جريدة الرياض - 7/3/2026 4:52:49 AM - GMT (+3 )
عندما تصبح ساحة المعركة مكشوفة للجميع.. انتهاء زمن السرية
الأقمار الصناعية عيون لا تنام
أصبحت الأقمار الصناعية أحد أبرز العوامل التي قللت من قدرة الجيوش على إخفاء تحركاتها وأنشطتها.
استطاعت شركات مثل "بلانيت لابز" و"ماكسار تكنولوجيز" بقدرتها على تصوير معظم سطح الأرض يومياً بدقة عالية جداً، ما يعني أن أي حشد عسكري أو بناء قاعدة أو حركة قطع بحرية لم يعد من الممكن إخفاؤه بسهولة. هذا يعني أن الجيوش باتت تعمل في بيئة أكثر شفافية، حيث يمكن للأعداء والأطراف الثالثة تتبع التحركات الاستراتيجية في دقائق معدودة. كما أن الصور التجارية المتاحة للصحفيين والباحثين والخبراء الاستراتيجيين أسهمت في معرفة انتهاكات حقوق الإنسان وتوثيق جرائم الحرب، مما أضاف بُعداً جديداً للصراعات المسلحة.
الطائرات دون طيار والاستخبارات المفتوحة
غيرت الطائرات دون طيار من مفهوم ساحة المعركة التقليدية، حيث باتت توفر تدفقاً مستمراً من البيانات والمعلومات الاستخباراتية، استخدمت أوكرانيا هذه التقنية بفاعلية غير مسبوقة في مراقبة القوات الروسية وتحركاتها على خطوط المواجهة. كما أن استخدام نشر المعلومات عبر قنوات اليوتيوب والبرامج في وسائل التواصل الاجتماعي سرع من نشر وتتبع حركة الجيوش حول العالم وهذا أضاف بُعداً جديداً للتجسس المفتوح، حيث يقوم متخصصون ومحللون بجمع وتحليل المعلومات المتاحة علنياً لإنتاج تقارير استخباراتية مفصلة. هذا التحول في جمع المعلومات يعرف بـ"الاستخبارات مفتوحة المصدر" أو OSINT، وأصبح أداة قوية في يد المحللين الاستراتيجيين والصحفيين الاستقصائيين على حد سواء.
الذكاء الاصطناعي والتعرف الآلي
أتاح الذكاء الاصطناعي قدرات غير مسبوقة في تحليل كميات هائلة من البيانات المرئية والتعرف على الأنماط والسلوكيات المشبوهة. يمكن لأنظمة التعرف الآلي اليوم تحديد الهوية ومراقبة حركة الأفراد وتتبع المركبات بدقة عالية جداً، حتى عبر الأقمار الصناعية. كما يستطيع الذكاء الاصطناعي تحليل أنماط الحياة اليومية في المنشآت العسكرية، ما يكشف عن التغييرات الطفيفة التي قد تشير إلى استعدادات لشن عمليات هجومية. هذا التطور يعني أن الجيوش أصبحت مضطرة للتخطيط لعملياتها بعوامل إضافية للتمويه والخداع، وهو ما يرفع التكاليف اللوجستية ويزيد من تعقيد التخطيط العملياتي.
التوازن بين الشفافية العسكرية والأمن الوطني معادلة صعبة
رغم أن الانكشاف المتزايد لساحات المعارك يمثل تحدياً أمنياً خطيراً، إلا أن هناك منافع استراتيجية يمكن الاستفادة منها. فالشفافية العسكرية قد تكون أداة ردع فعالة، حيث إن إظهار القوة والقدرات العسكرية من دون إعلان صريح قد يردع الخصوم عن شن هجمات. كما أن الانكشاف الإعلامي في بعض الحالات يحمي الجيوش من اتهامات الحرب والتجاوزات، خاصة إذا تم توثيق الأحداث بشكل مستقل. على الجانب الآخر، تتطلب المعارك الحديثة مستويات غير مسبوقة من التنسيق بين الوحدات، ما يستوجب أنظمة اتصال وتبادل معلومات محمية تقنياً. هذا يعني أن الجيوش المتقدمة تستثمر مليارات الدولارات في تقنيات الحرب الإلكترونية والأقمار الصناعية العسكرية المشفرة لضمان تدفق المعلومات بشكل آمن.
