسياسية واجتماعية أتاحت للحزب توسيع حركته.
دولة تملك الشرعية وتفتقد الفعل
ركّز سبيتي على عجز الدولة عن توفير سند فعلي للجنوبيين الراغبين في رفض مسار حزب الله أو تجنب جولة حرب جديدة. وقال إن الدولة هي الجهة التي يفترض أن تؤمن الغطاء، لكنها تبدو فاقدة لقدرتها على حماية نفسها، وخائفة من الحزب ومحاذرة لمواجهته، رغم شرعيتها وما تتلقاه من دعم عربي وغربي.
واعتبر أن مطالبة الجنوبيين برفع صوتهم تبدو غير واقعية ما دامت الدولة عاجزة بإمكاناتها وأجهزتها عن التحرك. كما رأى أن الحكومة وفرت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، غطاءً داخليا واستقرارا مكّنا حزب الله من الاحتفاظ بسلاحه وممارسة نشاطه تحت بصرها.
ورغم إقراره بأن رئيس الجمهورية اتخذ خطوات، من بينها التوجه إلى التفاوض المباشر مع إسرائيل، فإن سبيتي اعتبر أن معظم الإجراءات لم تتجاوز حدود الأقوال، مؤكداً أن المطلوب هو سلطة قوية وفاعلة تمارس دورها بحكم القانون.
إعادة الإعمار رهينة الحسم
التقى الضيفان عند توصيف ضعف الدولة اللبنانية، لكنهما اختلفا في تحديد المسؤولية وأولوية المعالجة. فقاطيشا دعاها إلى استخدام القوة القانونية لحصر السلاح، مستبعدا أن يؤدي ذلك إلى حرب أهلية، لأن الأطراف اللبنانية الأخرى ليست مسلحة ولا تريد القتال.
كما ربط أي مساعدات أو إعادة إعمار للجنوب بسيطرة الدولة على الأرض والسلاح، معتبراً أن الدول الصديقة والشقيقة قادرة على إعادة بناء القرى سريعاً، لكنها لن تدفع في ظل بقاء السلاح خارج الشرعية.
أما سبيتي فحمّل الدولة جزءاً من مسؤولية تمدد الحزب، لأنها منحته الغطاء والامتيازات ثم اكتفت بالتحذيرات. وبين المقاربتين، يبقى الجنوب عالقاً بين ضغط إسرائيلي متواصل، وحزب متمسك بقدراته، ودولة مطالبة بالانتقال من الأقوال إلى الأفعال، فيما تتقدم الوقائع الميدانية على إيقاع مفاوضات لم تنتج حتى الآن حلا حاسما.
إقرأ المزيد


