جريدة الرياض - 7/27/2026 2:14:26 AM - GMT (+3 )
الجبايات والرسوم التي يفرضها الحوثي أدت إلى تنامي حالة السخط الشعبي
تملل القبائل اليمنية من الحوثي بسبب عمليات التجنيد الإجباري واستنزاف أبنائها
منذ أن وسعت المليشيا الحوثية المدعومة من إيران عملياتها العسكرية في البحر الأحمر وباب المندب، تحولت المليشيا من فاعل محلي في الأزمة اليمنية إلى طرف يسعى لفرض نفسه ضمن معادلات الصراع الإقليمي، ومع كل هجوم جديد، هي محاولة للهروب من أزمات داخلية متفاقمة بدأت تنعكس على تماسك المليشيا الحوثية ونفوذها في مناطق سيطرتها.
ويرى عدد من الباحثين والخبراء في مراكز الدراسات والأبحاث المتخصصة في شؤون اليمن والشرق الأوسط أن هجمات باب المندب لا يمكن فصلها عن ثلاثة اعتبارات رئيسة تتمثل في خدمة الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة، وإعادة إنتاج شرعية للمليشيا داخلياً، وتحويل الأنظار عن التحديات الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة داخل مناطق نفوذها.
باب المندب ورقة ضغط إقليمية
يمثل مضيق باب المندب أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ تعبره نسبة كبيرة من حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة بين آسيا وأوروبا. ولذلك تدرك المليشيا الحوثية أن أي اضطراب في الملاحة يمنحها حضوراً إعلامياً وسياسياً يتجاوز حجمها العسكري الحقيقي داخل اليمن.
ويشير محللون إلى أن الحوثيين يسعون من خلال استهداف السفن التجارية والعسكرية ،لمنح هذه العمليات إيران ورقة ضغط إضافية في مواجهة الولايات المتحدة والدول الغربية، دون الانخراط المباشر في المواجهة.
ويؤكد خبراء في الأمن البحري أن المليشيا تستثمر الموقع الجغرافي لليمن باعتباره أحد أهم عناصر قوتها، إذ إن تهديد الملاحة الدولية يحقق أثراً سياسياً وإعلامياً يفوق بكثير الكلفة العسكرية لهذه العمليات.
تصدير الأزمة إلى الخارج
في المقابل، يرى متخصصون في الشأن اليمني أن التصعيد البحري يعكس أيضاً محاولة للهروب من أزمات داخلية متراكمة. فالمناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين تعاني من تدهور اقتصادي حاد، وتأخر صرف الرواتب، وارتفاع معدلات الفقر، واتساع فجوة الثقة بين السكان والسلطات القائمة.
وتشير قراءات سياسية متكررة إلى أن المليشيا تلجأ في مثل هذه الظروف إلى تصعيد خارجي يعيد تعبئة أنصارها تحت شعارات المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بما يسمح بإعادة توجيه الرأي العام بعيداً عن الملفات المعيشية والخدمية التي يصعب تقديم حلول لها.
ويلاحظ باحثون أن الخطاب الإعلامي الحوثي أصبح يركز بصورة أكبر على القضايا الإقليمية مقارنة بالقضايا الداخلية، في محاولة لإضفاء بعد عقائدي وسياسي على استمرار التعبئة العسكرية.
القبائل اليمنية بين الحياد والاحتقان
على الصعيد الداخلي، برزت خلال السنوات الأخيرة مؤشرات متزايدة على تنامي حالة التململ داخل عدد من القبائل اليمنية، حتى في بعض المحافظات التي كانت تمثل حواضن اجتماعية للمليشيا الحوثية.
ويعزو باحثون هذا التحول إلى مجموعة من العوامل، أبرزها استمرار عمليات التجنيد الإجباري، واستنزاف أبناء القبائل في جبهات القتال، وفرض الجبايات المالية، والتدخل في البنية الاجتماعية التقليدية، إلى جانب تعيين شخصيات موالية لها على حساب القيادات القبلية التاريخية.
ويرى متخصصون أن العلاقة بين الحوثيين والقبائل لم تعد قائمة على التحالف بقدر ما أصبحت علاقة تقوم على موازين القوة والضرورة، وهو ما يجعلها أكثر عرضة للاهتزاز مع أي تغير في موازين الصراع.
الاقتصاد أحد أكبر التحديات
تشير تحليلات اقتصادية إلى أن الأزمة المالية أصبحت تمثل أحد أبرز مصادر الضغط على الحوثي، في ظل تقلص الموارد وارتفاع الإنفاق العسكري واتساع الاحتياجات الإنسانية.
وأن استمرار الأزمة الاقتصادية يقلل من قدرة الحوثيين على الحفاظ على شبكات الولاء المحلية، خصوصاً مع تراجع مستويات الخدمات وازدياد معاناة السكان.
كما أن اعتماد المليشيا على الجبايات والرسوم المختلفة لتعويض نقص الإيرادات أدى إلى تنامي حالة السخط الشعبي في عدد من المناطق.
نهاية الحوثيين..
المليشيا الحوثية تواجه اليوم أكبر تحدياتها منذ سيطرتها على صنعاء، نتيجة الضغوط العسكرية الخارجية، والتراجع الاقتصادي، وتآكل جزء من الحاضنة الاجتماعية.
وأن نهايتها تتطلب تزامن ضغوط عسكرية واقتصادية وسياسية واجتماعية في وقت واحد، مع وجود بديل سياسي قادر على إدارة المرحلة التالية.
