سياسي أميركي: الفرصة سانحة لمحادثات سلام بين أوكرانيا وروسيا
جريدة الرياض -

عزز الاجتماع الودي للرئيس الأميركي دونالد ترمب في الثامن من شهر يوليو الماضي مع نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ما يتردد في الغرب بأن الكفة قد تحولت لصالح أوكرانيا في الحرب التي تخوضها ضد روسيا، حسبما يرى المحلل السياسي الأميركي توماس جراهام.

وقال جراهام، وهو زميل ‌بارز في مجلس العلاقات الخارجية الأميركي وخبير بارز في شؤون روسيا وأوراسيا والسياسة الخارجية الأميركية في تقرير نشره المجلس، إن ترمب أشاد بالنجاح ​الأخير الذي حققته أوكرانيا في ميدان المعركة، وأشار إلى أن هجماتها في عمق الأراضي الروسية يمكن أن تقنع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ببدء مفاوضات حسنة النوايا. واستجاب أيضا لأحد طلبات زيلينسكي العاجلة من خلال الموافقة على الترخيص لأوكرانيا بانتاج صواريخ باتريوت للدفاع الجوي.

ويعد الاجتماع أحدث الأخبار الإيجابية في الأسابيع الأخيرة.وتمكنت أوكرانيا من وقف تقدم روسيا في ميدان المعركة. وتسببت هجماتها في العمق الروسي ضد البنية التحتية للطاقة ‌في حدوث نقص في البنزين في البلاد وخفضت صادرات النفط الروسي التي تدر عائدات حيوية لألة الحرب الروسية.وتعزل حملة بهجمات بطائرات مسيرة يتم تنفيذها بشكل جيد شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا عن بقية روسيا. ويعد النقص في البنزين مجرد مؤشر واحد فقط على الاضطرابات السياسية والاجتماعية- الاقتصادية في روسيا، حيث إن الاقتصاد على حافة ركود وتلوح في الأفق أزمة ميزانية ويتزايد سخط الشعب والنخبة على الحرب، ويتراجع التأييد الشعبي لبوتين على نحو مطرد. ومع ذلك، فإنه من السابق لأوانه القول إن الكفة تميل لصالح أوكرانيا. ولم تفعل النجاحات الأخيرة التي حقققتها أوكرانيا على الصعيد الدبلوماسي وفي ميدان المعركة إلا قدرا ضئيلا لتخفيف التأثير المدمر للحرب المستمرة. وتتصارع البلاد مع أزمة ديموجرافية تتفاقم وفوضى اقتصادية تتصاعد وتكاليف متزايدة لإعادة الإعمار. وتحتاج أوكرانيا إلى إنهاء هذا الصراع في أقرب وقت ممكن. ولا يتراجع بوتين عن طلباته القصوى. وعلى العكس، فقد وسع نطاقها، حيث يدعو لتحرير ليس دونباس فقط ولكن إيضا نوفوروسيا، وهذا تحديد تاريخي فضفاض يشمل آلاف الأميال المربعة من ​الأرض التي تمتد من إقليم خاركيف في شمال شرق أوكرانيا إلى حدوده مع مولدوفا وجيب ترانسنيستريا في الجنوب الغربي. وبدلا من التحرك صوب مفاوضات حسنة النوايا، صعد بوتين الهجمات الجوية الضخمة على المدن الأوكرانية، مستغلا الفجوات الآخذة في الاتساع في الدفاعات الجوية الأوكرانية. ولن يفعل قرار ترمب بشأن صواريخ باتريوت الاعتراضية أي شئ لسد تلك الفجوة على المدى القريب، وسوف تحتاج أوكرانيا ‌لشهور،إن لم يكن ​لسنوات، قبل أن تتمكن من انتاج صواريخ اعتراضية محليا. وتدخل الاتحاد الأوروبي في الأشهر الأخيرة لتعزيز الدعم المادي والدبلوماسي لأوكرانيا ورفعت الدول الأوروبية الأعضاء في حلف الناتو انفاقها على الدفاع.ولكن الأعضاء في الحلف قلقون إزاء الانتقام الروسي. وبينما يظل غزو ‌روسي علنيا لدولة بالحلف احتمالا بعيدا، من المرجح أن يصعد الكرملين الهجمات الهجينة ‌لاختبار عزيمة الحلف ووحدته. وهناك حاجة ملحة لدبلوماسية مكثفة الآن لكسر دورة التصعيد والضغط للتوصل إلى تسوية. وواشنطن فقط هى التي يمكن أن تقود هذا الجهد، وهي الوحيدة التي يمكنها التحدث إلى كل أطراف الصراع موسكو وكييف وعواصم أوروبية رئيسية. وربما يدعو زيلينسكي إلى إجراء محادثات مباشرة مع بوتين، ولكن الرئيس الروسي يكره أن يمنح نظيره الأوكراني الشرعية التي سوف تضفيها عليه مثل هذه المحادثات. وفي الشهرين الماضيين، أوضحت موسكو أنها تريد استئناف المحادثات مع واشنطن. ويؤكد قيام بوتين بالمبادرة باجراء اتصالين هاتفيين مع ترمب في ‌شهر أبريل / نيسان و مايور، معظمهما لمناقشة ملف أوكرانيا، رغبته في استئناف المحادثات التي توقفت في شهر فبراير الماضي بعدما شنت الولايات المتحدة حربها ضد إيران. وهناك سبب وجيه للشك في أهداف الكرملين. ولا يشير أي شئ من التصريحات العلنية للمسؤولين الروس أو التقارير ​الإعلامية إلى أن بوتين يريد استخدام واشنطن كوسيط في مفاوضات حسنة النوايا لإنهاء الحرب. ومن المرجح أن يكون هدفه مواجهة نفوذ أوروبا وأوكرانيا على ترمب و بصفة خاصة بعدما وافق الرئيس الأميركي على بيان زعماء مجموعة السبع في شهر يونيو في إيفيان بفرنسا ن الذي تعهد بدعم قوي راسخ لأوكرانيا والاجتماع الودي لترمب مع زيلينسكي. وسوف يؤدي عدم اتصال ترمب ببوتين بعد وقت قصير من ذلك الاجتماع، مثلما وعد، فقط إلى زيادة المخاوف. ومع ذلك، فإن واشنطن يمكنها إطلاق عملية دبلوماسية مكوكية مكثفة، بين كييف وموسكو وتشمل عواصم أوروبية، للضغط للتوصل إلى إطار عمل لتوجيه مفاوضات ​مستقبلية بشأن إنهاء الحرب يرافقها وقف لإطلاق النار. ولكي تنجح واشنطن في هذا المسعى،سوف يتعين عليها في نهاية المطاف أن تعرض رؤيتها بشأن اتفاق إطار عمل متوازن كأساس للمفاوضات، كما سوف يتعين عليها أن تكون راغبة في استخدام النفوذ الذي تتمتع به على كل أطراف الصراع لفرض اتفاق. وربما يتقلص نفوذها على أوكرانيا بينما تطور وتنتج كييف المزيد من أسلحتها ولكن كييف ما زالت تعتمد على الولايات المتحدة للحصول على المعلومات الاستخباراتية المهمة في ميدان المعركة وهي تحتاج بشكل ملح إلى المزيد من صواريخ باتريوت الاعتراضية. وفيما يتعلق بموسكو، يتضمن ذلك النفوذ كلا من الضغط (الدعم العسكري لأوكرانيا وعقوبات أكثر صرامة على روسيا وجهود مستمرة لتضييق الفضاء الجيوسياسي لروسيا في العالم، ولكن بصفة خاصة في فضاء الاتحاد السوفيتي السابق)، والحوافز (وعود بتخفيف مدروس للعقوبات وخطوات صغيرة صوب تطبيع العلاقات الذي يعطي موسكو شعورا بفوائد أكبر ستعود عليها بمجرد سريان وقف إطلاق النار).

