سكاي نيوز عربية - 7/6/2026 6:12:48 AM - GMT (+3 )
وبينما تحظى الإجراءات الأخيرة بترحيب شعبي واسع، تزداد التساؤلات بشأن قدرة الحكومة على المضي في ملاحقة ما يُعرف بـ"حيتان الفساد"، ومدى استعدادها لتحمل التداعيات السياسية التي قد تترتب على وصول التحقيقات إلى شخصيات نافذة داخل القوى الحاكمة.
ويرى الخبير في الشؤون السياسية والاستراتيجية سرمد البياتي، خلال حديثه إلى برنامج "التاسعة" على "سكاي نيوز عربية"، أن المخاوف من ارتدادات الحملة داخل الإطار التنسيقي حقيقية، باعتبار أن أي اتهامات أو اعتقالات تطال شخصيات تنتمي إلى التحالف الحاكم ستتحول إلى قضية سياسية كبيرة، لأن الإطار هو الجهة التي تدير السلطة، وهو نفسه من رشحّ الزيدي لتولي رئاسة الوزراء.
الخلاف لا يتعلق بمبدأ مكافحة الفساد بل بأسلوب التنفيذ
بحسب البياتي، فإن جوهر الإشكالية لا يكمن في مبدأ مكافحة الفساد، وإنما في الكيفية التي نُفذت بها الاعتقالات.
وأشار إلى أن الإجراءات الأمنية التي رافقت الحملة، بما تضمنته من انتشار للدبابات وإغلاق المنطقة الخضراء واستخدام الآليات العسكرية الثقيلة، شكلت حدثا استثنائيا أثار اهتمام الرأي العام.
وأكد البياتي أن الشارع العراقي استقبل هذه المشاهد بارتياح كبير، باعتبارها مؤشرا على انطلاق مرحلة جديدة في مواجهة الفساد، إلا أن الخبير في الشؤون السياسية والاستراتيجية لفت في المقابل إلى أن اجتماعات الإطار التنسيقي أظهرت وجود رؤية مختلفة تجاه تلك الإجراءات، ما يعكس تباينا في المواقف داخل التحالف الحاكم.
وأضاف أن من بين الأسباب التي زادت من حساسية الملف تفريغ الهواتف الخلوية للمعتقلين، وهو ما فتح باب التكهنات بشأن احتمال وجود ملفات جديدة قد تقود إلى شخصيات أكبر، مشيرا إلى ما يتردد عن وجود أسماء أخرى قد تكون في طريقها إلى الإجراءات القانونية، معتبرا أن التعامل مع هذا المستوى من القضايا يحتاج إلى قدر كبير من الشجاعة والإقدام.
مصادر القوة السياسية تمنح الحكومة فرصة للاستمرار
رغم النفوذ الذي تتمتع به القوى المستهدفة، يؤكد البياتي أن رئيس الوزراء يمتلك في المقابل عناصر دعم مهمة تمنحه القدرة على مواصلة الحملة.
ويضع البياتي في مقدمة هذه العناصر التأييد الشعبي الواسع، معتبرا أن العراقيين ينظرون بإيجابية إلى ملاحقة ملفات الفساد.
كما يشير إلى أن الحكومة تستند إلى الموقف الذي أعلنته المرجعية الدينية عام 2017، عندما أكدت، عقب إعلان النصر على تنظيم داعش، أن محاربة الفساد تمثل تحديا لا يقل خطورة عن مواجهة الإرهاب، وأن هذه المهمة تحتاج إلى رجال يمتلكون الشجاعة والحزم.
وتابع البياتي قائلا إن السلطة القضائية، ممثلة بمجلس القضاء الأعلى والمحاكم، تشكل أيضا ركيزة مهمة لاستمرار الحملة، فضلا عن الدعم الذي تلقاه رئيس الوزراء أخيرا من زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، وهو ما يمنحه زخما سياسيا وشعبيا إضافيا.
وفي هذا السياق، استشهد البياتي بالأحداث التي شهدتها المنطقة الخضراء قبل سنوات، عندما استجاب أنصار الصدر لتوجيهاته وغادروا المنطقة خلال فترة قصيرة، ليؤكد بذلك حجم القدرة التي يمتلكها الصدر على تحريك الشارع العراقي، وهو ما يعد، من وجهة نظره، عاملا مؤثرا في موازين القوى الحالية.
تجاوز الخطوط الصفراء لا الحمراء
في تقييمه لمسار الحملة، يرى البياتي أن الحكومة لم تصل بعد إلى ما يمكن وصفه بـ"الخطوط الحمراء"، وإنما تجاوزت ما سماه "الخطوط الصفراء"، في إشارة إلى أن المواجهة مع شبكات الفساد لم تبلغ بعد أكثر مراحلها حساسية.
وشدد البياتي على أن الوصول إلى المراحل الأصعب من حملة مكافحة الفساد لم يتحقق بعد، وأن الحكومة لا تزال أمام استحقاقات أكثر تعقيدا إذا أرادت استكمال هذا المسار.
وحذر البياتي من أن أي توقف في حملة مكافحة الفساد ستكون له كلفة سياسية مرتفعة، مؤكدا أن الحكومة، بعد دخولها هذا الملف، لم يعد بإمكانها التراجع.
وحسبما قال البياتي فإن رئيس الوزراء دخل بالفعل في مواجهة مع "عش الدبابير"، وبالتالي فإن استمرار الحملة أصبح ضرورة للحفاظ على ثقة العراقيين.
ولفت البياتي إلى أن العراق يمتلك أجهزة أمنية قادرة على مواصلة تنفيذ القانون، داعيا إلى عدم التردد في استكمال الإجراءات بحق جميع المتورطين، كما يرى أن الأموال المنهوبة الموجودة داخل البلاد تمثل موردا يمكن أن يغني العراق عن اللجوء إلى الاقتراض الخارجي، إذا ما استمرت الدولة في استعادة الأموال وملاحقة ملفات الفساد حتى نهايتها.
تشكيك في بعض الروايات المتداولة
في جانب آخر من حديثه، تطرق البياتي إلى ما أثير بشأن قائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قاآني، معتبرا أن الأخبار التي تحدثت عن منعه من دخول العراق غير دقيقة.
وبيّن أن طبيعة الحدود الممتدة بين العراق وإيران، إضافة إلى الزيارات غير الرسمية، تجعل من الصعب الجزم بمثل هذه المعلومات، مشيرا إلى أنه تحقق بنفسه من الخبر وخلص إلى أنه غير صحيح.
واعتبر البياتي أن تداول مثل هذه الروايات يندرج في إطار إثارة البلبلة وإشعال الخلافات بين الكتل السياسية، مؤكدا أن الأولوية يجب أن تبقى موجهة نحو استمرار حملة مكافحة الفساد وعدم السماح بتحويل الأنظار إلى قضايا جانبية.
وخلص البياتي إلى أن معركة مكافحة الفساد دخلت مرحلة مفصلية، وأن استمرارها حتى الوصول إلى جميع المتورطين يمثل، برأيه، الاختبار الحقيقي للحكومة، مؤكدا أن أي تراجع في هذا المسار سيؤدي إلى خسارة جزء كبير من الدعم الشعبي الذي حظيت به الحملة منذ انطلاقها.
إقرأ المزيد


