من واشنطن إلى إفريقيا.. الكيماوي يوسّع عزلة بورتسودان
سكاي نيوز عربية -

وظهر هذا التحول بوضوح مع دخول وسائل إعلام إفريقية بارزة على خط القضية، وفي مقدمتها صحيفة "فانغارد" النيجيرية واسعة الانتشار، التي تناولت العقوبات الأميركية الجديدة المفروضة على السودان، وربطتها بقرار واشنطن أن الحكومة السودانية انتهكت اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية باستخدام تلك الأسلحة عام 2024.

ولا تكمن أهمية التغطية النيجيرية في إعادة نشر الموقف الأميركي فحسب، بل في نقل الملف إلى الفضاء الإعلامي الإفريقي، بعدما ظل حضوره الأبرز خلال الأشهر الماضية في وسائل الإعلام والمؤسسات الغربية، وهو ما يضاعف الكلفة السياسية للاتهامات على الجيش وسلطة الأمر الواقع في بورتسودان.

وذكرت "فانغارد" أن العقوبات، التي دخلت حيز التنفيذ في 20 يوليو، وسّعت القيود على الصادرات والتمويل، وألزمت الولايات المتحدة بمعارضة القروض والمساعدات المالية الموجهة إلى السودان عبر المؤسسات المالية الدولية.

وأوضحت أن الإجراءات الجديدة جاءت امتداداً للعقوبات المفروضة بعد توصل واشنطن إلى أن السودان خالف التزاماته بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.

كما تناولت صحيفة "بانش" النيجيرية القضية، مشيرة إلى أن العقوبات استندت إلى اتهام الحكومة التي يهيمن عليها الجيش باستخدام أسلحة كيميائية في حربها ضد قوات الدعم السريع.

واستعادت الصحيفة أيضاً اتهامات سابقة طالت الجيش السوداني باستخدام مواد كيميائية ضد المدنيين في دارفور.

ويعكس تزامن التغطيتين في صحيفتين نيجيريتين بارزتين خروج الملف تدريجياً من نطاق التجاذب السياسي الثنائي مع واشنطن، الذي تحاول سلطة بورتسودان حصره فيه، وتحوله إلى قضية تُناقش داخل الفضاء الإعلامي الإفريقي، بما تحمله من دلالات تتصل بحماية المدنيين، والمسؤولية القانونية، والتزام الدول الإفريقية بالقواعد الدولية التي تحظر استخدام الأسلحة الكيميائية.

ضغوط تتجاوز العقوبات

كانت الولايات المتحدة قد أعلنت جولة ثانية من العقوبات على السودان، بعد قولها إن سلطة بورتسودان لم تتخذ الخطوات المطلوبة لمعالجة انتهاك اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية والعودة إلى الامتثال لها.

وشملت الإجراءات إنهاء بعض المساعدات غير الإنسانية، وفرض قيود إضافية على الصادرات والتمويل والتعاون العسكري، ومعارضة حصول السودان على قروض من المؤسسات المالية الدولية.

وبذلك لم تعد القضية مجرد إدانة سياسية، بل تحولت إلى إجراءات عملية قد تحد من قدرة سلطة بورتسودان على الوصول إلى التمويل والتكنولوجيا والتعاون الدولي، وتزيد صعوبة استعادة الاعتراف والشراكات الخارجية.

وفي موازاة ذلك، صعّدت واشنطن تحركاتها داخل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، مطالبة بتحقيق وتفتيش دوليين مستقلين، ومؤكدة أن الإجراءات الداخلية التي أعلنتها سلطة بورتسودان لا تغني عن التحقق الدولي المحايد.

كما أكدت الولايات المتحدة أمام المجلس التنفيذي للمنظمة أن أسلحة كيميائية استُخدمت في السودان عام 2024 في انتهاك للاتفاقية، بينما دعت بريطانيا الحكومة السودانية إلى إعلان نتائج تحقيقاتها والتعاون مع الآليات الدولية.

ويضع ذلك سلطة بورتسودان أمام ضغوط متزايدة، إذ إن استمرار الإنكار ورفض التحقيق المستقل قد يعززان المطالب الدولية باتخاذ إجراءات إضافية.

الإنكار لا يوقف اتساع الملف

رفضت سلطة بورتسودان العقوبات الأميركية، ووصفت الاتهامات بأنها غير مثبتة وذات دوافع سياسية، معتبرة الإجراءات أحادية وغير قانونية.