ورغم لغة الحديث الحادة من جانب كل الأطراف، فإن الخطوط العريضة لإطار عمل واضحة بالفعل: وقف لإطلاق النار على طول خط التماس (كييف لن تتخلى أبدا عن أرض لم تسيطر عليها روسيا في ميدان القتال) وروابط أمنية أوثق بين أوكرانيا والغرب بدون عضوية في حلف الناتو، واتفاق على عدم المزيد من توسع الحلف شرقا. وسوف تقدم مثل هذه التسوية لكل من كييف وموسكو نتيجة يمكن أن تزعما أنها انتصار. وسوف تحافظ كييف على سيادة واستقلال أوكرانيا وطموحاتها الأوروبية. ويمكن أن تزعم موسكو النجاح في التصدي للجهد الغربي الجماعي المزعوم لإلحاق هزيمة بروسيا ​ووقف توسع الناتو شرقا. وسوف يكون مثل هذه الاتفاق هشا. وسوف يظل هناك الكثير الذي يتعين القيام به لاستقرار الحدود الطويلة بين روسيا والغرب وللتفاوض على ترتيب أمني أكثر ديمومة في أوروبا يلبي احتياجات كل من أوروبا وروسيا. واختتم جراهام تقريره بالقول إن أي مفاوضات لإنهاء الصراع بين روسيا وأوكرانيا ليست سوى الخطوة الأولى في مفاوضات أطول بشأن الأمن الأوروبي يمكن أن تمتد لسنوات، إن لم يكن لعقود، ولكنها سوف تكون خطوة أولى مهمة.



إقرأ المزيد