تصريحات المتحدث الرسمي لدعم الشرعية
جاءت تصريحات المتحدث الرسمي باسم قوات "تحالف دعم الشرعية في اليمن"، اللواء الركن تركي المالكي، حاملة ثلاثة مسارات متداخلة: إدانة سياسية - قانونية لاستهداف الميليشيا الحوثية السفن التجارية، ورسالة طمأنة موجهة إلى الشعب اليمني بشأن استمرار الدعم السعودي له، وتبرير عملياتي للرد العسكري الذي نفذه التحالف. وهذا التوزيع الثلاثي ليس عرضيا، بل يعكس منهجا معتادا في الخطاب الرسمي للمملكة حيال الملف اليمني، يقوم على الفصل الواضح بين المواجهة مع الميليشيا الحوثية والموقف الداعم للشعب والحكومة الشرعية.
الأعمال الحوثية "إرهاب بحري"
استهل اللواء المالكي تصريحه بتوصيف استهداف الحوثيين السفن التجارية في البحر الأحمر بأنه عمل "جبان ومتهور"، مضيفا إياه إلى سجل الميليشيا في الإرهاب البحري. وهذا التوصيف ليس وصفاً عابراً، بل يحمل دلالة قانونية وسياسية مقصودة، إذ يربط الفعل بمفهوم الإرهاب لا بمفهوم النزاع العسكري التقليدي، بما يجرّد الحوثيين من أي مسوّغ يمكن أن يُقدَّم بوصفه دفاعاً مشروعاً، ويضعهم في خانة الأطراف الخارجة عن الشرعية الدولية في أحد أهم الممرات الملاحية العالمية.
رسالة الطمأنة إلى الشعب اليمني
أكد المتحدث المالكي أن المملكة "وقفت وستظل" إلى جانب الشعب اليمني وحكومته الشرعية، في تجديد صريح لالتزام سياسي طويل الأمد لا يرتبط بحادثة بعينها. وتحمل هذه العبارة وظيفة مزدوجة: من جهة، طمأنة الرأي العام اليمني إلى أن العملية العسكرية موجهة حصرا ضد الميليشيا وليست إجراء عقابيا يطال المدنيين؛ ومن جهة أخرى، تثبيت الموقف السعودي أمام الرأي العام الإقليمي والدولي بوصفه داعما ثابتا للشرعية، في مواجهة أي محاولة حوثية لتصوير المملكة طرفا في تعميق أزمة اليمنيين.
نفي الحصار وتفنيد الرواية الحوثية
خصّص المتحدث الرسمي لدعم الشرعية في اليمن جزءاً مهماً من تصريحه لتفنيد ما تروّج له الميليشيا من وجود "حصار" مفروض على اليمن، مؤكدا أن ميناء الحديدة لم يُستهدف، وأن موانئ الحديدة ورأس عيسى والصليف تعمل بشكل طبيعي في استقبال السفن التجارية المحمّلة بالغذاء والوقود ومواد البناء، وأن الرحلات الجوية تسيّر عبر المطارات اليمنية. في المقابل، وجّه المالكي الاتهام إلى الميليشيا ذاتها بوصفها المسؤولة عن استمرار معاناة اليمنيين، من خلال رفضها المتكرر تسيير الرحلات من مطار صنعاء الدولي، في محاولة - بحسب التصريح - لتصدير أزمتها الداخلية وتحميل أطراف أخرى مسؤولية تبعاتها.
التبرير العملياتي والقانوني للضربة
انتقل اللواء المالكي إلى الجانب العملياتي، موضحا أن التحالف نفّذ ردا "حازما وقويا" روعيت فيه أولوية الحفاظ على مقدرات الشعب اليمني، وأن الاستهداف اقتصر على أهداف عسكرية مشروعة تابعة للميليشيا، ذات صلة مباشرة بتهديد الملاحة في البحر الأحمر. وشدد على أن العملية أُنجزت وفق مبدأ التناسب وحققت أهدافها العملياتية المخطط لها، منسجمة مع أحكام القانون الدولي الإنساني وقواعده العرفية. وتكمن أهمية هذا التوضيح في أنه يضع العملية ضمن إطار قانوني دولي معترف به، بما يحصّنها من أي اتهامات محتملة بتجاوز قواعد الاشتباك أو المساس بالمدنيين.
تحذير مستقبلي مفتوح
وأكد اللواء ركن تركي المالكي في نهاية تصريحه بتأكيد استمرار قيادة القوات المشتركة للتحالف في اتخاذ كل الإجراءات والتدابير اللأزمة لحماية السفن السعودية ومصالح المملكة الوطنية، مع تحذير صريح بأن استمرار الأعمال العدائية للميليشيا سيُقابَل بردّ "دون تهاون". وهذا التحذير يحمل طابع الردع الاستباقي أكثر منه إعلانا عن نية تصعيد فوري، إذ يضع الكرة في ملعب الحوثيين، ويجعل أي تصعيد لاحق مسؤولية مباشرة عن قرارهم بمواصلة استهداف الملاحة.
ويتّسم البيان في مجمله بطابع دفاعي-ردعي متوازن، يجمع بين تثبيت الشرعية القانونية للعملية العسكرية، ونزع الشرعية عن الرواية الحوثية بشأن الحصار، وتأكيد استمرار الالتزام السعودي بدعم اليمنيين اقتصاديا وإنسانيا بمعزل عن المواجهة العسكرية مع المليشيا. وبذلك يسعى الخطاب إلى تحقيق هدف مزدوج: طمأنة الداخل اليمني والرأي العام الدولي من جهة، وردع الحوثيين عن تكرار استهداف الملاحة البحرية من جهة أخرى، دون إغلاق الباب أمام تصعيد أوسع إذا استمرت المليشيا في سياستها الحالية.
إقرأ المزيد


