سكاي نيوز عربية - 7/24/2026 1:50:49 PM - GMT (+3 )
وفي اعتراف رسمي، أقرت وزارة الطاقة والنفط التابعة لسلطة بورتسودان بأن أزمة الكهرباء الحالية تعود إلى مجموعة من العوامل المتزامنة، في مقدمتها توقف واردات الكهرباء من إثيوبيا، إلى جانب الأضرار الواسعة التي لحقت بشبكات النقل والتوزيع، ونقص الوقود اللازم لتشغيل المحطات الحرارية، وصعوبة توفير قطع الغيار بسبب الحرب وتعطل سلاسل الإمداد.
ثلاثة أسباب وراء الانهيار
يرى خبراء أن توقف الإمداد الإثيوبي لم يكن سوى عامل سرّع الأزمة، بينما تعود جذورها إلى الحرب التي استنزفت موارد الدولة، وإلى الفساد الذي ضرب كافة القطاعات، وأدى إلى إهدار مخصصات الصيانة والتأهيل وتراجع كفاءة الشبكة عاماً بعد آخر.
لكن هذا الإقرار الرسمي لا يقدم سوى جزء من الصورة. فبحسب خبراء ومختصين، فإن استمرار الحرب وجه الموارد العامة نحو المجهود العسكري على حساب الخدمات، وأوقف أعمال الصيانة والاستثمار، وأعاق إصلاح البنية التحتية المدمرة، فضلاً عن تفشي الفساد الذي بات، بحسب مراقبين، سمة ملازمة لإدارة سلطة بورتسودان.
وتقول وزارة الطاقة في بورتسودان إن ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، وعودة آلاف السكان إلى بعض المناطق، وزيادة الطلب من القطاعين الزراعي والصناعي، كلها عوامل أسهمت في تعميق الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك. غير أن هذه الضغوط، وفق خبراء، ما كانت لتتحول إلى أزمة بهذا الحجم لولا استمرار القتال، واستشراء الفساد، وتعطل مؤسسات الدولة والخدمات الأساسية.
وأدت الانقطاعات الطويلة إلى شلل واسع في الحياة اليومية، إذ تعتمد المستشفيات ومحطات المياه والمخابز ومرافق الاتصالات على مولدات تعمل بالوقود الذي أصبح نادراً ومرتفع الكلفة، بينما تواجه الأسر ساعات طويلة من انقطاع الكهرباء وسط درجات حرارة مرتفعة، الأمر الذي يزيد من معاناة ملايين المدنيين.
كما أصابت الأزمة النشاط الاقتصادي بشلل واسع، مع اضطرار المصانع وورش الإنتاج إلى تقليص ساعات العمل أو التوقف الكامل، وارتفاع تكاليف التشغيل، في وقت يشهد فيه السودان أصلاً انهيارا اقتصاديا وتراجعا حادا في الإنتاج والاستثمار.
الحرب تطيل معاناة السودانيين
ويبرز توقف الربط الكهربائي مع إثيوبيا بوصفه عاملا إضافيا في الأزمة، بعدما كان يمثل أحد المصادر المهمة لدعم الشبكة السودانية خلال فترات الذروة. إلا أن مسؤولين يؤكدون أن الاعتماد على الكهرباء المستوردة لم يكن ليصبح بهذه الحساسية لولا أن الحرب أضعفت قدرة الشبكة الوطنية وأخرجت أجزاءً من منظومة الإنتاج والنقل عن الخدمة.
ويحذر مختصون من أن استمرار الحرب سيجعل أي حلول فنية أو إسعافية محدودة الأثر، لأن إعادة تأهيل قطاع الكهرباء تتطلب بيئة آمنة، واستثمارات كبيرة، وعودة فرق الصيانة إلى المواقع المتضررة، وهي شروط يصعب تحقيقها في ظل استمرار العمليات العسكرية.
ويرى مراقبون أن استمرار الحرب يرتبط أيضا برفض قوى نافذة داخل السلطة في بورتسودان، على رأسها تيارات محسوبة على الحركة الإسلامية (تنظيم الإخوان)، للمبادرات الرامية إلى وقف إطلاق النار، وهو ما أدى إلى تعثر عدد من المبادرات الإقليمية والدولية، وإطالة أمد الانهيار الذي طال القطاعات الخدمية، وفي مقدمتها الكهرباء.
