جريدة الرياض - 7/3/2026 4:52:49 AM - GMT (+3 )
لم تعد العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا تسير وفق القواعد التي حكمتها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فمع عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، دخلت العلاقات عبر الأطلسي مرحلة جديدة اتسمت بتصاعد الخلافات حول قضايا الدفاع والتجارة والأمن، في وقت تواجه فيه أوروبا تحديات متزايدة نتيجة الحرب الروسية الأوكرانية، وتنامي المنافسة الدولية، وتغير أولويات السياسة الخارجية الأمريكية.
هذه التحولات دفعت العواصم الأوروبية إلى إعادة تقييم فرضيات استمرت لعقود، أبرزها الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية، والرهان على استمرار التزام واشنطن بأمن القارة بنفس المستوى الذي ساد منذ تأسيس حلف شمال الأطلسي. واليوم يتزايد الحديث داخل أوروبا عن ضرورة بناء "الاستقلال الاستراتيجي"، وهو مفهوم يقوم على امتلاك قدرات دفاعية وصناعية وتقنية تمنح الاتحاد الأوروبي هامشاً أكبر من الاستقلال في اتخاذ القرار.
ويرى عدد من الباحثين أن ما تشهده أوروبا ليس مجرد استجابة ظرفية لتغير الإدارة الأمريكية، بل بداية تحول هيكلي في التفكير الاستراتيجي الأوروبي. وفي تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز، اعتبر الباحثون مارينا هنكه وإيرين مارينوفا وتيل كنوبلوخ أن القارة الأوروبية بدأت بالفعل في إعادة صياغة أولوياتها الأمنية، وأن السياسات الأمريكية خلال السنوات الماضية سرعت هذا التحول، الذي كانت ملامحه تتشكل تدريجياً منذ الولاية الأولى للرئيس ترمب.
ويشير التحليل إلى أن أوروبا أدركت أن النموذج الذي اعتمد على تحقيق الازدهار الاقتصادي مع الاعتماد شبه الكامل على الولايات المتحدة في توفير المظلة الأمنية أصبح أكثر صعوبة في ظل البيئة الدولية الحالية. كما أن الحرب في أوكرانيا أعادت قضية الأمن والدفاع إلى صدارة أولويات الحكومات الأوروبية، بعد سنوات طويلة من التركيز على الملفات الاقتصادية والاجتماعية.
وتعكس مؤشرات الرأي العام هذا التحول. فقد أظهرت استطلاعات للرأي داخل الاتحاد الأوروبي ارتفاع مستويات القلق من التهديدات الأمنية، مع اعتبار نسبة كبيرة من المواطنين أن الحرب الروسية الأوكرانية تمثل تحدياً مباشراً لاستقرار القارة. كما أظهرت استطلاعات أخرى تراجعاً في الثقة بقدرة الولايات المتحدة على الاضطلاع بدورها التقليدي بوصفها الضامن الأول للأمن الأوروبي، وهو ما عزز الدعوات إلى بناء قدرات أوروبية مستقلة.
وأدى ذلك إلى زيادة ملحوظة في الإنفاق الدفاعي الأوروبي. فقد أعلنت دول عدة، من بينها ألمانيا وبولندا وفرنسا ودول البلطيق، برامج واسعة لتحديث قواتها المسلحة ورفع جاهزيتها العسكرية، بالتوازي مع زيادة الاستثمارات في الصناعات الدفاعية. كما توسعت برامج إنتاج الذخائر وأنظمة الدفاع الجوي والطائرات المسيّرة، في إطار جهود تستهدف تقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين وتعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية الأوروبية.
وتبرز ألمانيا باعتبارها إحدى أكثر الدول التي شهدت تحولاً في سياساتها الدفاعية. فمنذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية أعلنت برلين تغييراً جذرياً في عقيدتها الأمنية، تضمن إنشاء صندوق خاص لتحديث القوات المسلحة وزيادة الإنفاق الدفاعي، إلى جانب تعزيز التعاون الصناعي مع شركاء أوروبيين في مجالات إنتاج الدبابات والمركبات القتالية والأنظمة الدفاعية الحديثة.
وفي المقابل، واصلت بولندا تعزيز مكانتها باعتبارها إحدى أكبر القوى العسكرية الصاعدة في أوروبا، مستفيدة من برامج تسليح واسعة النطاق وزيادة كبيرة في موازنات الدفاع، بينما عززت دول الشمال الأوروبي تعاونها العسكري بعد انضمام كل من فنلندا والسويد إلى حلف شمال الأطلسي، وهو تطور أعاد رسم الخريطة الأمنية لشمال أوروبا.
