جريدة الرياض - 8/4/2026 2:13:36 AM - GMT (+3 )
حين يتعلق الأمر بأمنها الوطني أو سلامة اقتصادها وأمن الطاقة العالمي، فإن المملكة العربية السعودية لا تتعامل بمنطق ردود الفعل الآنية، بل بمنطق الدولة التي تدرك مسؤولياتها الإقليمية والدولية، وتزن قراراتها بميزان القانون الدولي والمصلحة الاستراتيجية. ومن هذا المنطلق، جاء بيان السعودية بشأن اعتداءات مستنكرة بطائرات مسيرة أطلقتها الميليشيات الموالية لإيران في العراق، ليؤكد أن الضربات العسكرية التي نُفذت كانت عمليات نوعية ومحددة، استهدفت الجهات المسؤولة عن الاعتداءات التي طالت المنشآت البترولية في المملكة، ونُفذت بالتنسيق مع القيادة المركزية الأميركية، في رسالة واضحة بأن حماية الأمن الوطني ليست خيارًا، بل واجبا سياديا لا يقبل التهاون.
يعكس البيان السعودي موقفًا واضحًا وثابتًا؛ فالمملكة لا تنتهج التصعيد خيارًا، لكنها تؤكد في الوقت ذاته أن أي اعتداء يستهدف أراضيها أو منشآتها الحيوية سيواجه برد مشروع وحازم. ولا يمثل هذا الموقف تناقضًا، بل يجسد سياسة دولة تجعل الاستقرار أولوية، دون أن تسمح بأن يُفسَّر حرصها على التهدئة على أنه تراجع عن حماية سيادتها أو تهاون في الدفاع عن أمنها ومقدراتها.
لقد أثبتت التجارب أن الاقتصاد السعودي أصبح ركيزة أساسية في استقرار أسواق الطاقة العالمية، وأن أي استهداف لمنشآته النفطية لا يقتصر أثره على المملكة وحدها، بل يمتد إلى الاقتصاد الدولي وسلاسل الإمداد وأسعار الطاقة. ولذلك فإن الدفاع عن هذه المنشآت لا يمثل حماية لمورد وطني فحسب، وإنما حماية لمصلحة دولية أوسع تعتمد عليها اقتصادات العالم.
وفي هذا السياق، فإن استهداف البنية التحتية الاقتصادية للمملكة يعد اعتداءً مباشرًا على سيادتها، ويمنحها كامل الحق في اتخاذ الإجراءات اللازمة لردع المعتدين، استنادًا إلى المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة التي تكفل للدول حق الدفاع عن النفس. وهذا الحق لا يحتاج إلى تبرير سياسي، لأنه أصل راسخ في القانون الدولي، ولا ينتقص منه حرص المملكة الدائم على تجنب التصعيد أو إفساح المجال للحلول الدبلوماسية.
كما أن الرسالة السعودية تحمل بعدًا استراتيجيًا مهمًا، يتمثل في أن توقيت الرد وطبيعته وحجمه تبقى قرارات سيادية تتخذها القيادة السعودية وفقًا لتقديرها للمصلحة الوطنية، وليس وفقًا لإيقاع الخصوم أو محاولاتهم فرض معادلات جديدة. فالمملكة لا تتحرك بدافع الانفعال، بل وفق حسابات دقيقة تجعل الرد أداة لإعادة ترسيخ الردع، لا لتوسيع دائرة الصراع.
ومن يعتقد أن استهداف الاقتصاد السعودي وأمن الطاقة العالمي يمكن أن يمر دون تكلفة، يخطئ في قراءة السياسة السعودية. فالمملكة أثبتت خلال السنوات الماضية أنها تمتلك من القدرات العسكرية والاستخباراتية والتقنية ما يمكنها من حماية مصالحها، كما تمتلك الإرادة السياسية لاتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب. وهي وإن كانت تمنح الأولوية دائمًا للحلول التي تحفظ الأمن والاستقرار، فإنها لا تتردد في استخدام حقها المشروع عندما تتعرض سيادتها أو أمنها أو اقتصادها للتهديد.
القيادة السعودية لا تبدأ بالتصعيد، لكنها أيضًا لا تسمح لأي طرف بأن يهدد أمنها أو اقتصادها دون ردع حاسم. فالدول تُقاس ليس فقط بقدرتها على تجنب الصراعات، وإنما أيضًا بقدرتها على حماية سيادتها وفرض احترام خطوطها الحمراء، وهو ما تؤكد المملكة اليوم أنها قادرة على القيام به بكل حزم واقتدار.
إقرأ المزيد