الفساد والحرب.. أزمة واحدة
وفي حديث لسكاي نيوز عربية، قال المهندس حسن عبد الله، وهو مهندس سابق في الهيئة القومية للكهرباء بالسودان، إن اختزال الأزمة في توقف الإمداد الكهربائي الإثيوبي أو الأضرار التي خلفتها الحرب "لا يعكس الصورة الكاملة"، مؤكدا أن الفساد أصبح أحد الأسباب الرئيسية لانهيار قطاع الكهرباء.
وأضاف أن "الأموال التي تُرصد لإعادة تأهيل المحطات وصيانة الشبكات، تُهدر أو تُستنزف عبر شبكات فساد، فيما تُبرم عقود لتوريد معدات وقطع غيار غير مطابقة للمواصفات أو منخفضة الجودة، الأمر الذي يؤدي إلى تكرار الأعطال وتعطل المحطات بعد فترة وجيزة من تشغيلها".
وأشار إلى أن اللجوء إلى حلول مؤقتة، مثل استقدام محطة توليد عائمة، أو ما يُعرف بـ"السفينة البنغلاديشية" التي وصلت إلى بورتسودان، "لا يمثل حلا فنيا مستداما لأزمة الكهرباء، وإنما يخدم، بحسب تقديره، شبكات الفساد أكثر مما يخدم المواطنين".
ويرى حسن أن قطاع الكهرباء في السودان شهد، عقب انقلاب أكتوبر 2021، عودة ما وصفها بـ"شبكات المصالح وكارتيلات الفساد المرتبطة بالنظام السابق"، والتي استعادت نفوذها داخل مؤسسات الدولة، بما فيها قطاع الكهرباء، مضيفا أن هذه الشبكات "تعاملت مع موارد القطاع باعتبارها مصدرا للإثراء، بدلا من توجيهها إلى صيانة المحطات، وتطوير الشبكات، وتحسين الخدمة".
وقال إن استمرار الحرب خلق بيئة تراجعت فيها الرقابة والمحاسبة، وأصبحت الأولوية للإنفاق العسكري، بينما تُركت القطاعات الخدمية الأساسية، وفي مقدمتها الكهرباء، تعاني من نقص التمويل، وسوء الإدارة، وغياب الرقابة، الأمر الذي أدى إلى اتساع رقعة الانقطاعات وتدهور مستوى الخدمة في معظم أنحاء البلاد.
وختم بالقول: "ما يشهده السودان اليوم ليس مجرد أزمة كهرباء ناجمة عن الحرب، بل هو نتيجة تراكب ثلاثة عوامل رئيسية: الحرب، وانقطاع الإمداد الخارجي، والفساد المنظم داخل مؤسسات الدولة. وحتى إذا استؤنف استيراد الكهرباء من إثيوبيا، فإن الأزمة لن تجد حلا دائما ما لم تتوقف الحرب، وتُفكك شبكات الفساد، ويُعاد بناء مؤسسات قطاع الكهرباء على أسس مهنية وشفافة".
وبينما تتبادل أطراف السلطة في بورتسودان الاتهامات بشأن مسؤولية انهيار الخدمات، يبقى المدنيون الطرف الأكثر تضررا، إذ أصبحت الكهرباء، مثل المياه والرعاية الصحية والتعليم، إحدى أبرز ضحايا الحرب المستمرة، في وقت تتزايد فيه الدعوات الدولية لوقف القتال باعتباره المدخل الأساسي لوقف الانهيار المتسارع في الخدمات العامة وإنقاذ ما تبقى من البنية التحتية للدولة.
ويشهد السودان منذ أبريل 2023 حربا دامية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، خلفت عشرات الآلاف من القتلى وملايين النازحين واللاجئين، وأدت إلى انهيار واسع في مؤسسات الدولة والخدمات الأساسية، وسط أزمة إنسانية تصفها الأمم المتحدة بأنها الأسوأ في العالم.
إقرأ المزيد


