الهوية الأميركية
جريدة الرياض -

وفقًا لاستطلاع رأي حظي بتداول واسع في الولايات المتحدة، كشف عن فجوة لافتة في مستوى الفخر بالانتماء الوطني بين أنصار الحزبين الرئيسيين؛ إذ أعرب 90 % من الجمهوريين عن اعتزازهم بانتمائهم لأميركا، مقابل 29 % فقط من الديمقراطيين، إذا صحت نتائج الاستطلاع، فإن المسألة تتجاوز مجرد تباين انتخابي عابر، لتكشف عن تحول ثقافي وفكري عميق داخل المجتمع الأميركي، وخصوصًا داخل الحزب الديمقراطي الذي أصبحت قاعدته الانتخابية تعتمد بدرجة متزايدة على الأقليات العرقية والمهاجرين وسكان المدن الكبرى والشرائح الجامعية الشابة.

خلال العقود الماضية كان الحزبان يتنافسان على من يمثل المصالح الأميركية بصورة أفضل، أما اليوم فأصبح الخلاف يمتد إلى كيفية النظر إلى التاريخ الأميركي ذاته، فبينما يرى الجمهوريون الولايات المتحدة باعتبارها أعظم تجربة سياسية واقتصادية في التاريخ الحديث، وأن إنجازاتها تفوق أخطاءها، تميل قطاعات واسعة داخل الحزب الديمقراطي إلى تبني قراءة أكثر نقدية للتجربة الأميركية، تركز على قضايا "العبودية" والتمييز العنصري والظلم الاجتماعي وعدم المساواة.

وقد تجسد هذا التحول بوضوح خلال السنوات الأخيرة في الحملات التي استهدفت العديد من الرموز التاريخية الأميركية، حيث تعرضت تماثيل شخصيات مؤسسة للولايات المتحدة للإزالة أو التشويه أو المطالبة بإبعادها عن الفضاء العام. ومن أبرزها تماثيل الرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون، أحد الآباء المؤسسين وصاحب الدور المحوري في صياغة إعلان الاستقلال، إضافة إلى انتقادات وحملات طالت الرئيس السابع أندرو جاكسون ، وكذلك الرئيس الثامن والعشرين وودرو ويلسون الذي ارتبط اسمه بسياسات الفصل العنصري داخل مؤسسات الحكومة الفيدرالية. ويرى المحافظون أن استهداف هذه الرموز يتجاوز مراجعة التاريخ إلى تقويض السردية الوطنية الأميركية وإضعاف الركائز الرمزية التي قامت عليها الهوية المشتركة للبلاد.

من منظور مؤيدي هذا التوجه، فإن مراجعة التاريخ ونقد رموزه لا يتعارضان مع الوطنية، بل يمثلان محاولة لتصحيح الأخطاء التاريخية وبناء مجتمع أكثر عدالة وشمولًا. أما من منظور المحافظين، فإن هذا الخطاب أسهم في إضعاف الشعور بالفخر الوطني، وتحويل السردية الأميركية من قصة نجاح استثنائية إلى سجل من المظالم والأخطاء.

كما أن تصاعد سياسات الهوية داخل الحزب الديمقراطي أدى إلى تعزيز الانتماءات الفرعية المرتبطة بالعرق أو الأصل أو الخلفية الثقافية على حساب الهوية الوطنية الجامعة. وبالنسبة لعدد من الناخبين المنتمين إلى الأقليات، أصبحت الوطنية مرتبطة بمدى قدرة الدولة على تحقيق العدالة والمساواة أكثر من ارتباطها بالرموز الوطنية التقليدية أو السردية التاريخية الأميركية.

وتكمن الدلالة السياسية الأهم في أن هذه الفجوة تمنح الحزب الجمهوري فرصة متزايدة لاحتكار خطاب الوطنية والفخر بالهوية الأميركية، وهو ما قد ينعكس بصورة مباشرة على نتائج الانتخابات الرئاسية المقبلة. فكلما اتسعت الهوة بين مفهوم الوطنية لدى الحزبين، ازدادت صعوبة استعادة الحزب الديمقراطي للناخب الوسطي الذي يبحث عن خطاب يجمع بين الإصلاح والاعتزاز بالوطن. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام الديمقراطيين لا يكمن في كسب أصوات الأقليات فحسب، بل في إعادة صياغة مفهوم وطني جامع يوازن بين نقد الماضي والحفاظ على الشعور بالفخر بالهوية الأميركية.

يمكن استخلاص عدد من الدلالات السياسية اللافتة من نتائج هذا الاستطلاع:

اتساع الفجوة بين الحزبين: لم يعد التباين محصورًا في البرامج والسياسات، بل امتد إلى قضايا الهوية الوطنية ومعنى الانتماء إلى الولايات المتحدة.

ترسيخ الجمهوريين لخطاب الوطنية: واصل الحزب الجمهوري تعزيز حضوره باعتباره الأكثر ارتباطًا بمفاهيم الفخر الوطني، والعلم الأميركي، والمؤسسات التقليدية.

تحديات داخل الحزب الديمقراطي: أسهم تصاعد التيارات التقدمية ذات النظرة النقدية للتاريخ الأميركي في تعميق الجدل حول الخطاب الوطني التقليدي داخل الحزب.

إشارة انتخابية تستحق المتابعة: قد ينعكس تراجع مشاعر الفخر الوطني بين شريحة من الناخبين الديمقراطيين على قدرة الحزب في استقطاب الناخبين المستقلين والوسطيين، خصوصًا في الولايات المتأرجحة.

تعزيز السردية المحافظة: تمنح هذه الفجوة الجمهوريين فرصة لتعزيز خطابهم الانتخابي وتقديم أنفسهم بوصفهم المدافعين عن الهوية والقيم الأميركية.

انقسام يتجاوز السياسة: تشير النتائج إلى انقسام مجتمعي أعمق يتعلق بتعريف الهوية الأميركية، وهو عامل قد يكون أكثر تأثيرًا في الانتخابات الرئاسية المقبلة من العديد من الملفات الاقتصادية أو الخارجية.

في المحصلة، إذا عكست نتائج هذا الاستطلاع الواقع بدقة، فإنها تكشف عن تحول يتجاوز الخلافات الحزبية التقليدية إلى تباين في فهم الهوية الوطنية ومعنى الانتماء للولايات المتحدة. وعندما تصبح الرواية التاريخية، والرموز الوطنية، ومفهوم الوطنية نفسها محل انقسام، فإن ذلك يشير إلى تغيرات ثقافية عميقة قد تعيد تشكيل الخطاب السياسي والمجتمعي الأميركي خلال العقود القليلة المقبلة.

عزام المشعل


إقرأ المزيد