مستقبل السرية العسكرية تقنيات وأساليب جديدة
رغم التحديات الكبيرة، تواصل الجيوش الرائدة تطوير آليات للحفاظ على عنصر المباغتة والسرية. يتضمن ذلك استخدام تقنيات الإخفاء المتقدمة، وأنظمة الحرب الإلكترونية لتحييد قدرات المراقبة، واستراتيجيات الخداع والتضليل. كما تستثمر الجيوش في تطوير شبكات اتصالات لا مركزية ومقاومة للاختراق، واستخدام الذكاء الاصطناعي ذاته لتوليد سيناريوهات خادعة وإرباك أنظمة الاستخبارات المعادية. يشير الخبراء إلى أن مستقبل السرية العسكرية لن يعتمد على إخفاء الوجود المادي للقوات، بل على حماية البنية التحتية الحيوية مثل شبكات القيادة والتحكم والأنظمة اللوجستية، مع قبول مستوى معين من الانكشاف في ميادين القتال.
مواجهة الشفافية القاتلة
ماذا يفعل القائد العسكري الذي لم يعد قادراً على إخفاء قواته؟ الجواب كان مفاجئاً حتى لكبار العسكريين وهو العودة إلى تكتيكات ما قبل الحرب العالمية الثانية فالدبابة المطاطية المنفوخة التي كانت أداة خداع ساذجة في الحرب العالمية الثانية عادت من جديد، ولكن هذه المرة وهي مزودة بسخانات كهربائية تجعلها تبدو في كاميرات التصوير الحراري تماماً كدبابة بمحرك يعمل.
أيضا التمويه الطيفي الحديث الذي يمتص موجات الرادار بدلاً من أن تعكسها عبر أغطية عازلة حرارياً تخفي حرارة المحرك ودهانات متغيرة اللون للتمويه.
كذلك التمويه التكيفي فبعض الأبحاث العسكرية الحالية تدرس إمكانية تغير ألوان وأنماط سطح المدرعة تلقائياً كلما تحركت من بيئة إلى أخرى، تماماً كما تفعل الحرباء.
وأخيرا ما يسمى بتكتيكات الفقراء أثناء التحرك تحت الأرض، أو في الأنفاق، أو في الغابات الكثيفة حيث تحجب الرؤية من الأعلى والتحرك في الطقس السيئ الذي أصبح جزءاً من التخطيط العملياتي.
لكن المعنى الاستراتيجي الأعمق لظاهرة «الشفافية القاتلة» ليس مجرد أنها غيرت التكتيك، بل أنها ربما تكون قد أنهت حقبة كاملة في تاريخ الحرب: حقبة «الحرب الخاطفة» والمناورة العميقة والمفاجأة الاستراتيجية. ففي عالم يستطيع فيه الخصم رؤية حشودك قبل أن تكتمل، ويستطيع استهدافها بمسيّرات رخيصة قبل أن تبدأ بالتحرك، تصبح فكرة «اللكمة الأولى الساحقة» شديدة الصعوبة. وهذا يفسر جزئياً لماذا تحولت حرب أوكرانيا، التي توقع كثيرون أن تكون حرب مناورة سريعة، إلى حرب استنزاف طويلة على جبهة شبه ثابتة تشبه الحرب العالمية الأولى. فعندما يرى كل طرف ما يفعله الطرف الآخر أولاً بأول، تصبح المفاجأة شبه مستحيلة، ويصبح الهجوم مكلفاً لدرجة تدفع الجميع إلى الحفر والتحصن.