كما عاد النقاش حول الخدمة العسكرية الإلزامية إلى الواجهة في عدد من الدول الأوروبية، بعد أن كانت معظم الحكومات قد ألغتها أو جمدتها خلال العقود الماضية. ويرى مؤيدو هذا التوجه أن المتغيرات الأمنية الحالية تستدعي توسيع قاعدة القوات الاحتياطية ورفع جاهزية المجتمعات لمواجهة الأزمات، في حين يرى معارضون أن التركيز يجب أن ينصب على بناء جيوش احترافية عالية التقنية.
ولم يقتصر التحول الأوروبي على الجانب العسكري، بل امتد إلى الصناعات الدفاعية. فقد شهدت السنوات الأخيرة توسعاً ملحوظاً في استثمارات الشركات الأوروبية العاملة في مجالات الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة والأنظمة الإلكترونية، مع توجه الحكومات إلى تشجيع الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات العسكرية، خصوصاً في ظل الدروس التي كشفتها الحرب في أوكرانيا بشأن أهمية امتلاك سلاسل إمداد مستقلة.
ورغم هذا الحراك، فإن تحقيق استقلال أوروبي كامل في المجال الدفاعي لا يزال يواجه تحديات كبيرة. فالقدرات العسكرية للدول الأوروبية تختلف بصورة واضحة، كما أن أولوياتها الأمنية ليست متطابقة. ففي حين تركز دول شرق أوروبا على مواجهة التهديد الروسي، تعطي دول جنوب القارة أهمية أكبر لقضايا الهجرة وأمن البحر المتوسط والإرهاب، بينما تهتم بعض الحكومات بالملفات الاقتصادية والقدرة التنافسية بقدر اهتمامها بالملفات العسكرية. وتضاف إلى ذلك التحديات السياسية داخل الاتحاد الأوروبي، مع استمرار صعود الأحزاب اليمينية في عدد من الدول، وما يرافق ذلك من تباين في المواقف تجاه مستقبل التكامل الأوروبي، وسياسات الدفاع المشتركة، والعلاقة مع الولايات المتحدة. ويجعل هذا الواقع من الصعب الوصول إلى استراتيجية موحدة تحظى بإجماع جميع الدول الأعضاء.
وعلى الرغم من هذه التباينات، فإن حلف شمال الأطلسي لا يزال يمثل الركيزة الأساسية للأمن الأوروبي. إلا أن النقاش داخل أوروبا بات يتركز بصورة متزايدة على كيفية تعزيز الدور الأوروبي داخل الحلف، وزيادة مساهمة الدول الأوروبية في التخطيط والقيادة والتمويل، بما يمنحها قدرة أكبر على التعامل مع الأزمات حتى في حال تغير أولويات السياسة الأمريكية.
وفي الوقت ذاته، تواصل الولايات المتحدة إعادة توزيع اهتمامها الاستراتيجي نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، في إطار المنافسة المتصاعدة مع الصين. ويرى كثير من المحللين أن هذا التحول سيجعل أوروبا مطالبة بتحمل مسؤولية أكبر عن أمنها الإقليمي، بغض النظر عن هوية الإدارة الأمريكية المقبلة.
وتشير التطورات الراهنة إلى أن العلاقات الأمريكية الأوروبية لا تتجه نحو القطيعة، وإنما نحو إعادة توزيع الأدوار داخل التحالف الغربي. فالروابط الاقتصادية والسياسية والعسكرية بين الجانبين لا تزال عميقة، غير أن شكل هذه العلاقة يتغير تدريجياً بما يعكس التحولات التي يشهدها النظام الدولي، وتزايد اعتماد أوروبا على قدراتها الذاتية في مجالات الدفاع والأمن والصناعة.
وفي ضوء هذه المتغيرات، تبدو القارة الأوروبية أمام مرحلة مفصلية قد تعيد تعريف موقعها في النظام الدولي خلال السنوات المقبلة. فنجاح مشروع الاستقلال الاستراتيجي سيعتمد على قدرة الحكومات الأوروبية على تجاوز خلافاتها الداخلية، وتنسيق سياساتها الدفاعية والصناعية، والحفاظ في الوقت نفسه على شراكة فعالة مع الولايات المتحدة داخل إطار حلف شمال الأطلسي. أما إذا تعثرت هذه الجهود، فقد تجد أوروبا نفسها أمام تحديات أمنية أكثر تعقيداً في بيئة دولية تتسم بتزايد المنافسة بين القوى الكبرى، وتسارع وتيرة الأزمات الجيوسياسية.
إقرأ المزيد