غير أن هذا الرفض لم يحد من اتساع التغطية الدولية، بل دفع وسائل إعلام إضافية إلى إعادة فتح ملف استخدام الأسلحة الكيميائية في الحرب السودانية.

وتناولت وسائل إعلام دولية العقوبات الجديدة، مستعيدةً تقارير سابقة عن استخدام غاز الكلور خلال هجمات وقعت عام 2024، وربطت الملف الكيميائي بسجل أوسع من الانتهاكات التي طالت المدنيين والمرافق الحيوية.

وكان تحقيق نشرته "فرانس 24" قد عرض معطيات وأدلة تشير إلى استخدام غاز الكلور قرب مصفاة الجيلي شمال الخرطوم في سبتمبر 2024، فيما أفادت تقارير أميركية بأن الجيش استخدم أسلحة كيميائية في مناسبتين على الأقل خلال الحرب.

كما سبق أن نشرت "سكاي نيوز عربية" تحقيقاً استقصائياً موسعاً تضمن صوراً وشهادات مصورة لضحايا يُشتبه في تعرضهم لأسلحة كيميائية، مدعومة بتقارير طبية وأدلة بصرية.

ومع ذلك، يبقى الحسم الفني والقانوني النهائي من اختصاص آليات التحقيق الدولية، في وقت تواصل فيه سلطة بورتسودان، التي يهيمن عليها الجيش السوداني، رفض استقبال فرق التحقيق الدولية، على غرار موقفها من بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة التابعة لمجلس حقوق الإنسان، وهو ما يجعل المطالبة بالسماح لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية بإجراء تحقيق مستقل إحدى أبرز نقاط الضغط الدولي في هذا الملف.

من أزمة صورة إلى خطر عزلة أوسع

ويأتي اتساع الاهتمام الإفريقي بالملف في توقيت تحاول فيه سلطة بورتسودان تعزيز حضورها الدبلوماسي في القارة، وتقديم الحرب باعتبارها معركة دولة ضد تمرد مسلح، لا نزاعاً ارتكبت خلاله الأطراف انتهاكات جسيمة.

لكن انتقال اتهامات الأسلحة الكيميائية إلى الصحافة الإفريقية يهدد هذه الرواية، إذ يقدم الجيش السوداني باعتباره طرفاً يواجه اتهاماً باستخدام أحد أكثر أنواع السلاح تحريماً في القانون الدولي، لا بوصفه مجرد مؤسسة نظامية تخوض حرباً تقليدية.

كما أن تكرار القضية في المنصات الإفريقية قد يفتح الباب أمام تصاعد مطالب منظمات المجتمع المدني والهيئات الحقوقية الإفريقية بفرض تحقيقات مستقلة، ومساءلة المسؤولين، وربط أي انفتاح سياسي أو اقتصادي على سلطة بورتسودان بمدى تعاونها مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.

ولا تعني تغطية الصحافة النيجيرية أن موقفاً إفريقياً رسمياً موحداً قد تشكل بالفعل، لكنها تمثل مؤشراً مهماً إلى أن القضية تجاوزت إطارها الأميركي، وأصبحت قابلة للانتشار والتفاعل داخل القارة. وبذلك بات ملف الأسلحة الكيميائية جزءاً من الصورة السياسية والدبلوماسية لسلطة بورتسودان أمام العالم، لا مجرد خلاف ثنائي مع واشنطن، كما تحاول تسويقه.

ملف مفتوح وكلفة متصاعدة

تشير التغطيات المتتالية في وسائل إعلام دولية وإفريقية إلى أن ملف الأسلحة الكيميائية لم يعد مجرد خلاف سياسي بين واشنطن وسلطة بورتسودان، بل تحول إلى قضية تلاحق صورة الجيش السوداني في الخارج، مع اتساع تداولها وارتباطها المتزايد بالعقوبات والقيود المالية والمساءلة الدولية والاتهامات بانتهاك اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.

وكلما استمرت سلطة بورتسودان في الإنكار، ورفضت التعاون مع آليات التحقيق والتحقق الدولية، ازدادت احتمالات أن يتحول الملف من أزمة في علاقاتها مع واشنطن إلى عنوان دائم لعزلتها الإقليمية والدولية، وأداة ضغط متصاعدة على قيادتها العسكرية، ليس فقط على الساحة الدولية، وإنما داخل محيطها الإفريقي أيضاً.



إقرأ المزيد