ولعل التحول الأعمق في مفهوم الشفافية لم يأت من السماء وحدها، بل جاء من الأرض، من جيوب ملايين المدنيين. فالهاتف الذكي، الذي صار امتداداً للجسد البشري، تحول إلى مستشعر ميداني لا ينام. في اللحظة التي يتحرك فيها رتل عسكري في أي بقعة مأهولة من العالم، تخرج عشرات الكاميرات من النوافذ والشرفات، وتغرق منصات التواصل الاجتماعي بصور ومقاطع فيديو تلتقط أدق التفاصيل: نوع المدرعات، أرقام الوحدات، اتجاه السير، حتى تعابير وجوه الجنود. هذه ليست استخبارات تقليدية، إنها «استخبارات حشدية» لا يمكن إسكاتها لأن مصدرها الشعب نفسه، ولا يمكن اعتراضها لأنها تتدفق عبر شبكات مشفرة وتطبيقات لا مركزية.
الدروس المستفادة من الصراعات المعاصرة
قدمت الحرب في أوكرانيا نموذجاً حياً لكيفية تأثير الانكشاف التكنولوجي على مسار المعارك.
قبل الحرب الروسية الأوكرانية بأشهر، كان باحثون مستقلون على منصات التواصل الاجتماعي يتتبعون ظهور مستشفيات ميدانية على الحدود، ويرصدون وصول عربات إسعاف عسكرية، ويقارنون صور الأقمار الصناعية أسبوعاً بأسبوع ليكتشفوا حفر خنادق جديدة وبناء مستودعات ذخيرة، كل هذه "المؤشرات التحذيرية" كانت متاحة للجميع، ونشرت في تغريدات وخيوط على وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تصل في شكل تقارير رسمية إلى صانعي القرار.
كما استُخدمت أقمار ستارلينك الفضائية لتوفير اتصالات موثوقة، بينما لعبت الطائرات دون طيار دوراً محورياً في الاستطلاع والهجوم. استخدم كلا الطرفين تقنيات المراقبة الحديثة، ما أدى إلى حرب استنزاف تعتمد على الطائرات بدون طيار والاستخبارات المستمرة، كما أن وسائل التواصل الاجتماعي تحولت إلى ساحة معركة معلوماتية، حيث تنافست الروايات والأخبار المضللة اثناء المعارك الفعلية. هذه التجربة كشفت أن الجيوش التي تتكيف مع بيئة الانكشاف التكنولوجي تكتسب ميزة تنافسية حاسمة.
وقد برز أيضا خلال حرب أوكرانيا تحديداً ظاهرة "المُبلغ الرقمي"، وهو مواطن عادي في مناطق خلف خطوط العدو يصور تحركات القوات ويرفعها إلى تطبيقات حكومية صممت خصيصاً لهذا الغرض، مثل تطبيق "ديا" الأوكراني. في الأشهر الأولى من الحرب، كانت هذه البلاغات الأرضية تكمل صور الأقمار الصناعية بشكل مذهل فالقمر يصور تجمعاً غامضاً في ساحة ما، والمواطن على بعد مئة متر يصوره من زاوية أخرى ويؤكد أنه محطة وقود متنقلة، ثم محلل مستقل يقارن الصورتين ويحدد الإحداثيات بدقة، فيكتمل مثلث الرصد الذي لم يكن متاحاً لأي جيش قبل عقد من الزمان.
نحو نموذج جديد للصراع المسلح
إن التحول الذي تشهده ساحات المعارك ليس مجرد تطور تقني عابر، بل يمثل تغييراً نوعياً في طبيعة الحرب ذاتها. لم تعد السرية العسكرية المطلقة ممكنة أو حتى ضرورية في جميع جوانب العمليات العسكرية. بدلاً من ذلك، يتعين على الجيوش التكيف مع بيئة أكثر انفتاحاً، والاستفادة من التقنيات الجديدة لتحقيق التفوق، مع حماية العناصر الحساسة التي تمثل النقاط الحرجة.
لم يعد السؤال "كيف نخفي تحركاتنا؟" فحسب، بل صار أيضاً "كيف نضمن أن ما يراه الخصم ويصدقه هو بالضبط ما نريده أن يراه؟".
إقرأ المزيد


