دعوة تاكر كارلسون لحزب ثالث في أميركا.. حلم يتجدد وعقبات لا تتغير
جريدة الرياض -

قال الإعلامي الأميركي المحافظ تاكر كارلسون مؤخرا: «سأساعد في تأسيس حزب سياسي ثالث… يجب أن نبذل جهدًا صادقًا لمعرفة ما يخدم مصلحة البلاد.»

يثير هذا التصريح تساؤلات جوهرية حول مدى قابلية إنشاء حزب سياسي ثالث في الولايات المتحدة. فهل تسمح طبيعة النظام الانتخابي الأميركي بنجاح مثل هذا المشروع؟ وما أبرز الفرص التي قد تدعم قيامه، وما التحديات السياسية والتنظيمية والانتخابية التي قد تحول دون تحقيقه؟

كان العديد من المعلقين المحافظين متشككين بشدة في المقترحات الرامية إلى إنشاء حزب سياسي ثالث قابل للحياة في الولايات المتحدة. وعلى الرغم من انتقاداتهم الحادة المتكررة لقيادات الحزب الجمهوري وما كان يُعتبر المؤسسة الحزبية، فقد جادلوا باستمرار بأن إنشاء حزب جديد سيؤدي في النهاية إلى تقوية الحزب الديمقراطي بدلًا من تعزيز المبادئ المحافظة. وقد عكس هذا الموقف فهمًا للنظام الانتخابي الأميركي وفلسفة أوسع في الاستراتيجية السياسية.

يرى هؤلاء أن نظام الانتخابات القائم على الفائز يحصد كل شيء في الولايات المتحدة يفرض عوائق هيكلية كبيرة أمام الأحزاب الثالثة. فعلى عكس الديمقراطيات البرلمانية، حيث يمكن للأحزاب الصغيرة الحصول على تمثيل تشريعي من خلال التصويت النسبي، فإن الانتخابات الأميركية تكافئ عادةً المرشح الذي يحصل على أكبر عدد من الأصوات في كل دائرة أو ولاية. ونتيجة لذلك، يمكن لحركة حزب ثالث تحظى بشعبية أن تجذب ملايين الأصوات دون أن تفوز بتمثيل سياسي فعلي. وفي هذا التقييم، تجعل هذه الحقائق المؤسسية نجاح حزب ثالث على المدى الطويل أمرًا غير مرجح للغاية.

كان أحد أبرز الحجج أن حزبًا ثالثًا محافظًا سيؤدي على الأرجح إلى تقسيم أصوات الجمهوريين بدلًا من جذب أعداد كبيرة من الناخبين الديمقراطيين. وغالبًا ما يُشار إلى أمثلة تاريخية مثل حملات روس بيرو في عام 1992 وحزب ثيودور روزفلت التقدمي “بول موس” في عام 1912، حيث أثرت ترشيحات الأحزاب الثالثة على نتائج الانتخابات دون أن تؤسس بدائل سياسية دائمة. ومن هذا المنظور، ينبغي للناخبين المحافظين غير الراضين عن قيادة الحزب الجمهوري إصلاح الحزب من الداخل بدلًا من التخلي عنه.

كما يتم التمييز بين الاختلاف مع قيادة الحزب ورفض الحزب نفسه. فقد انتُقد سياسيون جمهوريون اعتُبر أنهم تخلوا عن المبادئ المحافظة في قضايا مثل الإنفاق الحكومي والهجرة وتوسيع سلطة الحكومة الفيدرالية. ومع ذلك، يُنظر إلى هذه الإخفاقات على أنها لا تبرر إنشاء حزب منفصل. وبدلًا من ذلك، يُشجَّع المحافظون على ترشيح مرشحين أقوى، والمشاركة بنشاط في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري، واستعادة ما يُعتبر الأساس الأيديولوجي للحزب.

ومن التحديات الأخرى التي يتم التشديد عليها العبء التنظيمي الهائل الذي يواجه أي حزب سياسي جديد. فإقامة حزب على مستوى البلاد تتطلب الحصول على حق الظهور في بطاقات الاقتراع في جميع الولايات الخمسين، وبناء منظمات محلية، واستقطاب مرشحين مؤهلين، وجمع موارد مالية كبيرة، وإنشاء قاعدة ناخبين مستدامة، وغالبًا ما يُرى أن هذه العقبات العملية يتم التقليل من شأنها من قبل مؤيدي الأحزاب الثالثة، الذين يكون دافعهم في كثير من الأحيان الإحباط أكثر من الحسابات الاستراتيجية كما هو الحال مع الإعلامي المحافظ تاكر كارلسون.

وعلى الرغم من النظرة المتشائمة عمومًا تجاه آفاق حزب ثالث، يُقر البعض بأن عدم رضا الجمهور عن الحزبين الرئيسيين قد يخلق فرصًا لإعادة الاصطفاف السياسي. فالإحباط الواسع من واشنطن، وتراجع الثقة في المؤسسات السياسية، وعدم الرضا عن النخب الحزبية يمكن أن يولد دعمًا لحركات خارجية. ومع ذلك، يُعتقد أن هذه الحركات من المرجح أن تنجح من خلال إعادة تشكيل أحد الحزبين الرئيسيين القائمين بدلًا من استبدالهما.

وقد أصبحت هذه الرؤية ذات صلة خاصة خلال صعود الحركة الشعبوية المحافظة التي أوصلت في النهاية دونالد ترمب إلى الصدارة الوطنية. فبدلًا من اعتبار حملة ترمب دليلًا على الحاجة إلى حزب ثالث، يُنظر إليها كدليل على أن التحول السياسي يمكن أن يحدث من داخل أحد الأحزاب الأميركية الراسخة. ويُجادل بأن الحزب الجمهوري يمكن إعادة توجيهه من قبل ناخبيه دون التخلي عن مزاياه المؤسسية.

كما يُعتقد أن التغطية الإعلامية غالبًا ما تبالغ في تقدير قابلية حركات الأحزاب الثالثة للحياة. ففي هذا الرأي، تولد العديد من هذه المبادرات حماسًا عامًا كبيرًا خلال فترات الإحباط السياسي، لكنها تتلاشى تدريجيًا لأنها تفتقر إلى منظمات قاعدية متينة، وبرامج حكم متماسكة، والبنية المؤسسية اللازمة للمنافسة على المستوى الوطني عبر دورات انتخابية متعددة.

ومع ذلك، يمكن تحديد عدة فرص ضمنية. فقد يمكن لحركة حزب ثالث أن تضغط على الحزب الجمهوري لتبني سياسات أكثر محافظة، أو تفرض نقاشًا حول قضايا مهملة، أو تؤثر في الخطاب السياسي الوطني. وحتى إذا فشلت انتخابيًا، فقد تعمل كمحفز للإصلاح من خلال إظهار مدى استياء الناخبين. ومع ذلك، يُجادل بأن هذه الأهداف يمكن تحقيقها عادةً بشكل أكثر فعالية من خلال النشاط داخل الحزب بدلًا من التشتت الانتخابي.

وخلاصة القول، يُنظر إلى إنشاء حزب سياسي ثالث على أنه ليس أمرًا مستحيلًا، لكنه معيب استراتيجيًا في ظل النظام السياسي الأميركي. وتتمثل التحديات الرئيسية في هيكل الانتخابات القائم على الفائز يحصد كل شيء، وانقسام أصوات المحافظين، والعوائق التنظيمية والمالية، والقوة المستمرة لنظام الحزبين. وبينما يُقر بأن الإحباط الشعبي الواسع قد يخلق زخمًا للتغيير السياسي، يُعتقد أن الفرصة الأكبر تكمن في إصلاح الحزب الجمهوري من الداخل بدلًا من محاولة بناء بديل دائم من حزب ثالث. ويعكس هذا التحليل تقييمًا عمليًا للمؤسسات الانتخابية الأمريكية وقناعة بأن النجاح السياسي الدائم يعتمد بقدر ما يعتمد على الاستراتيجية والتنظيم كما يعتمد على الأيديولوجيا.

تحليل - عزام المشعل


إقرأ المزيد